الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

الهند بين واشنطن وبكين.. استقلال استراتيجي يصطدم بحسابات الاقتصاد

تتحرك الهند بين مسارين متوازيين في علاقتها مع الصين...

ماذا بعد أمريكا؟.. فخ الفراغ الوهمي في الشرق الأوسط

كتب ـــ ليون حدّار في  مجلة ناشيونال إنتريستمع انتهاء...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

شؤون عسكرية وإستخباريةترسانات الغرب ينفد مخزونها.. أزمة الذخائر والصواريخ تهدد كبرى عواصم أوروبا

ترسانات الغرب ينفد مخزونها.. أزمة الذخائر والصواريخ تهدد كبرى عواصم أوروبا

لم تنفد مخزونات الولايات المتحدة وحلفائها من الصواريخ والاعتراضات لأن الغرب خاض حروبًا كثيرة، بقدر ما كشفت الحروب الحديثة عن مشكلة أعمق تراكمت على مدى ثلاثة عقود.

فبعد انتهاء الحرب الباردة، أعادت واشنطن وعواصم أوروبية عدة صياغة حساباتها العسكرية على أساس أن الحرب الكبرى بين القوى المتقدمة أصبحت أقل احتمالًا، ما أدى إلى تقليص المخزونات والقدرات الصناعية المخصصة للإنتاج السريع.

ومع اتساع نطاق الصراعات من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وارتفاع أهمية الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ظهرت مشكلة مختلفة: الحروب عالية الكثافة تستهلك الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية بوتيرة قد تتجاوز قدرة الصناعات الدفاعية الغربية على تعويضها. ويشير تحليل حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS» إلى أن الحرب مع إيران فاقمت أزمة الذخائر الأميركية، لكنها ليست السبب الوحيد وراءها.

ضعفًا قديمًا

يركز النقاش الدائر في الولايات المتحدة على تأثير الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط في مخزونات الأسلحة، لكن تحليل «CSIS» يقدم صورة أكثر تعقيدًا. فالمركز يرى أن عمليات نقل الأسلحة إلى أوكرانيا كانت عاملًا محدودًا في بعض فئات الذخائر المرتبطة بالاحتياجات المحتملة في حرب مع إيران أو في المحيط الهادئ، مع وجود استثناءات مهمة مثل صواريخ «ستينغر» وبعض الأنظمة الأخرى.

ويشير التحليل إلى أن الولايات المتحدة قدمت لأوكرانيا معدات عسكرية ضمن 102 فئة، لكن أربع فئات فقط تداخلت بصورة كبيرة مع بعض الاحتياجات المرتبطة بسيناريوهات الحرب المستقبلية، وهي «باتريوت» و«أتاكمز» و«هارم» و«ستينغر». كما أن جزءًا من صواريخ «باتريوت» التي وصلت إلى أوكرانيا جاء من مخزونات أوروبية أو من إنتاج جديد، وليس بالضرورة من المخزونات الأميركية القائمة.

بوادر أزمة.. ما بعد الحرب الباردة

تعود جذور الأزمة إلى التحول الاستراتيجي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي. فخلال الحرب الباردة، كان التخطيط العسكري الأميركي يقوم على احتمال مواجهة قوة عظمى تمتلك ترسانة ضخمة، ما تطلب مخزونات كبيرة من الذخائر وقدرات صناعية قادرة على دعم حرب واسعة وطويلة.

لكن بعد انتهاء الحرب الباردة، تغيرت الأولويات. وبحسب «CSIS»، انتقل التخطيط الأميركي نحو احتمال خوض حربين إقليميتين محدودتين، مع اعتبار العراق وكوريا الشمالية من أبرز السيناريوهات، وهي حروب كان يُنظر إليها على أنها أقصر وأقل استهلاكًا للذخائر مقارنة بحرب كبرى مع الاتحاد السوفيتي. ونتيجة لذلك، تقلصت مشتريات الذخائر بصورة كبيرة.

تقليص القدرات

لم يكن هذا التحول أمريكيًا فقط، إذ انعكس أيضًا على التفكير الاستراتيجي الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ففي عام 1997، نص «القانون التأسيسي» للعلاقات بين الناتو وروسيا على أن الطرفين لا يعتبران بعضهما البعض خصمين، في إطار محاولة لبناء شراكة أمنية جديدة بعد الحرب الباردة.

وبحلول عام 2010، كان التصور الاستراتيجي للناتو لا يزال يتعامل مع احتمال العدوان العسكري التقليدي واسع النطاق باعتباره منخفضًا، مع التركيز بدرجة أكبر على الإرهاب والهجمات السيبرانية والصواريخ الباليستية وغيرها من التهديدات غير التقليدية. كما أكدت الوثائق آنذاك أهمية التعاون مع روسيا، ووصفت أمن الناتو وروسيا بأنه «مترابط».

