بقلم: أولريكه فرانكه_ زميلة أولى للسياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، ومتخصصة في الأمن والدفاع الأوروبي والتكنولوجيا العسكرية
مع تزايد المؤشرات على تقليص الولايات المتحدة دورها العسكري في أوروبا، تجد القارة نفسها أمام اختبار غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة. فالتحدي لم يعد يقتصر على كيفية تعويض القدرات العسكرية الأمريكية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل يمتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل تستطيع الدول الأوروبية الحفاظ على وحدتها السياسية والاستراتيجية عندما يغيب اللاعب الذي ظل لعقود الضامن الرئيسي لأمنها؟
وتحذر دوائر بحثية وأمنية أوروبية من أن مستقبل الأمن الأوروبي لن يتحدد فقط بحجم الإنفاق العسكري أو تطوير الجيوش، وإنما بقدرة العواصم الأوروبية على منع عودة المنافسات التاريخية التي لطالما قسمت القارة قبل أن تفرض الولايات المتحدة مظلة أمنية موحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
معادلة الأمن الأوروبي
خلال السنوات الأخيرة بدأت واشنطن في إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، مع التركيز بصورة أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ ومواجهة الصين، وهو ما انعكس على حجم الالتزامات العسكرية الأمريكية داخل أوروبا.
وأصبح المسؤولون الأوروبيون يتعاملون مع فكرة تراجع الدور الأمريكي باعتبارها واقعًا يجب الاستعداد له، إذ تعمل العديد من الحكومات على زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز صناعاتها العسكرية، إلى جانب البحث عن آليات جديدة لتعويض أي انخفاض في القدرات الأمريكية داخل حلف الناتو، بما يضمن استمرار مستقبل الأمن الأوروبي دون الاعتماد الكامل على واشنطن.
المنافسة الأوروبية تعود من جديد
الخطر الأكبر لا يكمن في الانسحاب الأمريكي نفسه، وإنما في الفراغ الذي قد يتركه داخل القارة، وهو ما قد يدفع القوى الأوروبية الكبرى إلى التنافس على قيادة المشهد الأمني والسياسي.
فعلى مدار العقود الماضية، لعبت الولايات المتحدة دور الوسيط والمنظم للعلاقات بين الدول الأوروبية، الأمر الذي ساهم في الحد من التنافس التقليدي بينها. لكن مع تراجع هذا الدور، قد تعود الحسابات الوطنية والمصالح الخاصة لتفرض نفسها مجددًا، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مستقبل الأمن الأوروبي إذا لم تتم إدارة هذه المرحلة بحذر.
ألمانيا في قلب المعادلة الجديدة
تتصدر ألمانيا النقاش الدائر حول مستقبل القيادة الأوروبية، خاصة بعد الزيادة الكبيرة في ميزانية الدفاع الألمانية، والتي اعتبرها كثيرون خطوة ضرورية لتعزيز القدرات العسكرية للقارة.
إلا أن هذا الصعود يثير في الوقت نفسه تساؤلات داخل عدد من الدول الأوروبية حول كيفية توظيف برلين لهذا النفوذ العسكري والصناعي المتنامي. فبينما ينظر البعض إلى ألمانيا باعتبارها المرشح الطبيعي لقيادة المرحلة المقبلة، يخشى آخرون من أن يؤدي تفوقها إلى خلق اختلال جديد في توازن القوى داخل الاتحاد الأوروبي، بما قد يؤثر في مستقبل الأمن الأوروبي.
فرنسا وبريطانيا
لا تقتصر مسؤولية الحفاظ على توازن القوى داخل أوروبا على ألمانيا وحدها، إذ تمتلك كل من فرنسا والمملكة المتحدة ثقلاً عسكريًا وسياسيًا يجعل منهما عنصرين أساسيين في أي منظومة دفاعية أوروبية مستقبلية.
وتملك فرنسا أكبر قوة عسكرية داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى كونها الدولة الوحيدة في التكتل التي تمتلك سلاحًا نوويًا، بينما تحتفظ بريطانيا، رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، بقدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة تجعل استمرار التعاون معها ضرورة استراتيجية لضمان استقرار القارة.
صعود التيارات القومية
في الوقت الذي تبحث فيه أوروبا عن تعزيز وحدتها، تشهد عدة دول أوروبية صعودًا ملحوظًا للأحزاب القومية والشعبوية، وهو ما يضيف تحديًا جديدًا أمام مشروع التكامل الأوروبي.
ففي فرنسا تتزايد فرص اليمين المتطرف للوصول إلى السلطة، بينما يواصل حزب “البديل من أجل ألمانيا” تحقيق تقدم في استطلاعات الرأي، في حين تشهد بريطانيا أيضًا تناميًا لنفوذ الأحزاب الشعبوية. ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التحول السياسي إلى تغليب المصالح الوطنية الضيقة على التعاون الجماعي، الأمر الذي قد يضعف مستقبل الأمن الأوروبي في مرحلة تحتاج فيها القارة إلى أعلى درجات التنسيق.
الوحدة الأوروبية أولوية
أوروبا مطالبة اليوم بأكثر من مجرد زيادة ميزانيات التسلح، إذ يتطلب الوضع الحالي بناء رؤية سياسية موحدة تحدد أولويات القارة في عالم يشهد تغيرات متسارعة.
كما أن نجاح أوروبا في المرحلة المقبلة سيعتمد على قدرتها في إدارة المنافسة بين دولها الكبرى بطريقة لا تتحول إلى صراع سياسي أو اقتصادي، مع الحفاظ على مؤسسات الاتحاد الأوروبي باعتبارها الإطار الجامع للمصالح المشتركة.
وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، يبدو أن مستقبل الأمن الأوروبي لن يتوقف فقط على امتلاك المزيد من الدبابات والطائرات والأسلحة، بل على نجاح الدول الأوروبية في الحفاظ على وحدتها ومنع عودة الانقسامات التاريخية التي شكلت لعقود أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في القارة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4858


