الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

معركة صامتة تحت هرمز.. مسيرات وغواصات في مرمى نيران إيران

تفتح واقعة إعلان الحرس الثوري الإيراني احتجاز مسيرة أمريكية...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

قراءة في صندوق الاقتراع البلطيقي.. صراع السيادة والاقتصاد على حدود الناتو الشرقية

زياد حيده ــ محلل سياسي ومتخصص في العلاقات الدوليةتُشكل...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

اقتصادأزمة المحروقات في إيران.. رسائل بزشكيان المتأرجحة بين الأمل واليأس

أزمة المحروقات في إيران.. رسائل بزشكيان المتأرجحة بين الأمل واليأس

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية

أكد الرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” أن استمرار نشاط القطاع الصناعي خلال فصل الشتاء القادم أمرٌ ضروري، موضحًا أن الحكومة ستعمل على إدارة استهلاك المياه والكهرباء والغاز والوقود، ولن تسمح بأن تتسبب محدودية مستويات الطاقة في توقف الإنتاج المحلي.

وقال “بزشكيان” يوم السبت 29 أغسطس 2026، خلال مراسم افتتاح 18 ألفًا و910 مشاريع في مختلف المدن والقرى الإيرانية، عبر تقنية الفيديو كونفرانس: “إن الحفاظ على الإنتاج المحلي خطٌّ أحمر للحكومة الإيرانية”.

وأردف بشأن كيفية إدارة استهلاك الطاقة: “إذا كان يجب أن نفرض قيودًا في مكان ما، فسنبدأ بالإدارات الحكومية. يمكن دمج العديد من الإدارات والمنشآت الحكومية أو إغلاقها مؤقتًا حتى يُوجَّه الغاز والكهرباء الخاصان بها لخدمة العجلة الإنتاجية”.

وأكد “بزشكيان” أن الحكومة لن تسمح بأن تصل المشكلات الناجمة عن قيود الطاقة إلى المواطن الإيراني، داعيًا الشعب إلى التعاون من أجل تحقيق الاستقرار وإحباط مخططات العدو.

كما أشار الرئيس الإيراني إلى ظروف الحرب الحالية قائلًا: “نحن لا نحب الحرب، لكننا سندافع عن أنفسنا في مواجهة أي عدوان”. وفي الوقت نفسه، شدد على مواصلة الحوار والتوصل إلى اتفاق مشترك مع الولايات المتحدة لحل المشكلات، مؤكدًا أن هذا المسار يمكن أن يصب في مصلحة إيران والمنطقة والعالم.

استمرار أزمة الطاقة هذا العام

كان “مسعود بزشكيان” قد تحدث في مقابلة تلفزيونية مساء الجمعة الماضي عن المشكلات التي تواجهها إيران حاليًا بسبب ظروف الحرب الدائر رحاها مع الولايات المتحدة وتداعياتها على البلاد، قائلًا: “نحن في حالة حرب؛ فقد استُهدفت محطات الكهرباء ومنابع النفط والغاز، وتراجع إنتاجنا في ظل هذه الظروف”.

وأضاف مشيرًا إلى استمرار عجز إمدادات الغاز في الدولة: “إن هذا النقص كان يقارب 250 مليون متر مكعب يوميًا في وقت سابق، ولا يزال مستمرًا. لقد تمكنت الحكومة العام الماضي من إدارة استهلاك الغاز عن طريق فرض قيود على الاستهلاك في بعض الفِلل والأماكن الأخرى”.

كما قال “بزشكيان” منوهًا بـصعوبة الظروف المقبلة: “سنواجه عامًا عصيبًا”، ومع ذلك أعرب عن أمله في ألا يُقطع الغاز المخصص للتدفئة عن أي بيت في إيران، مؤكدًا أنه إلى جانب تأمين الاحتياجات المنزلية، يجب أن تستمر الأنشطة الصناعية أيضًا.

الطاقة

تأتي تصريحات الرئيس الإيراني منذرةً بأن البلاد ينتظرها شتاءٌ زمهرير بالتزامن مع ظروف حرب قاسية ألقت بظلالها على جوانب حياة المواطن الإيراني البسيط كافة، وجعلت حصوله على حاجياته الأساسية أمرًا عسيرًا مثل الكهرباء، والغاز، والمأكل، والمشرب، والدواء، فضلًا عن ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بشكل متصاعد، وتجاوز الدولار الأمريكي حاجز 200 ألف تومان.

تجدر الإشارة إلى أن إيران يسودها طقسٌ ممطر، قارس البرودة في فصل الشتاء في أغلب أنحاء البلاد، حيث تُغطى الجبال والمرتفعات بالثلوج الكثيفة، وتصل درجات الحرارة أحيانًا إلى ما دون الصفر بأرقام كبيرة في العديد من المدن بما فيها العاصمة طهران، والمناطق الجبلية في شمال غربي البلاد.

