أثار قرار البنتاجون سحب نحو 25 عامًا من تقارير اختبار الأسلحة من متناول الجمهور جدلًا واسعًا في واشنطن، بعدما بررت وزارة الدفاع الخطوة بمخاوف من استغلال الخصوم للذكاء الاصطناعي في جمع معلومات متفرقة عن نقاط ضعف الأسلحة والمنظومات العسكرية الأمريكية.
لكن منتقدين يرون أن القرار لا يمكن فصله عن تراجع دور مكتب مدير الاختبارات والتقييم العملياتي، الذي أنشأه الكونغرس لضمان اختبار الأسلحة بصورة مستقلة قبل دخولها الخدمة. ويخشى هؤلاء أن يؤدي تقليص المكتب وحجب تقاريره إلى إضعاف الرقابة على صناعة السلاح، وفتح الباب أمام تمرير أنظمة تعاني عيوبًا لم تُكتشف أو لم تُعالج بالشكل الكافي.
الأمن القومي في مواجهة الشفافية
قالت وزارة الدفاع الأمريكية إن التقارير نُقلت إلى شبكة إلكترونية مؤمنة تابعة لمكتب الاختبارات والتقييم العملياتي، بحيث لا يستطيع الوصول إليها سوى الأشخاص المصرح لهم. وبررت ذلك بإمكانية أن يستغل الخصوم تقنيات الذكاء الاصطناعي لربط معلومات منشورة منذ سنوات واستخدامها في بناء صورة متكاملة عن نقاط ضعف البنية العسكرية الأمريكية.
غير أن هذه الحجة لم تقنع منتقدي القرار، خصوصًا أن التقارير لم تكن سرية في الأصل، وأن بعضها ما زال متاحًا عبر روابط مباشرة على شبكة الإنترنت. وهو ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كان الهدف الحقيقي هو حماية معلومات حساسة، أم تقليص قدرة الجمهور والباحثين ووسائل الإعلام على متابعة أداء برامج التسليح الأمريكية.
لماذا أنشئ مكتب الاختبارات؟
يعود تأسيس مكتب مدير الاختبارات والتقييم العملياتي إلى عام 1983، عندما قرر الكونغرس إنشاء جهة مستقلة لمراقبة اختبار الأسلحة بعد سلسلة من التجارب التي كشفت أن بعض المنظومات كانت تصل إلى الجنود رغم وجود عيوب خطيرة فيها.
وكانت تجربة بندقية “إم 16” خلال حرب فيتنام من أبرز الأمثلة التي كشفت مخاطر الاستعجال في إدخال السلاح إلى الخدمة. فقد واجهت البندقية في بدايات استخدامها مشكلات مرتبطة بالذخيرة والتعطل، في وقت لم تكن فيه جميع المشكلات قد عولجت بالشكل المطلوب.
ومن هنا جاء دور المكتب في اختبار الأسلحة بعيدًا عن الضغوط التي قد تمارسها الجهات المسؤولة عن تطويرها أو شرائها. فالمؤسسة العسكرية تريد عادة الحصول على أسلحة جديدة بسرعة، بينما تريد الشركات المنتجة حماية استثماراتها وعقودها، ولذلك كان وجود جهة مستقلة قادرة على كشف العيوب أمرًا ضروريًا.
تقليص المكتب يثير المخاوف
لم يأتِ حجب التقارير في فراغ، بل تزامن مع تقليص كبير لدور المكتب نفسه خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب. فقد انخفض عدد الموظفين المدنيين المصرح بهم من 126 موظفًا إلى نحو 30 فقط، كما طُرحت مقترحات لخفض ميزانيته بصورة كبيرة.
وأثارت هذه التخفيضات مخاوف من أن يصبح المكتب غير قادر على مراقبة العدد الكبير من برامج التسليح التي يفترض أن يخضع لها. ومع انخفاض عدد الموظفين، أصبح العاملون المتبقون مطالبين بمتابعة برامج أكثر، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع مستوى الخبرة والتدقيق في بعض المشاريع العسكرية.
وحذر مكتب المحاسبة الحكومي من أن استمرار هذه القيود قد يجعل من الصعب على المكتب تنفيذ مهمته بصورة فعالة، خصوصًا أن بعض الموظفين باتوا يتحملون أعباء تفوق قدراتهم، بينما فقدت المؤسسة جزءًا من الخبرات المتخصصة التي تراكمت لديها خلال عقود.
صناعة السلاح في مرمى الرقابة
لطالما كانت علاقة مكتب الاختبارات بصناعة السلاح والقيادات العسكرية متوترة. فكلما كشف المكتب خللًا في برنامج كبير، كان ذلك يعني احتمال تأخير المشروع أو زيادة تكلفته أو إعادة تصميم جزء من المنظومة، وهو ما قد يضر بمصالح الشركات والجهات التي تقف خلف المشروع.
ويجادل منتقدو المكتب بأن الاختبارات المستقلة تعطل برامج التسليح وتزيد تكلفتها، لكن المدافعين عنه يردون بأن اكتشاف العيوب قبل دخول السلاح إلى الخدمة يوفر أموالًا أكبر، ويجنب الجنود مخاطر يمكن أن تكون قاتلة في ساحات القتال.
