الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

معركة صامتة تحت هرمز.. مسيرات وغواصات في مرمى نيران إيران

تفتح واقعة إعلان الحرس الثوري الإيراني احتجاز مسيرة أمريكية...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

قراءة في صندوق الاقتراع البلطيقي.. صراع السيادة والاقتصاد على حدود الناتو الشرقية

زياد حيده ــ محلل سياسي ومتخصص في العلاقات الدوليةتُشكل...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

شؤون عسكرية وإستخبارية«أبراهام لينكولن».. أزمة تكشف استنزاف الجيش الأمريكي في حرب إيران

«أبراهام لينكولن».. أزمة تكشف استنزاف الجيش الأمريكي في حرب إيران

كتب: جيمس بوليتي في صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية

تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزارة الدفاع، بقيادة بيت هيغسيث، ضغوطاً متزايدة على خلفية أوضاع حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي تنتشر في الشرق الأوسط منذ أشهر طويلة ضمن العمليات العسكرية الأمريكية المرتبطة بالحرب مع إيران.

وتحوّلت الشكاوى المتعلقة بالحاملة، التي تضم نحو 5 آلاف بحار، إلى قضية سياسية وعسكرية أوسع، بعدما تحدث أفراد من عائلات الطاقم إلى وسائل إعلام عسكرية وأعضاء في الكونغرس عن نقص في بعض الإمدادات، ومشكلات تتعلق بالمياه، إلى جانب تدهور الحالة النفسية لبعض أفراد الطاقم.

ترامب يقلل من مخاوف عائلات البحارة

ورغم تصاعد الانتقادات، قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خطورة الوضع، نافياً أن تكون عائلات البحارة قلقة على النحو الذي جرى تداوله، ومشيراً إلى أن حاملة أخرى ستصل إلى المنطقة لتحل محل «أبراهام لينكولن».

وعندما سُئل ترامب عما إذا كانت الحاملة قد أمضت فترة أطول من اللازم في الانتشار، رفض ذلك بشكل قاطع، مؤكداً أن مدة وجودها في المنطقة لم تكن طويلة بما يكفي من وجهة نظره.

لكن تصريحات الرئيس جاءت في وقت تتزايد فيه علامات الاستياء داخل الولايات المتحدة من الحرب مع إيران، وسط مخاوف من أن تتحول العملية العسكرية إلى تدخل خارجي طويل ومكلف، شبيه بتجارب أمريكية سابقة استنزفت الموارد العسكرية والمالية على مدى سنوات.

ضغوط جديدة على هيغسيث

تأتي أزمة «أبراهام لينكولن» في لحظة حساسة بالنسبة إلى وزير الدفاع بيت هيجسيث، الذي واجه منذ توليه المنصب سلسلة من الانتقادات بشأن أسلوب إدارته للبنتاغون وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية.

وقد سعى هيجسيث إلى إحداث تغييرات واسعة داخل وزارة الدفاع، بما في ذلك إبعاد عدد من كبار القادة العسكريين وإعادة صياغة بعض السياسات الداخلية بما يتوافق مع توجهات إدارة ترامب.

البحرية الأمريكية

وتزيد الانتقادات الحالية من الضغوط عليه، خصوصاً مع اتهامات بأن القيادة السياسية لا تتعامل بالجدية الكافية مع الأعباء التي تتحملها القوات المنتشرة في الشرق الأوسط.

وخلال زيارة إلى بنما، رفض هيغسيث التقارير المتعلقة بظروف الحاملة، مؤكداً أن الصورة المتداولة عن أوضاعها جرى تضخيمها، ومشيداً بأداء طاقمها في تنفيذ المهام العسكرية.

نقص الإمدادات ومخاوف الصحة النفسية

في المقابل، نفت الإدارة الأمريكية حدوث ارتفاع في محاولات الانتحار أو المشكلات النفسية على متن الحاملة، مؤكدة أن البحرية توفر للطاقم موارد إضافية للدعم النفسي والمعنوي.

وتشمل هذه الموارد عدداً من القساوسة العسكريين، واختصاصيين في علم النفس والخدمات الاجتماعية، إلى جانب كلب مدرب للمساعدة في تحسين الحالة المعنوية للطاقم.

أما فيما يتعلق بالإمدادات، فتقول الإدارة إن الحاملة تعمل في بيئة عسكرية شديدة التعقيد، بعدما أدت العمليات القتالية إلى اضطراب بعض خطوط الإمداد التقليدية في المنطقة.

وتؤكد وزارة الدفاع أن الأولوية تُمنح للمواد الضرورية للمهمة، وفي مقدمتها الغذاء، ثم مستلزمات النظافة والبريد، مع التشديد على استمرار توافر المياه النظيفة والتكييف والوجبات المناسبة.

انتشار عسكري أمريكي ضخم في الشرق الأوسط

تُعد «أبراهام لينكولن» جزءاً من انتشار بحري أمريكي واسع في الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب مع إيران.

