أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ الدراسات الإيرانية
سيطرت الحرب الإيرانية الأمريكية على أجواء اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك هذا العام، وشهدت العديد من الأحداث والتحركات. على مدى أسبوع امتدت فيه الاجتماعات من 22 حتى 28 سبتمبر 2026، نتتبع في هذا المقال المفصل ما شهدته أروقة الأمم المتحدة من كلمات ومشاهد ومواقف استثنائية، وما سبقها من خطوات إيرانية وأمريكية.
توقعات بعقد لقاء بين ترامب وبزشكيان
قبل انعقاد الاجتماعات، تزايدت التساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية: هل سيقود تواجد الرئيسين الأمريكي والإيراني في مكان واحد، إلى اتفاق جديد أم إلى حرب شاملة؟ ولا سيما بعد إعلان دونالد ترامب استعداده لعقد لقاء محتمل مع مسعود بزشكيان على هامش الاجتماعات.
هذا التواجد المتزامن أصبح محورًا رئيسًا لأعمال الجمعية العامة، وبؤرة اهتمام للمحللين السياسيين ووسائل الإعلام، خاصة أن هذا الحدث قد جاء في ظل حالة الحرب والتوتر العسكري القائم بين البلدين.
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من استعراض الظروف والملابسات المحيطة به، فبالعودة إلى التسلسل الزمني للأحداث التي سبقت هذا اللقاء في نيويورك، وما قد تؤول إليه من سيناريوهات، سواء بالتوصل إلى اتفاق جديد، أم اندلاع حرب شاملة، أم تأجيل التصعيد العسكري إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، أم غير ذلك من المستجدات على ساحة الصراع، نلاحظ ما يلي:
في يونيو وأغسطس وسبتمبر 2026، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن شروط طهران لإنهاء الحرب التي أعلنتها مرارًا، هي نفسها الواردة في مذكرة تفاهم “إسلام آباد”، وتتمثل الشروط الثلاثة الرئيسية في: وقف القتال على جميع الجبهات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري.
وفي يونيو، كانت واشنطن وطهران قد توصلتا إلى اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق، إلا أنه انهار خلال أسابيع بعد استئناف إيران هجماتها على السفن وقيام أمريكا بإعادة فرض الحصار. وسيتبين لاحقًا أن هذا الأمر يكشف أصل “مقترح الـ7 أيام” الذي سنتناوله بعد ذلك، وأنه ليس مقترحًا جديدًا، بل إعادة تدوير لاتفاق فشل سابقًا.
جدير بالذكر أن مذكرة إسلام آباد هي المرجعية الحقيقية؛ فالإشارة إلى أن شروط طهران هي نفسها الواردة في مذكرة التفاهم تكشف الدور الباكستاني في إنجاز هذه المذكرة كضامن مُسجَّل كتابة، فإيران لا تثق بأي وعد أمريكي شفهي؛ لذا أرادت تثبيت شروطها في وثيقة موقعة مع طرف ثالث (باكستان)، لتستخدمها كدليل في نيويورك مفاده “هذه هي شروطنا الثابتة منذ 3 أشهر”. علمًا بأن هذه الشروط الثلاثة هي شروط إنهاء حرب، وليست شروط هدنة لـ 7 أيام؛ مما يعني أن مقترح نيويورك كان نسخة مصغرة ومخففة من مطلب أكبر.
لماذا انهار اتفاق يونيو 2026؟
تتمثل الإجابة عن هذا السؤال في وجود حلقة مفرغة من انعدام الثقة بين الطرفين الأمريكي والإيراني؛ فطهران تقول: إن واشنطن أعادت فرض الحصار بعد الاتفاق، وفي الوقت ذاته تقول واشنطن إن طهران استأنفت هجماتها على السفن بعد الاتفاق. كل طرف يعتبر الآخر هو من نقض الاتفاق أولًا، وهذا هو بالضبط سبب إصرار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 27 سبتمبر على تقديم رد مكتوب ورسمي على مقترح بلاده عبر قطر. وحسبما تذهب التحليلات، فإن طهران تعلمت من فشل يونيو أن أي اتفاق غير مكتوب سينهار في أسابيع.
لكن، ماذا يعني هذا بالنسبة لنيويورك؟ بالنسبة لواشنطن، يُعد المقترح المذكور إعادة إحياء لاتفاق يونيو الفاشل بالشروط نفسها، ولكن بمدة أقصر، وواشنطن لا تريد تكرار الخطأ نفسه؛ إذ تنظر لهذا المقترح الذي رفضه ترامب في صورة المعادلة الآتية: وقف قتال + رفع حصار = عودة إيران لمهاجمة السفن. لذلك، يريد ترامب الآن اتفاقًا شاملًا يدمج الملفات النووية والصاروخية والملاحية معًا، وليس اتفاقًا مجزأً يمكن نقضه بسهولة.

إن الحرب بين أمريكا وإيران لم تعد “حربًا عسكرية” فقط، بل تحولت إلى “حرب سوابق تفاوضية”. لقد أدت أحداث يونيو 2026 إلى التوصل للنتيجة التالية: كل اتفاق فاشل، كشأن اتفاق يونيو، يجعل الاتفاق التالي أصعب؛ لأنه يرفع سقف الضمانات المطلوبة. طهران تريد ضمانة باكستانية قطرية مكتوبة، وواشنطن تريد ضمانة سلوكية توقف الهجمات أولًا، وهذا هو جوهر انعدام الثقة الشديد الذي تحدث عنه بزشكيان.
في 13 سبتمبر 2026، نقلت وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية عن مصدر مطلع الشروط السبعة التي وضعتها طهران لفتح مضيق هرمز في رسالتها إلى أمريكا، مؤكدة أنه تم إبلاغ واشنطن بها بوضوح دون أي تغيير.
وتذهب آراء المحللين إلى أن تاريخ (13 سبتمبر) هو المفتاح لفهم كل ما حدث في نيويورك، فـ “تسنيم” ليست وكالة عادية، بل هي لسان الحرس الثوري؛ وعندما تنشر الشروط السبعة، فهذا يعني أن القرار خرج من مكتب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي والمجلس الأعلى للأمن القومي، وليس من وزارة الخارجية.
لماذا سبعة شروط وليست ثلاثة؟
تأتي الإجابة عن هذا السؤال كالتالي: الشروط الثلاثة التي ظهرت في مذكرة إسلام آباد (وقف القتال، الإفراج عن الأصول، رفع الحصار) هي الواجهة الدبلوماسية. أما الشروط السبعة التي سربتها “تسنيم”، فهي الشروط الحقيقية الكاملة التي تشمل على الأرجح: الشروط الثلاثة المعلنة + ضمان عدم استهداف المنشآت النووية + ضمان عدم اغتيال القادة + الانسحاب الأمريكي من شرقي سوريا والعراق + رفع الحظر عن صادرات الصواريخ والمسيرات.
