الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

الهند بين واشنطن وبكين.. استقلال استراتيجي يصطدم بحسابات الاقتصاد

تتحرك الهند بين مسارين متوازيين في علاقتها مع الصين...

ماذا بعد أمريكا؟.. فخ الفراغ الوهمي في الشرق الأوسط

كتب ـــ ليون حدّار في  مجلة ناشيونال إنتريستمع انتهاء...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةأمريكا بلا كهرباء كافية.. الشبكة تهدد سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين

أمريكا بلا كهرباء كافية.. الشبكة تهدد سباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين يدور فقط حول الرقائق الإلكترونية والنماذج المتقدمة ومراكز البيانات، بل ينتقل بشكل متزايد إلى قطاع أقل بريقًا وأكثر حسمًا: شبكة الكهرباء. فمع التوسع السريع في مراكز البيانات، وارتفاع الطلب المتوقع من الروبوتات والصناعات الكهربائية، تواجه الولايات المتحدة تحديًا يتمثل في قدرة الشبكة على توفير الطاقة وربط المشروعات الجديدة بالسرعة المطلوبة.

وتكشف الاحتجاجات المحلية ضد إنشاء مراكز البيانات في عدد من الولايات الأمريكية عن جانب أوسع من الأزمة، إذ لا يتعلق الجدل بالذكاء الاصطناعي وحده، وإنما بالمنافسة على قدرة محدودة في شبكة الكهرباء. وفي بعض أكبر أسواق مراكز البيانات الأمريكية، قد يستغرق الحصول على اتصال بالشبكة من خمس إلى سبع سنوات، بينما تشير تقديرات مقارنة إلى أن المشروعات المماثلة في الصين يمكن أن تدخل الخدمة بوتيرة أسرع بكثير.

الذكاء الاصطناعي يكشف الأزمة

ظل الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة شبه مستقر لنحو 15 عامًا، مدفوعًا بتحسينات الكفاءة وتراجع بعض الصناعات الثقيلة، وهو ما قلل الحاجة إلى توسعات كبيرة في شبكة الكهرباء. ومع عودة الطلب إلى الارتفاع بفعل مراكز البيانات والصناعات الجديدة، ظهرت محدودية البنية التحتية القائمة وقدرة المؤسسات على تنفيذ مشروعات توسعة واسعة بالسرعة نفسها.

وتنعكس هذه الضغوط على تكلفة الكهرباء أيضًا. ففي ولاية فرجينيا، تقدمت شركة دومينيون إنرجي بطلب لزيادة أسعارها الأساسية للمرة الأولى منذ عقود، مستندة إلى نمو الطلب وتكاليف بناء قدرات إضافية. كما شهدت أسواق الكهرباء في منطقة وسط الأطلسي ارتفاعًا في أسعار قدرات التوليد المستقبلية، في مؤشر على أن توسع مراكز البيانات يفرض ضغوطًا متزايدة على الشبكة والمستهلكين.

ولم تعد مقاومة مراكز البيانات ظاهرة محدودة، إذ تزايدت الاعتراضات المحلية على مشروعات جديدة بسبب المخاوف المتعلقة بأسعار الكهرباء واستخدام الأراضي والموارد والبنية التحتية. وفي نيويورك، اتخذت السلطات خطوات لوقف أو تقييد الموافقات على مشروعات مراكز البيانات الكبيرة، بما يعكس تحول قضية الطاقة إلى ملف سياسي ومحلي متزايد الأهمية.

الصين تبني الشبكة قبل وصول الطلب

في المقابل، تكشف التجربة الصينية عن نموذج مختلف في التخطيط لشبكة الكهرباء. فالصين لم توسع شبكتها بهدف خدمة الذكاء الاصطناعي تحديدًا، وإنما استثمرت على مدى عقود في بنية كهربائية واسعة لتلبية احتياجات التصنيع والنمو الصناعي، ما جعل مراكز البيانات تصل إلى شبكة تمتلك قدرات نقل وتوزيع كبيرة مسبقًا.

ويأتي في مقدمة هذه المنظومة خطوط نقل فائقة الجهد بالتيار المستمر، القادرة على نقل كميات ضخمة من الكهرباء لمسافات تصل إلى آلاف الكيلومترات. وتستخدم الصين هذه الخطوط لنقل الطاقة من المناطق الغنية بالرياح والطاقة الشمسية في غرب البلاد إلى المراكز السكانية والصناعية الكبرى في الشرق، مع تنفيذ مشروعات جديدة وفق خطط تمتد لسنوات طويلة.

وتخطط الصين، وفق الأرقام الواردة في المادة الأصلية، لاستثمار نحو 4 تريليونات يوان في توسيع شبكة الكهرباء خلال الفترة من 2026 إلى 2030، بزيادة كبيرة عن الخطة السابقة. ويعكس ذلك توجهًا إلى التعامل مع الشبكة باعتبارها بنية تحتية عامة مرتبطة بالاقتصاد بأكمله، وليس مجموعة من المشروعات المنفصلة التي تتم دراسة كل منها بصورة مستقلة.

