ترجمات| محمد أيوب ــــ في ناشيونال إنترست
تسلط الهجمات الإيرانية المتكررة على مواقع عسكرية أمريكية في الأردن الضوء على نقطة حساسة في منظومة الأمن الإقليمي التي تقودها واشنطن. فبينما تنظر الولايات المتحدة إلى المملكة باعتبارها أحد أكثر حلفائها العرب استقرارًا واعتمادًا عليها، تكشف التطورات الأخيرة عن معضلة أعمق: الخطر الأكبر على الوجود الأمريكي في الأردن قد لا يكون الصواريخ الإيرانية، وإنما اتساع الفجوة بين موقف القيادة الأردنية من التحالف مع واشنطن وبين المزاج الشعبي تجاه الحرب مع إيران وإسرائيل.
تأتي هذه المعادلة في توقيت شديد الحساسية، إذ أصبحت المملكة جزءًا أساسيًا من شبكة الانتشار العسكري والاستخباراتي الأميركي في المنطقة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الشعبية للسياسات الأميركية تجاه الحرب في غزة والتطورات في الضفة الغربية. ويجعل ذلك الأردن أمام ضغوط أمنية وسياسية متزامنة يصعب فصلها عن علاقته الاستراتيجية بواشنطن.
هجمات متكررة تكشف هشاشة الموقع
شكلت الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت عسكرية أميركية في الأردن خلال يوليو ومرة أخرى في 30 أغسطس 2026، مؤشرًا على أن طهران ترى في المملكة نقطة حساسة داخل المنظومة الإقليمية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة.
ورغم أن الهجمات لم تؤد بالضرورة إلى تغيير جذري في التحالف الأمريكي الأردني، فإن تكرارها يسلط الضوء على كلفة استضافة القوات الأميركية داخل المملكة، ويضع القيادة الأردنية أمام اختبار معقد يتعلق بالحفاظ على التعاون الأمني مع واشنطن من جهة، واحتواء ردود الفعل الداخلية من جهة أخرى.

ويستند الوجود الأمريكي في الأردن إلى تعاون عسكري واستخباراتي طويل، جعل المملكة إحدى الركائز الأساسية للعمليات الأميركية ومكافحة الإرهاب في المنطقة.
تحالف استراتيجي عمره عقود
تعتبر واشنطن الأردن من أكثر شركائها العرب موثوقية. فقد حافظت المملكة على علاقات أمنية وسياسية وثيقة مع الولايات المتحدة لعقود، واستضافت قوات أميركية، وقدمت دعمًا واسعًا في ملفات مكافحة الإرهاب والاستخبارات.
كما يرتبط الأردن بعلاقات سلام مع إسرائيل، في إطار اتفاقية عام 1994، بينما يحصل على مساعدات اقتصادية وعسكرية أميركية كبيرة مقارنة بحجم اقتصاده وسكانه.
هذه المعطيات جعلت الأردن عنصرًا ثابتًا في الحسابات الأميركية بالشرق الأوسط، خصوصًا بسبب موقعه الجغرافي الذي يربطه بالعراق وسوريا وإسرائيل والضفة الغربية والسعودية.
لكن قوة العلاقة الرسمية لا تعني بالضرورة وجود إجماع شعبي حولها، وهنا تكمن المشكلة التي تكشفها الهجمات الإيرانية الأخيرة.
غزة تضاعف الضغط على المملكة
أدت الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023، وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى زيادة الغضب الشعبي داخل الأردن.
وتكتسب القضية الفلسطينية حساسية إضافية في المملكة بسبب التركيبة السكانية، إذ تنحدر نسبة كبيرة من الأردنيين من أصول فلسطينية، وترتبط عائلات كثيرة في الأردن بقطاع غزة والضفة الغربية والقدس.
وبالتالي، لا ينظر قطاع واسع من الأردنيين إلى الحرب الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية باعتبارها أزمة خارجية بعيدة، وإنما باعتبارها قضية مرتبطة مباشرة بالهوية والمصالح الوطنية.
ومع استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، ينظر بعض الأردنيين إلى واشنطن باعتبارها طرفًا مباشرًا في الصراع، وليس مجرد وسيط أو حليف للمملكة.
وتزيد المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، والدعم الدبلوماسي في المؤسسات الدولية، من حساسية الموقف الشعبي تجاه أي تعاون عسكري أردني مع الولايات المتحدة.
إيران.. خصم إقليمي معقد
لا يعني الغضب من إسرائيل والولايات المتحدة أن المجتمع الأردني يتبنى الموقف الإيراني بصورة كاملة؛ فطهران تظل قوة إقليمية مثيرة للجدل داخل الأردن، وهناك تحفظات واسعة على نفوذها الإقليمي وسياساتها في المنطقة. إلا أن خطاب إيران الداعم للفلسطينيين ومقاومة إسرائيل يمنحها قدرًا من التعاطف لدى شرائح من الرأي العام الأردني.
