الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةأمريكا تبحث عن "نموذج ماكدونالدز" لإنتاج الصواريخ.. سباق الزمن لتعزيز الترسانة العسكرية

أمريكا تبحث عن “نموذج ماكدونالدز” لإنتاج الصواريخ.. سباق الزمن لتعزيز الترسانة العسكرية

جاكوب جودا مراسل متخصص في الشؤون الدولية والدفاعية بصحيفة فاينانشال تايمز

تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على إحداث تحول كبير في صناعة الصواريخ، بعد أن كشفت الحروب الأخيرة، خاصة في أوكرانيا والشرق الأوسط، عن محدودية قدرة الصناعات الدفاعية الأمريكية على إنتاج الذخائر والصواريخ بوتيرة تتناسب مع متطلبات الحروب الحديثة. وبينما تعتمد واشنطن منذ عقود على أسلحة متطورة باهظة الثمن، تعمل شركات دفاع ناشئة اليوم على تطوير نموذج جديد للإنتاج يشبه في فلسفته سلسلة مطاعم “ماكدونالدز”، يقوم على التصنيع السريع، والتكلفة المنخفضة، وإمكانية التوسع الفوري عند اندلاع أي حرب.

ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة داخل وزارة الدفاع الأمريكية بأن الحروب المقبلة لن تُحسم فقط بجودة السلاح، بل أيضاً بقدرة الدولة على إنتاج آلاف الصواريخ خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما بات يمثل تحدياً استراتيجياً في ظل التنافس العسكري مع الصين وروسيا.

أزمة الإنتاج  

أظهرت العمليات العسكرية الأخيرة أن الولايات المتحدة تستهلك الصواريخ الدقيقة بوتيرة تفوق بكثير قدرتها على تعويض المخزون. فإنتاج صاروخ “توماهوك” لا يتجاوز نحو 600 صاروخ سنوياً، بينما تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد أكثر من 2.6 مليون دولار، في حين تصل تكلفة صواريخ أخرى مثل “JASSM” و”PrSM” إلى ما يقارب مليوني دولار للقطعة الواحدة.

إنتاج الصواريخ

ويرى مسؤولون عسكريون أن استمرار هذا النموذج يجعل الولايات المتحدة غير قادرة على خوض حرب طويلة الأمد ضد خصم يمتلك قدرات إنتاجية ضخمة، خصوصاً إذا امتد النزاع لعدة أشهر أو سنوات.

نموذج “ماكدونالدز” للصواريخ

في ولاية فرجينيا، تعمل شركة Co-Aspire على تطوير مفهوم جديد لإنتاج الصواريخ يعتمد على ورش تصنيع بسيطة يمكن إنشاؤها بسرعة في أي مكان داخل الولايات المتحدة.

ويصف مسؤولو الشركة النموذج بأنه يشبه طريقة عمل مطاعم “ماكدونالدز”، حيث تعتمد جميع خطوات التصنيع على إجراءات موحدة يمكن لأي فني مدرب تنفيذها خلال فترة قصيرة، دون الحاجة إلى معدات صناعية معقدة أو خطوط إنتاج ضخمة.

وتضم الورشة عدداً محدوداً من الطابعات ثلاثية الأبعاد والأدوات اليدوية، بينما يمكن تدريب العاملين الجدد على تجميع الصواريخ خلال أسابيع قليلة فقط، وهو ما يمنح الجيش الأمريكي مرونة كبيرة في زيادة الإنتاج أثناء الحروب.

ثورة صناعية عسكرية

لا يقتصر هذا التوجه على شركة واحدة، إذ تقود مجموعة من شركات التكنولوجيا الدفاعية الناشئة عملية إعادة صياغة صناعة الصواريخ الأمريكية.

فشركة Co-Aspire تمكنت من تطوير أول صاروخ لها لصالح البنتاجون خلال أربعة أشهر فقط، بينما تعمل حالياً على استكمال مشروع صاروخي ثانٍ خلال خمسة أشهر.