يُعد تسريب الشروط السبعة قبل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بأسبوعين رسالةً للداخل والخارج مفادها “لا أحد يملك حق التنازل”. جدير بالذكر أن عبارة “دون أي تغيير” هي الأهم؛ فهذه العبارة موجهة لثلاث جهات:
- عراقجي وبزشكيان: لا تذهبوا لنيويورك لخفض سقف المطالب، فهذا هو السقف.
- واشنطن: لا تحاولوا التفاوض على تخفيض الشروط، فهذا هو العرض النهائي.
- الوسطاء (قطر وعُمان): انقلوا الرسالة كما هي، دون رتوش تجميلية.
هذا الأمر يفسر سبب فشل لقاء “عراقجي وويتكوف” الذي سنتحدث عنه لاحقًا؛ فعراقجي كان مقيدًا برسالة لا يمكنه تعديلها، وويتكوف كان يريد اتفاقًا جزئيًا.
ويذهب بعض المحللين إلى القول بأن نشر الشروط يوم 13 سبتمبر في إيران وليس في نيويورك يعني أن إيران أرادت حرق ورقة المفاجأة، فهي لا تريد أن تُفاجأ أمريكا في نيويورك، وهذا تكتيك تفاوضي إيراني قديم: “ضع سقف عاليًا مبكرًا، ثم تظاهر بالمرونة”، لكن ترامب فعل العكس؛ فقد قرأ الشروط السبعة ونظر إليها على أنها “قائمة مطالب استسلام أمريكي”، فقرر رفضها جملة وتفصيلًا في 26 سبتمبر.
وخلص هؤلاء المحللون إلى أن 13 سبتمبر هو يوم إعلان شروط المنتصر من وجهة نظر طهران؛ إذ تعتبر إيران أنها تسيطر على هرمز، وبالتالي من حقها وضع 7 شروط. أما أمريكا فتعتبر أن إيران لا تسيطر على هرمز، وبالتالي لا يحق لها وضع أي شرط. هذا التناقض في تعريف (مَن يملك السيطرة على هرمز) هو سبب فشل كل مقترحات الـ 7 أيام.
مقترح إنهاء الحرب وأدوار الوسطاء
قبل وصول بزشكيان إلى نيويورك في 22 سبتمبر، قدمت طهران في 16 من سبتمبر إلى واشنطن عبر الوسطاء (قطر، وباكستان، وعُمان، وتركيا) مقترحًا لإنهاء الحرب. ويذهب بعض المحللين في هذا الصدد إلى أن هذا هو اليوم التأسيسي لكل ما حدث في نيويورك؛ فكل ما جاء بعده (تصريحات ترامب، بيان مقر خاتم الأنبياء، مقترح الـ7 أيام)، يُعد تفصيلًا لهذا المقترح. كما كشف تقرير موقع “أكسيوس” الإخباري في 15 سبتمبر، انعقاد اجتماع سري في ألمانيا بين أمريكا وإسرائيل و8 دول عربية لمناقشة الحرب ضد إيران؛ وعلى إثر هذا، شعرت طهران بأنها محاصرةً عسكريًا.
بناء على ما تقدم أرادت طهران أن تسبق اجتماع ألمانيا بمبادرة دبلوماسية، وتسبق وصول بزشكيان بمقترح جاهز حتى لا يبدو الرئيس ذاهبًا للتسول في نيويورك، بل ذاهبًا لمتابعة مقترح موجود بالفعل.
تجدر الإشارة هنا إلى رباعية الوساطة بين طهران وواشنطن (قطر، باكستان، عُمان، تركيا)، حيث إن لكل دولة دور محدد:
- قطر: الوسيط الرئيسي والقناة المالية (الأصول المجمدة في الدوحة)، وهي من نقل المقترح إلى ويتكوف وكوشنر.
- عُمان: الوسيط التقليدي التاريخي منذ عام 2013، وصاحب الخبرة في نقل الرسائل الخاصة بالملف النووي.
- باكستان: الورقة الجديدة؛ لديها حدود مع إيران، ومذكرة تفاهم موقعة في يونيو، ووزير داخليتها زار طهران في 21 سبتمبر. ودورها هو “الضامن الأمني”: فإذا فتحت إيران هرمز، فنحن نضمن عدم استخدام الموانئ لتهريب السلاح.
- تركيا: الورقة الاقتصادية: هي المستفيد من رفع العقوبات عن النفط الإيراني، والمتضرر من ارتفاع أسعار الوقود.
إن اختيار 4 وسطاء وليس وسيطًا واحدًا يعني أن طهران لا تثق بأمريكا، ويعني أيضًا أنها تريد ضمانات متعددة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل أمريكا بصلفها وغرورها واستهتارها بالقوانين الدولية يمكن أن تضع هؤلاء الوسطاء في اعتبارها؟ بالطبع: لا.
إذن ما هو المقترح الحقيقي في 16 سبتمبر؟ إنه نفس ما كشفه عراقجي في 24 سبتمبر، لكن بصيغته الأولية حسب العرض الإيراني: إنهاء القتال على جميع الجبهات + فتح هرمز خلال 7 أيام مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية + إنهاء “عملية المنبوذ الاقتصادي” Operation Economic Outcast + الإفراج عن الأصول المجمدة + وقف العمليات العسكرية، وهي الصيغة التي ستتحول لاحقًا إلى “الشروط السبعة” في الإعلام، وإلى “الشروط الأربعة” الرسمية.
والآن نتساءل: لماذا تم تقديم المقترح عبر وسطاء وليس مباشرة؟ يذهب بعض المحللين في هذا الصدد إلى القول بأن طهران كانت تختبر رد فعل واشنطن دون التزام مباشر؛ فإذا رفضت أمريكا، تستطيع إيران أن تنكر المقترح، وإذا قبلت، يذهب بزشكيان إلى نيويورك كبطل سلام. وهذا يفسر لماذا قال ترامب في 20 سبتمبر: “إن أمورًا بالغة الأهمية ستحدث”؛ فقد كان قد تسلم المقترح عبر قطر في 16 سبتمبر، ويدرسه.
يُعد تاريخ 16 سبتمبر يوم ولادة مقترح الـ7 أيام؛ فقد حاولت طهران تحويل الحرب من مواجهة عسكرية، بناءً على اجتماع ألمانيا، إلى صفقة تجارية: هرمز مقابل الموانئ، باستخدام 4 وسطاء إقليميين، كما أن أمريكا لم ترفض المقترح فورًا، بل أجلته إلى اجتماعات نيويورك لتفرغه من مضمونه.