الصناعة الدفاعية.. كفاءة السلم لا تكفي للحرب

انتقلت هذه الافتراضات من الوثائق الاستراتيجية إلى بنية الصناعات الدفاعية نفسها. فبعد انتهاء الحرب الباردة، واجهت وزارة الدفاع الأميركية ميزانيات أقل وطلبًا أضعف على الإنتاج العسكري، ما دفع شركات الدفاع إلى الاندماج وتقليص قدراتها الإنتاجية.

وبحسب «CSIS»، انخفض عدد كبار المتعاقدين في قطاعات الطيران والدفاع الأميركي من 51 شركة إلى 5 شركات فقط خلال مرحلة إعادة هيكلة الصناعة. كما أعيد تصميم الصناعة للعمل بكفاءة في ظروف السلم، بدل الاحتفاظ بطاقة إنتاجية فائضة يمكن تشغيلها بسرعة عند اندلاع حرب واسعة.

وهنا ظهرت إحدى أكبر نقاط الضعف الحالية: امتلاك مخزون من الأسلحة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إعادة إنتاجه بالسرعة المطلوبة. فإعادة بناء خطوط الإنتاج وتوسيع المصانع وتأمين المواد الخام والمكونات تستغرق سنوات، بينما قد تستهلك حرب عالية الكثافة المخزونات خلال فترة أقصر بكثير.

زيادة الميزانيات لا تكفي

لا ترتبط المشكلة بحجم الإنفاق الدفاعي وحده. فبحسب «CSIS»، تتنافس الذخائر داخل الموازنة العسكرية مع منصات أكبر مثل الطائرات والسفن والمدرعات، وغالبًا ما تحظى المنصات بأولوية لأنها أصول باهظة ومرئية يمكن أن تخدم لعقود، بينما تُستهلك الذخائر عند استخدامها أو تنتهي صلاحيتها.

كما أن زيادة الإنتاج لا تعني وصول الأسلحة فورًا إلى المخازن. ويشير تحليل المركز إلى أن الفترة بين توقيع العقود وتسليم الذخائر قد تمتد من عامين إلى أربعة أعوام، ما يجعل عامل الوقت عنصرًا حاسمًا في معالجة الفجوة الحالية.

أوكرانيا والشرق الأوسط

أسهمت الحروب الأخيرة بالفعل في استنزاف بعض الذخائر المتقدمة. ويشير «CSIS» إلى أن القوات الأمريكية استخدمت كميات كبيرة من صواريخ الدفاع الجوي والضربات بعيدة المدى في عمليات الشرق الأوسط، فيما استهلكت المساعدات العسكرية لأوكرانيا كميات مهمة من بعض الأنظمة.

لكن المركز يميز بين استنزاف المخزونات وبين أسباب نشوء الأزمة. فبعض الذخائر الحيوية المحتملة في مواجهة الصين، مثل الصواريخ المضادة للسفن بعيدة المدى، لم تتأثر كثيرًا بالحرب مع إيران، لكنها كانت تعاني أصلًا من محدودية المخزونات مقارنة بما قد تتطلبه حرب كبرى مع قوة عسكرية منافسة.

إعادة بناء «ترسانة الردع»

تدفع هذه المعطيات الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة التفكير في مفهوم القاعدة الصناعية الدفاعية. فالمطلوب لم يعد مجرد امتلاك أسلحة متطورة، وإنما القدرة على إنتاجها بكميات كبيرة وبسرعة، مع الحفاظ على خطوط إمداد قادرة على الصمود أمام حرب طويلة.

ويرى تحليل «CSIS» أن إعادة بناء القاعدة الصناعية الأميركية تتطلب زيادة حجم المخزونات وتغيير تركيبتها، مع الجمع بين صواريخ متطورة مرتفعة التكلفة وأنظمة أقل تكلفة يمكن إنتاجها بأعداد أكبر. كما أن اتفاقيات الإنتاج متعددة السنوات يمكن أن تمنح الشركات حافزًا للاستثمار في خطوط التصنيع، لكنها تحتاج إلى تمويل مستمر من الكونغرس وعقود مستقرة مع وزارة الدفاع.

وفي هذا السياق، تتحول الحرب في أوكرانيا والعمليات العسكرية في الشرق الأوسط من مجرد ساحات صراع إلى اختبار مباشر لقدرة الدول الغربية على تعويض الأسلحة التي تستهلكها. فالمشكلة لم تعد فقط في عدد الصواريخ الموجودة داخل المخازن، وإنما في قدرة المصانع على تحويل الموارد والميزانيات إلى ذخائر بالسرعة التي تفرضها حرب حديثة عالية الاستهلاك.

مقالات ذات صلة