إنتاج الصواريخ

أما شركة Castelion، التي تأسست قبل ثلاث سنوات فقط، فقد حصلت على عقود لإنتاج أكثر من 12 ألف صاروخ فرط صوتي خلال خمس سنوات، مع خطة لإنتاج نحو 6 آلاف صاروخ سنوياً بتكلفة لا تتجاوز 400 ألف دولار للصاروخ الواحد، أي أقل بكثير من تكلفة الصواريخ التقليدية.

الاعتماد على مكونات تجارية

أحد أهم أسرار خفض التكلفة يتمثل في استخدام مكونات متوفرة بالفعل في الأسواق المدنية؛ فبعض المحركات المستخدمة في الصواريخ الجديدة كانت في الأصل مخصصة للطائرات اللاسلكية الخاصة بالهواة، بينما تعتمد شركات أخرى على قطع إلكترونية مستخدمة في صناعة السيارات، وهو ما يقلل زمن التصنيع ويخفف الضغط على سلاسل الإمداد العسكرية التقليدية.

كما يتيح هذا النهج إنتاج أعداد ضخمة من الصواريخ دون انتظار تصنيع مكونات خاصة تستغرق شهوراً أو سنوات.

دروس أوكرانيا وإيران

تؤكد وزارة الدفاع الأمريكية أن الحرب في أوكرانيا شكلت نقطة تحول مهمة في التفكير العسكري، بعدما أثبتت أن الحروب الحديثة تعتمد على الاستنزاف طويل الأمد، وأن امتلاك مخزون ضخم من الذخائر لا يقل أهمية عن امتلاك أسلحة متطورة.

كما عززت المواجهة الأخيرة مع إيران هذه القناعة، بعدما أظهرت تقديرات أن بعض المخزونات الأمريكية من الذخائر الدقيقة يمكن أن تتراجع بسرعة في حال اندلاع مواجهة واسعة النطاق. ولهذا تسعى واشنطن إلى امتلاك قدرة إنتاجية تسمح بتصنيع آلاف الصواريخ شهرياً عند الحاجة، بما يضمن استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة دون استنزاف المخزون.

الطائرات المسيّرة جزء من الخطة

إلى جانب الصواريخ، توسع الولايات المتحدة إنتاج الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، خاصة الطائرات الانتحارية التي أثبتت فعاليتها في أوكرانيا والشرق الأوسط.

وقد استخدم الجيش الأمريكي لأول مرة طائرة “Lucas” الهجومية، المطورة اعتماداً على تصميمات مشابهة للمسيّرة الإيرانية “شاهد-136″، بينما يخطط البنتاجون لزيادة الإنفاق على الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها إلى أكثر من 74 مليار دولار خلال العام المقبل.

ويهدف هذا التوسع إلى توفير وسائل هجومية منخفضة التكلفة يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة واستخدامها في العمليات القتالية اليومية.

تحديات أمام البنتاجون

ورغم الحماس لهذا النموذج الجديد، يحذر خبراء من أن الصواريخ الأرخص ثمناً قد تكون أقل دقة واعتمادية مقارنة بالأنظمة التقليدية، ما يتطلب تغييراً في فلسفة المشتريات العسكرية الأمريكية.

كما يحتاج البنتاجون إلى تقديم طلبيات إنتاج كبيرة للشركات الجديدة حتى تتمكن من توسيع مصانعها واختبار منتجاتها وتطويرها بصورة مستمرة.

إنتاج الصواريخ

ويرى مسؤولون سابقون في الجيش الأمريكي أن نجاح هذه الاستراتيجية لا يعتمد فقط على تطوير الصواريخ، بل أيضاً على تبسيط برامج التشغيل والتدريب، بحيث يتمكن الجنود من استخدام الأنظمة الجديدة بسهولة، تماماً كما يتعامل المستخدمون مع الهواتف الذكية.

ويبدو أن الولايات المتحدة دخلت بالفعل مرحلة جديدة في سباق التسلح، عنوانها الرئيسي ليس إنتاج الصاروخ الأكثر تطوراً، بل إنتاج أكبر عدد ممكن من الصواريخ بأقل تكلفة وفي أقصر وقت، استعداداً لحروب قد تعتمد على الكمية بقدر اعتمادها على التكنولوجيا.

 

مقالات ذات صلة