وهنا تظهر المفارقة السياسية: إيران قد تكون خصمًا استراتيجيًا للأردن في بعض الملفات، لكنها تستطيع في الوقت نفسه استغلال المشاعر المعادية لإسرائيل والولايات المتحدة لتوسيع الضغط السياسي على الحكومة الأردنية.
ولا تحتاج طهران، وفق هذا المنطق، إلى إسقاط النظام الملكي أو تغييره، إذ يكفي أن تجعل ثمن التحالف مع واشنطن أعلى على المستوى الداخلي.
تاريخ المملكة يزيد حساسية المعادلة
ترتبط هشاشة الأردن أيضًا بظروف نشأة الدولة وتطور نظامها السياسي؛ فالمملكة الهاشمية نشأت في ظل ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، بينما لعب الدعم البريطاني دورًا مهمًا في تأسيس الإمارة وتثبيت حكم الأسرة الهاشمية.
ومع مرور الوقت، اعتمد النظام على تحالفات داخلية وخارجية لضمان الاستقرار، بما في ذلك العلاقات الوثيقة مع القوى الغربية؛ لكن هذه التركيبة تجعل أي خلاف حاد بين الموقف الرسمي والمزاج الشعبي أكثر حساسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضية مثل فلسطين التي تتجاوز الحسابات الخارجية لتصبح جزءًا من النقاش الداخلي حول هوية الدولة ومستقبلها.
واشنطن تحتاج إلى الأردن.. والأردن يحتاج إلى واشنطن
تعتمد الولايات المتحدة على الأردن في عدد من المجالات الأمنية والعسكرية، بما في ذلك استضافة القوات وتبادل المعلومات ومكافحة التنظيمات المسلحة.
في المقابل، يحتاج الأردن إلى الدعم الأميركي اقتصاديًا وأمنيًا، ما يجعل فك الارتباط بين الطرفين خيارًا شديد الصعوبة.
ولهذا، فإن المسألة لا تتعلق ببساطة بخيار استمرار أو إنهاء الوجود الأمريكي، وإنما بكيفية إدارة هذا الوجود دون أن يتحول إلى عامل ضغط داخلي متزايد.
ويواجه الملك عبد الله الثاني معادلة معقدة؛ إذ إن ارتباط الأردن الوثيق بواشنطن يوفر مظلة أمنية واقتصادية مهمة، لكنه في الوقت نفسه يفرض كلفة سياسية عندما تتعارض السياسات الأميركية مع المزاج الشعبي تجاه إسرائيل وفلسطين.
إيران تستطيع الضغط دون مواجهة مباشرة
تمنح هذه التناقضات طهران فرصة لاستخدام أدوات ضغط غير مباشرة؛ فالهجمات على المنشآت الأميركية قد تكون ذات قيمة عسكرية محدودة مقارنة بحجم الوجود الأميركي في المنطقة، لكنها تحمل رسالة سياسية واضحة حول تكلفة التحالف مع واشنطن.
فاتورة الحرب الإيرانية.. من ضرب المخابرات الأمريكية إلى تراجع شعبية ترامب
ويمكن لإيران أن تحاول استغلال أي خسائر أو اضطرابات أو احتجاجات ناجمة عن العمليات لإظهار أن التعاون العسكري مع الولايات المتحدة يجعل الأردن ساحة للمواجهة الإقليمية.
وفي حال تكررت الضربات، قد تجد الحكومة الأردنية نفسها مضطرة إلى زيادة الإجراءات الأمنية حول القواعد والمنشآت الأميركية، وهو ما قد يثير بدوره أسئلة داخلية بشأن حجم الدور الأميركي وطبيعته.
الأردن أمام معادلة أمنية شديدة الحساسية
توضح التطورات الأخيرة أن أهمية الأردن بالنسبة إلى الولايات المتحدة قد تكون أيضًا مصدرًا لنقطة ضعفه؛ فالمملكة توفر موقعًا جغرافيًا حيويًا للقوات الأمريكية، وتتمتع بشبكات تعاون أمني واسعة، لكنها تقع في قلب منطقة شديدة الاستقطاب، وتجاور ملفات الصراع الأكثر حساسية، من فلسطين وسوريا والعراق إلى إيران وإسرائيل.
ومع استمرار الحرب الإسرائيلية في غزة والتوتر في الضفة الغربية وتصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية، يصبح الحفاظ على التوازن بين متطلبات التحالف الخارجي والاستقرار الداخلي أكثر صعوبة.
لهذا، فإن الهجمات الإيرانية الأخيرة لا تكشف فقط عن قدرة طهران على استهداف مصالح أمريكية في الأردن، وإنما تكشف أيضًا عن مأزق سياسي أوسع: كيف يمكن لواشنطن أن تحافظ على الأردن كركيزة أساسية لأمنها الإقليمي، بينما تتزايد داخل المملكة الضغوط الشعبية الرافضة للسياسات التي ترتبط بهذا الدور؟
وفي هذه المعادلة، تتحول القواعد الأميركية من مجرد منشآت عسكرية إلى نقاط تقاطع بين الاستراتيجية الأميركية والمصالح الأمنية الأردنية والمزاج الشعبي والصراع الإقليمي الأوسع.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5667