مجلس النواب الأمريكي يطالب بإنهاء الحرب
في 18 سبتمبر، صوّت مجلس النواب الأمريكي للمرة الثالثة على مشروع قانون يفرض الحصول على تفويض من الكونجرس لاستمرار العمليات العسكرية ضد إيران، بدعم من 7 جمهوريين، وسط ضغوط داخلية متزايدة على ترامب لتحديد مسار الحرب.
وحسبما يذهب المحللون فإن هذا التصويت هو الحدث المفصلي الذي يفسر كل تصريحات ترامب بعد 18 سبتمبر، بما فيها إعلانه الانفتاح على لقاء بزشكيان في 20 سبتمبر، ورفضه مقترح الـ7 أيام في 26 سبتمبر. كما يُشير تصويت المجلس على تقييد صلاحيات الرئيس في الحرب، وهو ما يمكن وصفه بـ “التمرد المؤسسي”، إلى وجود أزمة دستورية صامتة في الولايات المتحدة؛ فترامب يشن حربًا دون تفويض من الكونجرس، والديمقراطيون ومعهم 7 جمهوريين يقولون إنها ليست عملية محدودة، فهذه حرب تكلفت 40 مليار دولار وتحتاج تفويضًا. فانشقاق 7 جمهوريين رقم خطير قبل انتخابات التجديد النصفي بشهر ونصف؛ فهؤلاء ليسوا معارضين لإيران، بل خائفين على مقاعدهم من تآكل جيب الناخب بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.
دور الضغط الداخلي في أمريكا على صناعة الدبلوماسية
هنا نسأل: لماذا أعلن ترامب فجأة في 20 سبتمبر بعد يومين فقط من التصويت أنه منفتح على لقاء بزشكيان؟ ذلك لأنه قرأ تصويت 18 سبتمبر كإنذار؛ وكأن الكونجرس يقول له إذا لم تُظهِر مسارًا دبلوماسيًا مع إيران، سيقطع الكونجرس التمويل أو يفرض قيودًا.
كيف استغلت إيران تصويت الكونجرس الأمريكي؟ لقد جاء بيان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي في 19 سبتمبر (بعد التصويت بيوم واحد) وبيان مقر خاتم الأنبياء في 20 سبتمبر في التوقيت المثالي؛ إذ فهمت طهران أن ترامب تحت ضغط داخلي، فرفعت سقفها إلى 7 شروط، مدركة أن ترامب لا يستطيع الذهاب لتصعيد كبير دون تفويض من الكونجرس. إيران تلعب على انقسام واشنطن: الكونجرس يريد تقييد الحرب، والبيت الأبيض يريد استمرار الضغط.
يرى بعض المحللين السياسيين أن 18 سبتمبر هو اليوم الذي حوّل موضوع الحرب في الولايات المتحدة من ملف خارجي إلى ملف داخلي، فمنذ هذا التصويت، لم تعد قرارات ترامب تجاه إيران تحكمها حسابات هرمز أو الملف النووي فقط، بل حسابات تدور في خلد ترامب نفسه؛ حيث يحدث نفسه قائلًا: “كيف أحافظ على أغلبية جمهورية في نوفمبر دون أن أبدو ضعيفًا أمام إيران ودون أن أبدو رئيس حرب يستنزف الميزانية؟” هذا هو بالضبط سبب استراتيجية “لا حسم قبل نوفمبر” التي رأيناها في نيويورك.
بيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني
في 19 سبتمبر صدر بيان رسمي مفصل عن أمين المجلس محسن رضائي، أكد فيه تسليم الشروط السبعة رسميًا كأساس لبدء أي مفاوضات مع واشنطن عبر الوسيط القطري، مشيرًا إلى أن إيران تنتظر رد الرئيس ترامب، ومحذرًا من أن العقيدة النووية الإيرانية قد تتغير في نهاية المطاف.
وجاء هذا الإعلان في الأيام التي سبقت انطلاق أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليُمثّل إعلانًا صريحًا من طهران برفضها استئناف المفاوضات قبل تلبية شروطها.
نفوذ رضائي في هيكل السلطة الإيرانية
محسن رضائي هو أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وقائد سابق في الحرس الثوري، وممثل المرشد الأعلى في الملف الأمني، وعندما يتحدث فهذا يعني أن الشروط السبعة ليست اقتراحًا دبلوماسيًا، بل هي قرار أمن قومي لا يمكن لأحد تجاوزه.
أما عن جملة “العقيدة النووية قد تتغير” فهي تهديد غير مسبوق، وهذه الجملة هي الأخطر في البيان كله؛ وذلك لأن العقيدة النووية الإيرانية الرسمية منذ فتوى المرشد السابق “علي خامنئي” عام 2003 هي تحريم السلاح النووي، ولكن عندما يقول أمين المجلس الأعلى إنها “قد تتغير في نهاية المطاف”، فهذا معناه أنه “إذا استمر الحصار البحري ورفض ترامب الإفراج عن الأموال، فإن إيران ستخرج من معاهدة عدم الانتشار وتتجه نحو صنع القنبلة الذرية”.
ما معنى إعلان ثلاثة شروط وكتمان أربعة؟
معنى ذلك اتباع “استراتيجية تفاوضية”؛ حيث اقتضت تلك الاستراتيجية أن يكشف رضائي علنًا عن 3 شروط فقط وهي:
- إنهاء الحرب على جميع الجبهات بما فيها الحوثيين وحزب الله.
- الإفراج عن الأموال المجمدة في (قطر، وكوريا، والعراق).
- رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.
كما اقتضت هذه الاستراتيجية أن يخفي رضائي 4 شروط: رفع العقوبات عن النفط، ووقف العمليات العسكرية الأمريكية، وسحب القوات الأمريكية، ودفع تعويضات، بالإضافة إلى تعهد بعدم المساس بالبرنامجين النووي والصاروخي.
لماذا أخفى رضائي الأربعة شروط الأخرى؟
يذهب بعض المحللين السياسيين في الإجابة عن هذا السؤال إلى القول بأن الشروط الثلاثة الأولى تبدو “معقولة” للرأي العام العالمي، بينما الشروط الأربعة الأخرى تبدو بمثابة “استسلام أمريكي” ولن يقبلها ترامب أبدًا، فقد أراد رضائي أن يُظهِر إيران كطرف معتدل يطلب 3 شروط فقط، بينما هي في الحقيقة تطلب 7 شروط كاملة.
حرب الردع الإعلامية
أعلن دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” انفتاحه على لقاء محتمل مع بزشكيان على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبدا هذا الإعلان كاستجابة لتصويت مجلس النواب يوم 18 سبتمبر لتقييد الحرب، وكرد غير مباشر على إعلان محسن رضائي.