رفع أسعار البنزين

في الأيام الأخيرة تزامنًا مع تزايد المخاوف بشأن احتمال ارتفاع أسعار البنزين في إيران، وإغلاق بعض محطات الوقود، واصطفاف طوابير طويلة أمامها، فضلًا عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية، تحدث مسؤولون إيرانيون مجددًا عن تأثير الحصار البحري والعقوبات الأمريكية على واردات الوقود والسلع الأساسية.

إلا أن “مسعود بزشكيان” نفى في جانب من حديثه المتلفز تقارير إخبارية تتحدث عن ارتفاع فلكي في أسعار البنزين، موضحًا أن الشريحة الثالثة من مستهلكي البنزين فقط سيرتفع سعر اللتر لها من خمسة آلاف تومان إلى عشرة آلاف تومان، دون أن يحدد موعد تطبيق هذه الزيادة.

كانت الحكومة الإيرانية قد دشنت في ديسمبر عام 2025 خطة معقدة قسمت أسعار البنزين إلى ثلاث شرائح؛ من أجل ترشيد الأسعار وتوجيه الدعم إلى الفئات المستحقة. يقوم هذا النظام على أساس حجم الاستهلاك الشهري للفرد، حيث يتلقى جميع المواطنين، عن طريق بطاقة الدعم الشخصية أو المخصصة في محطات الوقود، كل شهر 60 لترًا من البنزين بسعر ألف وخمسمائة تومان. ومن يصل استهلاكهم إلى 100 لتر، فعليهم شراء كل لتر بنزين إضافي عن الحصة المخصصة لهم بسعر ثلاثة آلاف تومان. أما من يزيد استهلاكهم على 160 لترًا، فعليهم شراء كل لتر إضافي بسعر خمسة آلاف تومان؛ وهي الشريحة المستهدفة بالزيادة المذكورة.

وقد ربط “بزشكيان” قضية توفير البنزين بظروف الحرب وتراجع إيرادات الدولة، قائلًا: “إن إيران تعيش في ظروف حرب؛ وعلينا أولًا أن ندرك أننا في حالة حرب. المسارات مغلقة حاليًا والسلع لا تدخل البلاد، وإحدى هذه السلع هي البنزين، لكن هناك آليات مختلفة قيد الدراسة من أجل إدارة هذه الأزمة”. كما أشار إلى أن صادرات إيران ووارداتها قد تراجعت بنسبة تتراوح بين 25% و35% جراء الحصار البحري.

وبحسب قوله، فقد باعت إيران ما يقرب من 90 مليون برميل نفط عقب رفع القيود الأمريكية عن بيع النفط الخام خلال مهلة الستين يومًا المدرجة في “مذكرة تفاهم إسلام آباد” في الفترة من 17 يونيو إلى 17 أغسطس؛ أي أن إيران حصَّلت من هذه المعاملات التجارية عوائد تبلغ حوالي 60 مليار دولار، إلا أنه لم يعد ممكنًا لها تحقيق مثل هذه المبيعات في الوقت الحالي.

من ناحية أخرى، أكد “بزشكيان” أن أي قرار اقتصادي يجب أن يُتخذ بطريقة لا تثقل كاهل المواطنين بمزيد من الأعباء. وكانت وكالة “رويترز” قد أفادت في تقرير لها بأن معدل التضخم السنوي في إيران قد بلغ الشهر الماضي 66% في أعقاب الحرب مع الولايات المتحدة وعواقبها الضاغطة على الاقتصاد الوطني.

وكانت الولايات المتحدة قد أعادت في أبريل الماضي الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وشرعت مؤخرًا في فرض عقوبات جديدة على طهران، في إطار ما أسمته عملية “العزل الاقتصادي”، شملت خمسة قطاعات حيوية في إيران: الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والملاحة البحرية. كما حذرت واشنطن دول العالم بأنها ستواجه عقوبات ثانوية ما لم تقلص معاملاتها التجارية مع طهران.

ترى الإدارة الأمريكية أن عملية العزل الاقتصادي، بوصفها جزءًا من الضغوط العسكرية على إيران، ستؤدي في نهاية المطاف إلى إرغام طهران على إبرام اتفاق وفق شروطها.

على الرغم من أن الاقتصاد الإيراني لا يزال صامدًا أمام آلية الحرب الأمريكية طيلة الأشهر المنصرمة، فإن تصريحات رئيس الجمهورية “مسعود بزشكيان” تُشير في مجملها إلى أن الدولة على أعتاب أزمة شديدة في توفير المحروقات والسلع الاستهلاكية والمستلزمات الطبية، في حال استمرار الوضع الراهن دون التوصل إلى تسوية نهائية تُنهِي حالة “اللا سلم واللا حرب” القائمة بينهما.

إن الولايات المتحدة وإيران تُراهنان على عامل الوقت؛ حيث تنتظر واشنطن أن تؤتي الضغوط الاقتصادية ثمارها، بينما تنتظر إيران أن تأتي انتخابات التجديد النصفي الأمريكية برياح كما تشتهي سفنها. كلاهما يخوض مخاطرة كبيرة واضعًا رهانه على طاولة الروليت بلا ضمانات مؤكدة، رغم المكاسب المرجوّة.

مقالات ذات صلة