شهدت واحدة من أكثر عمليات الاستخبارات الإسرائيلية جرأة في التاريخ تفاصيل جديدة كُشف عنها لأول مرة، بعدما أعلن الرئيس السابق لجهاز “الموساد” يوسي كوهين أن الجهاز أجرى “بروفة كاملة” في إحدى الدول الإفريقية قبل تنفيذ عملية الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني مطلع عام 2018.
ويضيف هذا الكشف بعدًا جديدًا إلى العملية التي اعتبرها كثيرون نقطة تحول في المواجهة بين إسرائيل وإيران، بعدما أسهمت المعلومات التي حصل عليها الموساد في دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، وهو القرار الذي أعاد تشكيل مسار الأزمة النووية الإيرانية وألقى بظلاله على التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات التالية.
عملية غيرت مسار الملف النووي الإيراني
كشف يوسي كوهين أن الموساد لم يقتحم منشأة الأرشيف النووي الإيراني بصورة مفاجئة، بل سبق العملية إعداد استثنائي استمر لفترة طويلة، شمل إنشاء نموذج مطابق للمنشأة الحقيقية داخل إحدى الدول الإفريقية، حيث تدرب عشرات العملاء على جميع تفاصيل المهمة قبل تنفيذها داخل إيران.
وجاء هذا الاعتراف لأول مرة ليكشف عن أحد أكثر الأسرار التي ظلت محاطة بالكتمان منذ تنفيذ العملية في يناير 2018، إذ سبق أن تناولت كتب وتقارير عديدة تفاصيل الاقتحام، لكنها تجنبت تحديد الموقع الجغرافي الذي احتضن التدريب النهائي، بسبب اعتبارات أمنية ودبلوماسية حساسة.
الموساد داخل أكثر المواقع الإيرانية سرية
بحسب التفاصيل التي أعاد كوهين الحديث عنها، تمكن فريق الموساد من دخول منشأة الأرشيف النووي الإيراني والبقاء داخلها لمدة بلغت ست ساعات وتسعًا وعشرين دقيقة دون إطلاق أي إنذار أمني أو اكتشاف وجودهم من قبل السلطات الإيرانية.
وخلال تلك الفترة تمكن العملاء من فتح خزائن فولاذية ضخمة باستخدام معدات حرارية خاصة وصلت حرارتها إلى نحو 3600 درجة، ثم نقل آلاف الوثائق الأصلية والملفات السرية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني قبل الانسحاب الكامل، فيما لم تكتشف السلطات الإيرانية ما حدث إلا بعد مرور نحو ساعتين إضافيتين على مغادرة آخر عناصر الفريق.
لماذا احتاج الموساد إلى بروفة كاملة؟
يشير كوهين إلى أن تعقيد العملية فرض على الموساد بناء نسخة مطابقة تقريبًا للمنشأة الإيرانية، بما في ذلك أماكن الخزائن الثقيلة والأبواب وأنظمة الحركة داخل المبنى، حتى يتمكن الفريق من التدرب على كل دقيقة من زمن العملية.
كما أوضح أن تنفيذ هذا التدريب داخل إسرائيل كان سيحمل مخاطر كبيرة، إذ إن إنشاء موقع بهذه المواصفات كان قد يثير الانتباه ويكشف وجود عملية استخباراتية ضخمة قيد الإعداد، لذلك وقع الاختيار على دولة إفريقية لم يُكشف اسمها رسميًا حتى الآن.
إفريقيا.. الحلقة المفقودة في العملية
ورغم أن كوهين أكد أن التدريب جرى في إفريقيا، فإنه لم يحدد الدولة المستضيفة، الأمر الذي فتح باب التكهنات مجددًا حول هوية البلد الذي وفر البيئة المناسبة لهذا التحضير السري.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن هذا الإعلان يأتي بعد سنوات من رفض السلطات الإسرائيلية الكشف عن مكان التدريب، فيما يرى مراقبون أن تغير الظروف الأمنية، خاصة بعد الضربات التي تعرضت لها المؤسسات الأمنية الإيرانية خلال الحرب الأخيرة، ربما شجع تل أبيب على الكشف عن هذا الجزء من القصة.
المغرب يعود إلى دائرة التكهنات
أعاد الكشف الجديد اسم المغرب إلى واجهة النقاش، خاصة أن الرباط أقامت لاحقًا علاقات رسمية مع إسرائيل في إطار اتفاقيات أبراهام خلال فترة تولي كوهين رئاسة الموساد، كما تطورت العلاقات العسكرية بين البلدين بصورة لافتة خلال السنوات اللاحقة.
ورغم ذلك، لا توجد أي أدلة مستقلة تؤكد أن التدريب جرى داخل المغرب، كما أن كوهين نفسه امتنع عن تسمية الدولة الإفريقية، بينما تؤكد مصادر إسرائيلية أن تل أبيب تمتلك علاقات أمنية واستخباراتية هادئة مع عدد من الدول الإفريقية التي لا تحظى باهتمام إعلامي واسع.
من الوثائق إلى انسحاب ترامب من الاتفاق النووي
مثلت الوثائق التي استولى عليها الموساد إحدى أهم أدوات الضغط السياسي التي استخدمتها إسرائيل لإقناع الإدارة الأمريكية بأن إيران أخفت معلومات تتعلق ببرنامجها النووي، قبل أن يعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو جزءًا من تلك الوثائق خلال مؤتمر صحفي أثار اهتمامًا عالميًا.

وبعد أسابيع قليلة أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015، وهو القرار الذي أعاد فرض العقوبات الأمريكية على إيران، وأدى إلى انهيار المسار التفاوضي السابق، لتدخل الأزمة النووية مرحلة جديدة من التصعيد المستمر.
عملية استخباراتية امتدت آثارها إلى حروب المنطقة
يرى محللون أن تداعيات عملية الأرشيف النووي تجاوزت مجرد الحصول على معلومات سرية، إذ ساهمت بصورة غير مباشرة في إعادة رسم مسار الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل خلال السنوات التالية.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي فتح الباب أمام سنوات من التوتر انتهت بمواجهات عسكرية مباشرة مع إيران، قبل أن تصل الأطراف لاحقًا إلى اتفاق جديد في يونيو 2026، بينما يبقى اقتحام الأرشيف النووي أحد أبرز العمليات الاستخباراتية التي تركت أثرًا طويل المدى على توازنات الشرق الأوسط.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4833