وقد تجاهل ترامب الشروط الإيرانية السبعة، مصرحًا بأنه بصدد اتخاذ قرارات بشأن إيران، وأن “أمورًا بالغة الأهمية ستحدث في المستقبل القريب”. وطرح ثلاثة خيارات أمريكية: تدمير إيران، أو تركها تواجه التدهور الاقتصادي، أو التوصل إلى اتفاق.
في المقابل، جاء الرد الإيراني في اليوم نفسه من مقر قيادة خاتم الأنبياء المركزية (القيادة العملياتية الموحدة للجيش والحرس الثوري)، وليس من وزارة الخارجية؛ إذ كشفت القيادة عن معلومات تفيد بأن أمريكا كانت تستعد بموافقة بعض دول المنطقة في اجتماع بإحدى الدول الأوروبية على استئناف الهجوم على إيران.
قراءة في صندوق الاقتراع البلطيقي.. صراع السيادة والاقتصاد على حدود الناتو الشرقية
وحذرت القيادة من أنه إذا ارتكبت أمريكا أي خطأ، فستُستهدف جميع نقاط انتشارها ومصالحها في المنطقة بهجمات مستمرة ومؤلمة دون أي قيود. كما وجهت إيران تهديدًا صريحًا لدول المنطقة: في حال انضمامها إلى واشنطن في إجراءات تصفها طهران بالازدواجية، فستُعتبر شريكة في الحرب، ولا ينبغي لها أن تتوقع أي ضبط للنفس من القوات المسلحة الإيرانية.
وأشار بيان القيادة إلى تقرير نشره موقع “أكسيوس” في 15 سبتمبر، ذكر أن كبار القادة العسكريين في أمريكا وإسرائيل وثماني دول عربية عقدوا اجتماعًا سريًا في ألمانيا ناقشوا خلاله الحرب ضد إيران والتعاون الأمني الإقليمي.
على هذا النحو، نحن أمام طرفين يمارس كل منهما مناورة مزدوجة: ترامب يقول “أنا منفتح على لقاء” بينما يجهز لاجتماع عسكري في ألمانيا، وإيران تقول “لن نتفاوض قبل تنفيذ الشروط”، وفي الوقت ذاته ترسل رئيسها إلى نيويورك للتفاوض. إذن، نحن أمام “معضلة بنيوية”.
انفتاح كاذب مقابل رفض حقيقي ورسائل متضاربة
كانت النتيجة أنه في 20 سبتمبر أُغلق باب التفاوض المباشر قبل أن يُفتح؛ فالدستور التفاوضي للشروط السبعة أصبح خطًا أحمر أمريكيًا لا يمكن لبزشكيان تجاوزه، والخيارات الثلاثة أصبحت خطًا أحمر أمريكيًا لا يمكن لويتكوف تجاوزه. وما جرى في نيويورك لاحقًا لم يكن سوى إدارة لهذا الانسداد عبر دبلوماسية مكوكية قطرية، وليس حلًا له.
فقد كتبت صحيفة “واشنطن تايمز” أن دونالد ترامب يدرس ثلاثة خيارات بشأن إيران: توجيه ضربات عسكرية واسعة، أو الاستمرار في الضغط الاقتصادي دون تصعيد فوري للحرب، أو التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع. وبحسب الصحيفة، فقد دخلت الحرب بين إيران وأمريكا شهرها الثامن، وأدت قيود إمدادات النفط إلى ارتفاع أسعار الوقود، فيما زاد تقدم الحوثيين في اليمن وسيطرتهم على جزيرة ميون الاستراتيجية من الضغط على مسارات نقل الطاقة عبر البحر الأحمر وباب المندب.
وفي اليوم نفسه، قال حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري لشبكة “التلفزيون العربي”، إنه في حال وقوع غزو أمريكي جديد، فإنه بالإضافة إلى تغيير جغرافيا المعركة، سيُستهدف أهداف جديدة وتُستخدم أسلحة استراتيجية لم يُكشف عنها أو يُعلن عنها حتى الآن. وأضاف أن الحرس الثوري جهّز نفسه لحرب استنزاف طويلة الأمد، وسيرد بأسلحة جديدة وأحداث تغير جغرافيا الصراع إذا تكرر ما وصفه بـ “غباء” العدو. وأكد محبي أن الحرس الثوري ليس له أي صلة رسمية أو غير رسمية بأمريكا، وأن أي مفاوضات أو مساعٍ سياسية تقع حصرًا ضمن نطاق مهام وزارة الخارجية.
وفي اليوم ذاته أيضًا، أفادت قناة “الجزيرة” نقلًا عن مصدر مطلع في وزارة الداخلية الإيرانية، أن زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى إيران يوم الاثنين 21 سبتمبر كانت لمراجعة جهود الوساطة وإنهاء المواجهة بين طهران وواشنطن.
المثير في الأمر أن وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية نقلت في اليوم نفسه بالتزامن مع وصول الوزير الباكستاني إلى طهران أن الزيارة لا علاقة لها بملفات أو تبادل رسائل بين طهران وواشنطن، بل تتمحور حول متابعة القضايا الثنائية وتطور التعاون بين البلدين.
وقبيل انعقاد أحدث اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن حبيب الله عباسي، المدير العام للعلاقات العامة في مكتب الرئيس الإيراني، أن مسعود بزشكيان سيسافر يوم الثلاثاء 22 سبتمبر إلى نيويورك. وبحسب وكالة الأنباء الرسمية (إيرنا)، تتضمن خطط الرئيس لهذه الرحلة إلقاء كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والاجتماع بعدد من رؤساء الدول المشاركة، ولقاء الجالية الإيرانية المقيمة في الولايات المتحدة، وإجراء مناقشات مع النخب الأمريكية ومراكز الفكر.
سيناريو صحيفة “إندبندنت” وميزان القوى الداخلية في إيران
استعرضت صحيفة “إندبندنت” سيناريو لقاء ترامب وبزشكيان، ورجحت أن احتمالية عقده ضعيفة للغاية؛ والسبب أن الرئيس الإيراني في موقف أضعف بكثير من أن يتمكن من اتخاذ قرار كهذا بمفرده، كما أن هذا الإذن لم يُمنح سابقًا لكل من محمد خاتمي وحسن روحاني. وأضافت أن أي تواصل مع مسؤولين أمريكيين سيواجه في أروقة السلطة الإيرانية برد فعل قوي من المرشد والمتشددين في إيران.
وذكرت الصحيفة أن الاحتمال الأقوى المطروح أكثر من التوصل إلى اتفاق أو لقاء ترامب وبزشكيان هو تصعيد الصراع بين إيران وأمريكا، مشيرة إلى أن التهديدات والتحذيرات المتبادلة الأخيرة بين الطرفين التي سبقت تواجد ترامب وبزشكيان في نيويورك، زادت من المخاوف بشأن تصاعد التوتر في الشرق الأوسط.