وشاركت الحاملة في العمليات الجوية الأمريكية ضد أهداف إيرانية، كما انخرطت القوات البحرية الأمريكية في عمليات مرتبطة بفرض حصار على حركة السفن من وإلى الموانئ الإيرانية عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.

وتشير التصريحات الصادرة عن القيادة الأمريكية إلى استعداد واشنطن لمواصلة عمليات الحصار والانتشار البحري لفترة طويلة، بل إن هيغسيث قال إن الولايات المتحدة قادرة على استمرار الحصار البحري في المنطقة «إلى أجل غير مسمى».

لكن هذه التصريحات تثير تساؤلات داخل الأوساط العسكرية حول قدرة القوات الأمريكية على الحفاظ على وتيرة العمليات الحالية من دون التأثير في جاهزيتها على المدى الطويل.

«ادفعوا الجميع إلى أقصى الحدود»

يرى مسؤولون وخبراء عسكريون سابقون أن المشكلة لا تقتصر على حاملة الطائرات وحدها، بل تعكس ضغوطاً أوسع على القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

ويحذر خبراء من أن جداول الانتشار المكثفة وتسارع العمليات العسكرية قد يفرضان أعباء كبيرة على القوات البحرية والجوية والبرية في الوقت نفسه.

وتتمثل المخاوف في أن الاعتماد المستمر على سياسة دفع القوات إلى العمل بوتيرة أعلى قد يؤدي في نهاية المطاف إلى آثار سلبية على جاهزية الجيش، خصوصاً إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

فالقوات التي تقضي أشهراً متواصلة بعيداً عن قواعدها تحتاج إلى إعادة تأهيل وصيانة وتدريب واستعادة للجاهزية، بينما يمكن أن يؤدي استمرار العمليات المكثفة إلى استنزاف الأفراد والمعدات والذخائر.

الحرب تستنزف الموارد الأمريكية

لا تتعلق أزمة «أبراهام لينكولن» بالظروف المعيشية للبحارة فقط، وإنما تأتي في إطار مخاوف أكبر بشأن حجم الموارد العسكرية التي تستهلكها الحرب مع إيران.

فمنذ بدء العمليات، أنفقت الولايات المتحدة كميات ضخمة من الذخائر المستخدمة في الهجمات وكذلك في منظومات الدفاع، بالتزامن مع نشر أعداد كبيرة من القوات والطائرات والسفن في المنطقة.

الجيش الأمريكي

ويثير ذلك تساؤلات حول المدة التي تستطيع واشنطن خلالها الحفاظ على هذا المستوى من العمليات، خصوصاً إذا لم تقترب الحرب من نهايتها.

كما يزداد القلق بشأن تأثير الاستنزاف الحالي على قدرة الجيش الأمريكي على التعامل مع أزمات أخرى محتملة حول العالم، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات أمنية متزامنة في مناطق مختلفة.

انتقادات من الكونجرس

انتقلت القضية أيضاً إلى الكونغرس، حيث طالب زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بإقالة هيغسيث، بينما بعث عدد من النواب الذين يمثلون منطقة سان دييغو، حيث توجد قاعدة الحاملة، برسالة إلى وزير الدفاع طالبوا فيها بتوضيحات حول أوضاع الطاقم والخطط الخاصة بعودته.

وأكد أحد أعضاء الكونغرس المشاركين في الرسالة أن عائلات البحارة تستحق معرفة حقيقة ما يحدث على متن الحاملة، والإجراءات التي تتخذها وزارة الدفاع لحمايتهم، والموعد الذي يمكن فيه عودة السفينة وطاقمها بأمان.

كما انتقد النواب غياب رؤية واضحة بشأن مسار الحرب، متسائلين عن الأهداف النهائية للعملية العسكرية واستراتيجية الخروج والجدول الزمني لعودة القوات الأمريكية.

انهاك القوات الأمريكية

ويرى خبراء في شؤون الدفاع أن الغضب المرتبط بحاملة «أبراهام لينكولن» يعكس أزمة أعمق داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، تتمثل في تشغيل القوات بوتيرة مرتفعة لفترة طويلة دون منحها الوقت والموارد الكافية لاستعادة قدراتها.

وتحذر هذه الرؤية من أن تلبية الاحتياجات الأساسية للجنود والبحارة ليست مسألة رفاهية، بل جزء أساسي من القدرة على خوض حرب طويلة.

فالجيوش الحديثة تعتمد على منظومة ضخمة من الإمدادات والخدمات اللوجستية للحفاظ على كفاءة قواتها. وإذا بدأت هذه المنظومة في التعثر، فإن التأثير لا يقتصر على معنويات الأفراد، بل يمكن أن يمتد إلى القدرة القتالية والاستعداد لمواجهة تهديدات مستقبلية.

وبذلك، أصبحت «أبراهام لينكولن» أكثر من مجرد حاملة طائرات تواجه مشكلات تشغيلية؛ إذ تحولت إلى رمز للأسئلة المتزايدة حول قدرة الولايات المتحدة على تحمل حرب طويلة في الشرق الأوسط، من دون أن تدفع قواتها ثمناً متزايداً على مستوى الجاهزية والموارد والمعنويات.

مقالات ذات صلة