الفارق لا يتعلق بالطاقة فقط

ورغم ضخامة الاستثمارات الصينية، فإن شبكة الكهرباء هناك لا تخلو من التحديات. فلا يزال الفحم يمثل مصدرًا رئيسيًا لتوليد الكهرباء، كما تواجه الطاقة المتجددة مشكلات تتعلق بقدرة الشبكة على استيعاب الإنتاج في بعض المناطق. لذلك، فإن المقارنة بين الولايات المتحدة والصين لا تتعلق ببساطة بكون شبكة إحداهما أكثر نظافة من الأخرى.

الفرق الأساسي يرتبط بسرعة بناء خطوط النقل وقدرة النظام على استيعاب أحمال جديدة. فالصين تعمل على تطوير الشبكة بالتوازي مع توسع قطاعات التصنيع والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، بينما تواجه الولايات المتحدة تحدي تحديث بنية تحتية لم تشهد التوسع المطلوب خلال سنوات طويلة.

وتزداد أهمية هذه الفجوة مع ظهور مصدر جديد للطلب على الكهرباء يتمثل في الروبوتات. فالتوسع المتوقع في استخدام الروبوتات الصناعية والروبوتات الشبيهة بالبشر سيضيف استهلاكًا جديدًا إلى الشبكة، إلى جانب مراكز البيانات التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

الروبوتات تضيف موجة جديدة من الطلب

تستهلك ملايين الروبوتات الصناعية المنتشرة حول العالم عشرات التيراواط/ساعة سنويًا، فيما تشير تقديرات بحثية إلى أن الطلب على الكهرباء المرتبط بالروبوتات قد يرتفع بصورة كبيرة خلال العقد المقبل مع زيادة أعداد الآلات المستخدمة في المصانع والخدمات.

وتزداد أهمية هذه التطورات بالنسبة إلى الصين، التي تعد من أكبر أسواق الروبوتات الصناعية في العالم وتتصدر عمليات تركيب الروبوتات الجديدة. كما تعمل شركات صينية على تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر، ما يعني أن نمو هذا القطاع قد يتزامن مع توسع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

ويخلق ذلك علاقة متبادلة بين الكهرباء والتكنولوجيا. فالروبوتات تحتاج إلى الطاقة لتشغيل المصانع والأنظمة الذكية، بينما تستخدم شبكات الكهرباء نفسها تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في أعمال الصيانة والتشغيل. وفي الصين، بدأ استخدام الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في عدد من مهام صيانة خطوط الكهرباء فائقة الجهد، ما يوضح كيف يمكن للتقنيات الجديدة أن تصبح جزءًا من البنية التحتية التي تغذي نموها.

كيف يمكن للولايات المتحدة توسيع شبكة الكهرباء

تتطلب معالجة أزمة شبكة الكهرباء الأمريكية الانتقال من التعامل مع كل مشروع جديد بصورة منفصلة إلى تخطيط أوسع يأخذ في الاعتبار إجمالي الطلب المتوقع خلال العقود المقبلة. ويشمل ذلك توسيع خطوط نقل الكهرباء بين الولايات، وتطوير آليات اتحادية لتسهيل المشروعات التي تتجاوز حدود الولايات والأسواق المحلية.

كما يبرز احتياج آخر يتمثل في ربط الاستثمارات الخاصة بمراكز البيانات بالتوسع في الشبكة العامة. فالشركات التكنولوجية الكبرى تمتلك قدرات مالية ضخمة، ويمكن أن تشارك في تمويل البنية التحتية الجديدة وفق قواعد تضمن تحميل المشروعات الكبيرة نصيبًا مناسبًا من تكلفة القدرات التي تحتاج إليها، مع الحد من انتقال الأعباء غير الضرورية إلى المستهلكين.

وتتطلب عملية التوسع كذلك إعادة بناء قاعدة التصنيع المرتبطة بمكونات الشبكة، وعلى رأسها المحولات والمعدات عالية الجهد. فطول فترات توريد هذه المعدات وارتفاع تكلفتها يمكن أن يصبحا عائقًا أمام تنفيذ مشروعات النقل والتوليد الجديدة في الوقت الذي يتزايد فيه الطلب.

ويضع ذلك الولايات المتحدة أمام تحدٍ يتجاوز مراكز البيانات الحالية، لأن التوسع المقبل في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والصناعة والنقل الكهربائي سيضيف أحمالًا جديدة إلى الشبكة. ومع استمرار نمو هذه القطاعات، تصبح قدرة شبكة الكهرباء على استيعاب الطلب وربط مصادر التوليد بالمستهلكين عنصرًا أساسيًا في المنافسة الصناعية والتكنولوجية بين أكبر اقتصادين في العالم.

مقالات ذات صلة