كما طرحت الصحيفة التساؤل التالي: هل سيوفر وجود الرئيسين في الجمعية العامة للأمم المتحدة والمشاورات المحتملة خلال تواجدهما في نيويورك فرصة لإحياء التفاهم السابق أو التوصل إلى اتفاق جديد، أم أن خيار الحرب سيظل مطروحاً؟ وأشارت إلى أن الإجابة عن هذا السؤال ستتضح من خلال ما تسفر عنه الأحداث بعد إلقاء ترامب كلمته يوم الثلاثاء، ثم إلقاء بزشكيان كلمته يوم الأربعاء.
الحقيقة أن الصحيفة وضعت يدها على النقطة الجوهرية في الأمر، ألا وهي أن بزشكيان أضعف من أن يقرر أي شيء، فسلفاه الأسبقان محمد خاتمي (1997-2005) وحسن روحاني (2013-2021) كانا يملكان رصيدًا كبيرًا في التيار الإصلاحي ودعمًا نسبيًا من المرشد السابق، ومع ذلك مُنعا من إجراء لقاء مباشر مع الرئيس الأمريكي في نيويورك، كما حدث في محاولة أوباما وروحاني عام 2013 التي تحولت إلى مكالمة هاتفية فقط.
بزشكيان اليوم في وضع أضعف بكثير؛ فهو مدعوم من الحرس، ومحاصر بالشروط السبعة التي وضعها المجلس الأعلى للأمن القومي. أي لقاء مع ترامب دون إذن المرشد الأعلى “مجتبى خامنئي” سيعتبر خيانة عظمى، فبزشكيان لا يملك تفويضًا للتفاوض على هرمز أو النووي، بل يملك تفويضًا لإلقاء خطاب فقط.
خطاب ترامب في الأمم المتحدة
ألقى دونالد ترامب خطابه في اليوم الأول من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء 22 سبتمبر، ودافع فيه عن استخدام القوة العسكرية ضد إيران. وأكد أن أمام طهران خيار التوصل إلى اتفاق، وإلا فإن واشنطن يمكنها التصعيد بشدة، ملوحًا بإمكانية إبادة النظام الإيراني إذا لم يُتوصل إلى اتفاق، ومؤكدًا في الوقت ذاته أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي.
وكان لافتًا أنه تحدث عن احتمال التوصل إلى تسوية بالتزامن مع جريان اتصالات دبلوماسية غير مباشرة في نيويورك. وفي اليوم نفسه. وبحسب ما أكدته الدوحة رسميًا، التقى رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في نيويورك لبحث خفض التصعيد وتهيئة الظروف للحوار.
أما الحدث الأهم فكان ما جرى بين الوفدين الأمريكي والإيراني؛ إذ مثّل الجانب الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بينما قاد الجانب الإيراني عباس عراقجي. وقال ترامب إن رجليه عقدا اجتماعًا مع الإيرانيين دام نحو ثلاث ساعات، ووصفه بأنه جيد جدًا ومثمر. غير أن ويتكوف أوضح أن الوسطاء كانوا يتنقلون بين الوفدين، أي أن العملية كانت في الأساس “دبلوماسية مكوكية”Shuttle Diplomacy ، وليست جلسة تفاوض مباشرة متصلة، ولهذا اختلفت الروايات حول وصفها بأنه “اجتماع مباشر”.
وتذكر الرواية الرسمية الإيرانية أن عراقجي نقل إلى ويتكوف شروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وأن اللقاء جرى بطلب أمريكي. وعن مطالب إيران، فالمؤكد رسميًا أن طهران ركزت على أربعة محاور أساسية: إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأموال والأصول المجمدة، ووقف ما تصفه بالأعمال العسكرية والعدوانية الأمريكية.
وفي المقابل، كان الموقف الأمريكي المعلن أوسع من مسألة هرمز؛ إذ شدد ترامب على أن إيران لن تحصل على سلاح نووي، بينما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن التوصل لاتفاق يحتاج عملًا تفاوضيًا ممتدًا وأن الخيارات العسكرية لا تزال قائمة.
وتكمن العقدة الأساسية في أن طهران تريد أن يبدأ تخفيف الضغط الأمريكي قبل تقديم تنازلات كبيرة، بينما تريد واشنطن اتفاقًا أوسع لا يقتصر على فتح هرمز، بل يعالج القضية النووية والحرب والأمن الإقليمي.
وفي اليوم ذاته، قال مسؤول إيراني كبير لوكالة “رويترز” إن طهران تستطيع إعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا رفعت واشنطن الحصار عن الموانئ الإيرانية وخففت الضغط العسكري؛ وبذلك ربطت إيران بوضوح بين فتح المضيق وبين رفع الحصار والضغط العسكري، وهو ما يفسر لماذا كان مضيق هرمز محور التفاوض.
كما أجرى عراقجي وويتكوف محادثات غير مباشرة بوساطة قطرية على هامش الجمعية العامة، وأعرب ويتكوف عن أمله في أن تكون المحادثات، وهي الجولة الأولى منذ يونيو، بناءة وواعدة، مضيفًا أن الوسطاء سيواصلون جهودهم. ومع ذلك، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن المحادثات لم تتضمن أي مواضيع جديدة، وأن عراقجي شدد على شروط إيران.
خطاب بزشكيان في الأمم المتحدة
في اليوم التالي الأربعاء 23 سبتمبر، ألقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خطابه أمام الجمعية العامة، ورد بصورة مباشرة على ترامب رافضًا ما وصفه بمنطق التهديد والإكراه، ومؤكدًا أن إيران لن تستسلم لأمريكا، لكنه أبقى الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية والتفاوض لإنهاء الحرب.
وهنا تكمن نقطة مهمة؛ خطاب بزشكيان لم يكن مجرد خطاب مواجهة، بل جمع بين رفض الاستسلام والتهديدات الأمريكية من جهة، وإعلان الاستعداد للتفاوض من جهة أخرى، وهو ما أثار نقاشًا داخل إيران نفسها حول مدى إمكانية الجمع بين الموقفين.
وفي الوقت نفسه، قال مسؤول إيراني لرويترز إن الطرفين لا يزالان بعيدين جدًا عن الاتفاق، وأن طهران تراجع الرد الأمريكي على مقترحاتها.
أبرز ما جاء في خطاب بزشكيان بعد 7 أشهر من الحرب
- الرد على تهديدات ترامب بتدمير إيران: قال بزشكيان: إنه يعلم أن العقوبات وزيادة الضغط والترهيب لن تؤدي إلا إلى زيادة مقاومة الشعب الإيراني.
- إنهاء الحصار مقابل فتح هرمز: قال: ليس من الممكن أن يستفيد الجميع من مضيق هرمز بينما نبقى نحن محرومين من الوصول إليه. يُذكر أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة خُمس شحنات النفط والغاز في العالم، مغلق فعليًا منذ بدء الحرب في أواخر فبراير بسبب الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية على السفن التجارية، فضلًا عن الحصار الأمريكي.
- الأمن الجماعي: أكد بزشكيان أنه لن يكون أحد في هذه المنطقة آمنًا بمفرده؛ إما أن نبني الأمن معًا، أو أن نتحمل انعدام الأمن معًا.
- الأوضاع الداخلية: في إشارة بدت متعلقة باحتجاجات الغلاء في يناير الماضي، قال: على مدى الأشهر السبعة الماضية، كان شعبنا في الشوارع كل ليلة للدفاع عن إيران، ومنع أولئك الذين حرضتهم أمريكا وإسرائيل، وأولئك الذين تم تزويدهم بالأسلحة، من القدوم وزعزعة الأمن داخل البلاد.
- انتقاد المعايير المزدوجة وتأكيد الحق النووي: انتقد بزشكيان أداء المجتمع الدولي تجاه إيران ملمحًا إلى إسرائيل، حيث قال: إن القنبلة الذرية موجودة في إسرائيل، بينما المفتشون موجودون في إيران. إسرائيل نفسها تمتلك قنبلة ذرية، لكنها لم تخضع للتفتيش قط، بينما تخضع إيران للتفتيش. إسرائيل تقتل، وإيران تُفرض عليها العقوبات. إن طهران لن تتراجع عن برنامجها النووي السلمي.
تفكيك خطاب بزشكيان
يُمكن وصف هذا الخطاب بأنه خطاب مركب (دفاعي، تعبوي، وتفاوضي)، وقد بُني على ثلاث طبقات تبدو متعارضة في الظاهر لكنها متكاملة وظيفيًا:
أولًا: البنية الخطابية: تفنيد تهمة الإرهاب وعكس السردية
استهل بزشكيان خطابه برد مباشر على كلمة ترامب في 22 سبتمبر التي وصف فيها النظام الإيراني بـ “الإرهابي”، ولوّح بإبادته. واعتمد في ذلك على آلية قلب أدوار الضحية والجلاد عبر ثلاثة محاور:
- إثبات المظلومية: تأكيد أن إيران ضحية الإرهاب وليست مصدرًا له، مستشهدًا باغتيال قاسم سليماني وإسماعيل هنية في طهران، وقصف مدرسة في مدينة “لامرد” بمحافظة “فارس” بقنابل عنقودية.
- التوظيف العاطفي: استخدام عبارة “ترون هؤلاء الأطفال أمامكم، وهو ممسك بصور تلميذات مدرسة “ميناب” التي قصفتها أمريكا وإسرائيل، كإحالة بصرية مباشرة داخل قاعة الأمم المتحدة لكسر جمود الخطاب القانوني.
- المفارقة القانونية: تكثيف الرسالة في جملتين ساخرتين: القنبلة الذرية موجودة في إسرائيل والمفتشون موجودون في إيران.. إسرائيل تقتل وإيران تُعاقب.
ثانيًا: ثلاث رسائل لثلاثة أطراف رئيسية
- رسالة للداخل: تمثلت هذه الرسالة في عبارات حازمة مثل: لن نستسلم أبدًا، وسندافع حتى آخر قطرة دم، والشعب في الشوارع كل ليلة منذ 7 أشهر. وهي رسالة طمأنة للحرس الثوري والتيار المتشدد الذي انتقد لقاء عراقجي وويتكوف؛ ومفادها أن التفاوض لا يتم من موقع ضعف، بدليل قوله: أنشأنا منظومتنا الدفاعية لكيلا يتصور أحد أن قصف المدن سيمر دون رد، ولن نطلب الإذن من أحد للدفاع. كما أعاد بزشكيان تأطير احتجاجات يناير بوصفها “دفاعًا شعبيًا ضد عملاء أمريكا وإسرائيل”، وليست احتجاجات داخلية.
- رسالة للخارج: تضمنت الرسالة فتح باب التفاوض لكن بشروط إيرانية واضحة، مؤكدًا: لم تكن إيران في أي وقت البادئة بأي حرب، وقد أثبتت دائمًا التزامها بطاولة المفاوضات، ولا نهرب من المفاوضات عندما يتعلق الأمر بالسلام.
وطرح معادلة هرمز بصياغة أممية: لا يمكن أن ينتفع الجميع بهذا الممر بينما يُحرم الحارس التاريخي لتلك المياه من حرية الملاحة. وهو ما يمثل جوهر الشروط السبعة. كما وضع خطًا أحمر نوويًا ذكيًا بعبارة: لا للسلاح النووي، ولا للحرمان من المعرفة النووية. ففصل بين حق التخصيب السلمي والسلاح، ليمد الوسطاء (وفي مقدمتهم قطر) بمادة تفاوضية.
- رسالة لدول المنطقة والعالم: جاءت هذه الرسالة في صيغة تهديد مبطن مقرون بعرض شراكة: إما أن نبني الأمن معًا أو نتحمل انعدام الأمن معًا. كما وظف القضية الفلسطينية باعتبارها “جرحًا في ضمير المجتمع الدولي”، وربطها بفشل المنظومة الدولية لكسب تعاطف المجموعة العربية والإسلامية، مع نقد المعايير المزدوجة في تطبيق معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وآليات التفتيش والعقوبات التي تستهدف “الفقراء والمرضى”.
ثالثًا: التناقضات المحسوبة: القوة مقابل المظلومية
يطالب بزشكيان بعالم يخلو من لغة القوة، لكنه يبرر امتلاكها بأن الأمة التي تعجز عن الدفاع عن نفسها تُسحق؛ وهو تناقض مقصود لتبرير البرنامج الصاروخي. كما يؤكد أن برنامج إيران النووي مخصص للعلاج والزراعة، ثم أردف: “يجب أن تكون إيران قوية بالقدر الذي يحول دون تهديد بقائها”، مما يبقي الغموض الاستراتيجي متعمدًا.
كما لجأ إلى التعميم كبديل عن التفصيل؛ إذ تجنب ذكر الشروط السبعة صراحة واكتفى بالإشارة إلى الحصار البحري وحرية الملاحة، تاركًا التفاصيل للقنوات الخلفية بين عراقجي وويتكوف تحسبًا للفشل العلني.
على هذا النحو كان خطاب الرئيس الإيراني موجهًا لإقناع ترامب بقدر ما كان إدارة للفجوة التي ظهرت يوم 22 سبتمبر؛ فأمريكا تريد اتفاقًا شاملًا يعالج الملف النووي والصواريخ والملف الإقليمي ومضيق هرمز، بينما تريد إيران اتفاقًا مرحليًا يبدأ برفع الحصار البحري وفتح هرمز مقابل وقف القتال.
وجاء تأكيد بزشكيان أنه “مستعد للتفاوض لكن ليس تحت التهديد بالإبادة”؛ تلبيةً لشرط المرشد بعدم التفاوض تحت الضغط، وحافظ على ورقة هرمز كورقة ضغط اقتصادية عالمية، ورمى الكرة في ملعب واشنطن عشية تصويت الكونجرس على تفويض الحرب.
إنه باختصار خطاب صمود تفاوضي لا خطاب حرب ولا خطاب استسلام.
الموقف الداخلي في إيران: غموض وانتقاد
صرح مسؤول إيراني كبير لرويترز، اشترط عدم الكشف عن هويته، بأن إيران والولايات المتحدة لا تزالان منقسمتين بشدة حول كيفية إنهاء الحرب، لكن يجب أن تستمر الدبلوماسية، مضيفًا أن طهران تدرس رد واشنطن على مقترحاتها التي تعطي الأولوية لرفع الحصار البحري وفتح مضيق هرمز. وفي المقابل، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، للصحفيين بأن التوصل إلى اتفاق سيتطلب جهودًا صعبة على مدى فترة من الزمن، مؤكدًا أن ترامب يمتلك أيضًا خيارات عسكرية متاحة.

من ناحية أخرى، انتقدت بعض وسائل الاعلام الإيرانية موضوع لقاء عراقجي ويتكوف بناءً على إصرار من الجانب الأمريكي، حيث نشرت وكالة أنباء “تسنيم” في 23 سبتمبر مقالًا بعنوان: السيد عراقجي! ألم يكن لديك حجة أكثر صبيانية وسخافة من هذه؟؛ حيث رفضت التفسير المقدم بشأن الغرض من التواصل مع الأمريكيين، وطالبت برد من وزير الخارجية. وأوضحت أن شروط إيران لإنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق أُبلغت مسبقًا للولايات المتحدة عبر وسطاء، وبالتالي فإن إعادة تقديمها لا يمكن أن تكون مبررًا للاتصال بالجانب الأمريكي.
وقالت وكالة أنباء “فارس” في مقال بعنوان: ثلاثة أسئلة موجهة إلى عراقجي حول سبب الاجتماع مع ويتكوف.. متسائلة عن ضرورة هذا الاتصال بالنظر إلى نقل الشروط سابقًا، وزعمت أن الاجتماع مع الجانب الأمريكي قد يقلل الضغط الاقتصادي على إدارة ترامب عبر تخفيف الضغط على سوق النفط، مستنكرة إجراء الاتصال قبل إعلان واشنطن قبولها لشروط إيران.
الدبلوماسية المكوكية وتطويق بكين
لم يُعقد أي لقاء ثنائي مباشر بين ترامب وبزشكيان في نيويورك، واقتصر الأمر على اتصالات ومفاوضات غير مباشرة عبر الوسطاء لإدارة المسار الدبلوماسي. إذن ماذا جرى خلف الكواليس بين الوفدين؟
- غياب اللقاء الرئاسي بقرار محسوب: لم يكن عدم عقد لقاء ترامب وبزشكيان فشلًا بروتوكوليًا، بل قرارًا اتخذه الطرفان؛ إذ أراد ترامب الحفاظ على ورقة التهديد بالإبادة، وعدم إعطاء شرعية سياسية لطهران قبل تقديم تنازل ملموس في هرمز. أما بزشكيان فلا يملك تفويضًا داخليًا من المرشد للقاء مباشر، وهو تفويض لم يُمنح لخاتمي أو روحاني سابقًا كما توقعت صحيفة “إندبندنت”. وأي لقاء مباشر كان سيُفسر في طهران كانقلاب على الخطوط الحمراء.
- الدبلوماسية المكوكية كبديل آمن: تم اللجوء إلى صيغة “الدبلوماسية المكوكية” عبر قطر؛ ويتكوف وكوشنر من جهة، وعراقجي من جهة أخرى، مع التنقل بين الغرف. أتاحت هذه الصيغة لواشنطن اختبار الجدية الإيرانية دون التزام سياسي، وسمحت لطهران بالتفاوض دون الظهور بمظهر المتراجع أمام الداخل المتشدد الذي هاجم التواصل عبر وكالتي أنباء “تسنيم وفارس”.
- الصراع على أولوية التنازل: تمثل جوهر الخلاف في ترتيب الخطوات؛ إذ ربطت إيران فتح المضيق (خلال 7 أيام) برفع الحصار البحري والإفراج عن الأصول كخطوة أولى، بينما أرادت أمريكا ربط فتح هرمز باتفاق أوسع يشمل الملف النووي والصواريخ والأمن الإقليمي، معتبرة هرمز ورقة ضغط لا ينبغي التفريط فيها سريعاً. ولهذا صرح المسؤول الأمريكي بأن واشنطن “ليست في عجلة من أمرها”.
- الضغط الأمريكي على الصين: حذّر السفير الأمريكي لدى الصين الرئيس شي جين بينج، من تقديم أي دعم أو معدات أو معلومات استخباراتية لإيران.
ويرى المحللون أن هذه الخطوة تكشف أن واشنطن لم تعد تتعامل مع ملف هرمز كملف ثنائي أمريكي إيراني فحسب، بل كجزء من حرب ممرات عالمية:
- لماذا استهداف الصين؟ تُعد الصين المستورد الأكبر للنفط الإيراني، والمستفيد الأول من بقاء هرمز مغلقًا أمام الملاحة الغربية، إذ تحصل على النفط بخصم كبير عبر طرق التفافية. كما أنها المزود المحتمل الوحيد القادر على تعويض إيران تكنولوجيًا عن الحصار البحري (قطع غيار، أنظمة رادار ساحلي، ومعلومات استخبارية عن حركة الأساطيل).
- الرسالة المزدوجة لبكين وطهران: التحذير الموجه لبكين مفاده: “لا تستثمروا في كسر الحصار”. واشنطن تريد منع سيناريو “هرمز مغلق أمام الغرب ومفتوح أمام الشرق”، وهو سيناريو يفقد العقوبات فعاليتها ويحول الحصار إلى أداة جيوسياسية صينية.
- التوقيت الاستراتيجي: لم يكن توقيت التحذير في يوم طرح مقترح السبعة أيام نفسه مصادفة، بل كان رسالة أمريكية لطهران مفادها: “حتى ورقة الصين لن تنقذكم، ولا خيار أمامكم سوى القبول بتسوية شاملة، لا مجرد صفقة جزئية تتناول هرمز والحصار”.
لذا نستطيع القول بأن واشنطن انتهجت سياسة “تطويق المفاوض” على ثلاثة مستويات متزامنة: ضغط عسكري في الخليج، وضغط دبلوماسي في نيويورك، وضغط اقتصادي استراتيجي على بكين.
العقوبات الأمريكية على إيران: عملية المنبوذ الاقتصادي
في غمار انعقاد اجتماعات الأمم المتحدة، أكدت الإدارة الأمريكية أن العقوبات والحصار البحري المفروض على إيران بدأت تؤتي ثمارها بقوة؛ حيث بدأت دول إقليمية (مثل تركيا والإمارات وعُمان) بوقف معاملات بنكية مع طهران وتعليق رحلات طيران معها التزامًا بالضغوط الأمريكية.
وقد أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت نجاح الإجراءات يوم الأحد 27 سبتمبر 2026، في تصريحات ومنشور له عبر منصة “إكس”، مستعرضًا ثمار حملة الضغط التي تقودها الولايات المتحدة تحت اسم “عملية المنبوذ الاقتصادي”.
ومن أبرز الإجراءات الإقليمية التي أشار إليها:
- تعليق الرحلات الجوية: التزمت تركيا وسلطنة عُمان بوقف رحلات “شركة ماهان إير الإيرانية”، في حين علّقت الإمارات جميع رحلات شركات الطيران الإيرانية بالكامل.
- وقف المعاملات البنكية: أوقفت بنوك تجارية كبرى في الإمارات وتركيا معاملاتها مع طهران؛ وشمل ذلك إلغاء ترخيص بنك “ملّت” في تركيا، وتجميد تعاملات فروع بنك “ملّي” في الإمارات.
الحرب الهجينة بين طهران وواشنطن
الحقيقة أن الولايات المتحدة وإيران قد انتقلتا من المراوغات التفاوضية إلى الحرب الهجينة على النحو التالي:
- عسكريًا (رفع درجة الاستعداد + ورقة الغواصة = ردع تفاوضي): إعلان الجيش الإيراني رفع الجاهزية ليس استعدادًا للحرب، بل رسالة تفاوضية مفادها نحن مستعدون لانهيار المفاوضات. أما إعلان احتجاز غواصة أمريكية ذاتية القيادة في هرمز يوم 27 سبتمبر، فهو محاولة إيرانية لإثبات السيطرة الميدانية على المضيق، ونفي الرواية الأمريكية “إيران لا تسيطر على المضيق” إيران تقول: إذا كنا نستطيع احتجاز غواصتكم، فنحن من يملك مفتاح هرمز، وبالتالي يحق لنا وضع شروط.
- دبلوماسيًا (انتظار الرد المكتوب = توثيق الخلاف): يُعد طلب عراقجي ردًا أمريكيًا رسميًا ومكتوبًا بقبول مقترح الـ7 أيام عبر قطر خطوة ذكية. طهران لا تريد وعودًا شفهية من ويتكوف يمكن لترامب التراجع عنها، بل تريد وثيقة تُلزم واشنطن برفع الحصار. هذا يكشف انعدام الثقة، ورغبة إيران في تحويل مقترح الـ 7 أيام من فكرة شفهية إلى اتفاق ملزم.
- اقتصاديًا (عملية المنبوذ الاقتصادي): إعلان بيسنت ليس دعاية، بل إعلان بدء العزل الإقليمي الكامل. عندما توقف بنوك الإمارات وتركيا تعاملاتها البنكية مع طهران وتعلق رحلاتها الجوبة حذرًا من العقوبات الثانوية، فهذا يعني أن الحصار البحري تحول إلى “حصار مالي جوي”. أمريكا لم تعد تعاقب إيران فقط، بل تعاقب كل من يتعامل معها.
خاتمة تحليلية
إن اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة كانت محاولة من الوسطاء لوقف الحرب، ومناورات محسوبة العواقب من قبل الولايات المتحدة وإيران لتحقيق أكبر قدر من المكاسب وخروجهما من ساحة المعركة في مظهر المنتصر.
ورغم أن اجتماعات نيويورك قد فشلت في تحقيق سلام دائم، فقد نجحت في تحقيق هدف ترامب الراهن، ألا وهو تجميد الوضع العام حتى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم. فلا نصر يحرج الديمقراطيين، ولا هزيمة تسقط الجمهوريين؛ مجرد إدارة أزمة حتى تمر الانتخابات، ثم يأتي الحسم الحقيقي، عسكريًا أو دبلوماسيًا.
إن الإدارة الأمريكية تدرك أن الذهاب إلى تصعيد أكبر دون حسم قد يستنزف القدرات العسكرية الهجومية والدفاعية لواشنطن، وهو ما يجعل حسابات الانتخابات عاملًا ضاغطًا للبحث عن مساحات للتهدئة أو الدبلوماسية عبر وسطاء.
كما أن ترامب بات محاصرًا بوعده؛ فقد دخل الحرب مع إيران بسردية “ضربة حاسمة وسريعة”، لكن عندما تحولت هذه الحرب إلى حرب استنزاف بلغت تكلفتها 40 مليار دولار، ونجم عنها إغلاق هرمز وتضخم اقتصادي، انقلبت الورقة الرابحة إلى عبء انتخابي. أي تصعيد جديد قبل الانتخابات قد يرفع أسعار البنزين أكثر ويسقط الجمهوريين في مجلس النواب. فالناخب الأمريكي لا يهتم بمن يسيطر على هرمز، بل بسعر البنزين والبيض. ارتفاع الطاقة بسبب هرمز + الحصار = تآكل مباشر لجيب الناخب. هذا يفسر تراجع تأييد ترامب إلى 39%، وهو رقم يجعل أي مغامرة عسكرية جديدة انتحارًا سياسيًا قبل خوض الانتخابات.
أما هندسة الحرب من خلال الوسطاء فتحقق لترامب ثلاثة أهداف دون تكلفة: تمنع انهيار أسعار النفط عبر الإبقاء على أمل فتح هرمز، وتبقي الضغط على إيران عبر عملية “المنبوذ الاقتصادي”، وتمنحه مخرجًا ليقول “نحن نتفاوض” بدلًا من “نحن عالقون في مستنقع”.
على الجانب الآخر، يلعب الديمقراطيون وتر إعادة إنتاج خطاب 2006 “لقد تورطنا في حرب بلا نهاية” ضد بوش عندما شن الحرب على العراق في 2003؛ فكلما طالت الحرب مع إيران دون حسم، زادت فرصهم في استعادة الكونجرس خلال الانتخابات القادمة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5915