وتكمن المشكلة في أن المؤسسة العسكرية نفسها قد تكون لديها حوافز للإسراع في إدخال الأسلحة الجديدة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر ببرامج استراتيجية ترتبط بمنافسة الولايات المتحدة مع الصين وروسيا.
تقارير كانت تكشف عيوب الأسلحة
كانت التقارير السنوية للمكتب تمثل واحدة من أهم النوافذ التي يستطيع الكونغرس والجمهور من خلالها معرفة حقيقة أداء برامج التسليح الأمريكية.
فبدلًا من الاكتفاء بالتصريحات الرسمية التي تتحدث عن أسلحة متطورة وقدرات استثنائية، كانت التقارير تكشف أحيانًا مشكلات تتعلق بالاعتمادية والدقة والجاهزية القتالية والصيانة والتكلفة.
ولهذا يرى منتقدون أن اختفاء هذه التقارير من الموقع الرسمي يمثل خسارة كبيرة للشفافية، حتى لو بقيت الوثائق نفسها موجودة داخل أنظمة البنتاغون. فالمشكلة، بحسب هذا التصور، ليست فقط في حذف الملفات، وإنما في جعل الوصول إليها مرتبطًا بالحصول على صلاحيات عسكرية.
سوابق لمحاولات إضعاف المكتب
الصراع حول استقلال مكتب الاختبارات ليس جديدًا. فمنذ تأسيسه، ظهرت محاولات داخل الكونغرس لتقليص صلاحياته أو إلغائه، خصوصًا من جانب جهات مرتبطة بمصالح صناعة السلاح.
وفي بعض الحالات، جرى تقديم مقترحات تشريعية تفرض على المكتب ألا تؤدي أنشطته إلى تعطيل جداول إنتاج الأسلحة أو زيادة تكاليف البرامج. وحذر المدافعون عن استقلاليته من أن مثل هذه القيود يمكن أن تحول المكتب من جهة رقابية إلى جهة مطالبة بمراعاة مصالح البرامج التي يفترض أن تراقبها.
كما تعرضت استقلالية الاختبارات لانتقادات أخرى، لأن العسكريين الذين يشاركون في عمليات الاختبار يظلون في النهاية جزءًا من المؤسسة العسكرية، وهو ما قد يخلق تضاربًا بين واجب الكشف عن العيوب والرغبة في تسريع دخول السلاح إلى الخدمة.
من “إف 35” إلى المشاريع الجديدة
تزداد أهمية هذه القضية مع استمرار البنتاجون في ضخ أموال ضخمة في برامج تسليحية مثيرة للجدل، وعلى رأسها مقاتلة “إف 35″، إلى جانب مشاريع جديدة تتعلق بالدفاع الصاروخي والأسلحة بعيدة المدى والسفن القتالية والأنظمة ذاتية التشغيل.
وقد واجهت بعض هذه البرامج انتقادات بسبب ارتفاع تكاليفها وتأخرها ومشكلات تقنية لم تُحل بصورة سريعة. وفي مثل هذه الحالات، تصبح الاختبارات المستقلة وسيلة أساسية لمعرفة ما إذا كانت الأموال التي تنفقها الحكومة تتحول بالفعل إلى قدرات عسكرية موثوقة.
ويخشى منتقدون من أن تقليص دور مكتب الاختبارات سيجعل اكتشاف بعض المشكلات أكثر صعوبة، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع رغبة سياسية وعسكرية في تسريع إنتاج الأسلحة لمواجهة التحديات الدولية المتزايدة.
تحذيرات داخل الكونجرس
دفع القرار عددًا من أعضاء الكونجرس إلى التحذير من أن تقليص المكتب وحجب تقاريره يمكن أن يضر بسلامة الجنود وبأموال دافعي الضرائب في الوقت نفسه.
ويرى هؤلاء أن الرقابة على الأسلحة ليست رفاهية، لأن الخطأ في منظومة عسكرية لا يعني خسارة مالية فقط، بل قد يؤدي إلى مقتل جنود أو فشل مهمة عسكرية بأكملها. ولذلك فإن معرفة عيوب السلاح قبل استخدامه في الحرب تمثل جزءًا أساسيًا من الأمن القومي.
كما أن نشر نتائج الاختبارات يمنح الكونجرس وسيلة لمحاسبة البنتاجون والشركات المتعاقدة معه، ويمنع تحول البرامج العسكرية الضخمة إلى مشاريع مغلقة يصعب على أي جهة خارج المؤسسة العسكرية معرفة حقيقة أدائها.
هل أصبحت السرية وسيلة لإخفاء العيوب؟
المعركة الحالية لا تدور فقط حول تقارير قديمة، وإنما حول مستقبل الرقابة على المؤسسة العسكرية الأمريكية.
فمن الطبيعي أن تحجب وزارة الدفاع المعلومات التي يمكن أن تكشف نقاط ضعف عملياتية حقيقية أمام خصوم الولايات المتحدة. لكن الخلاف يبدأ عندما تتحول هذه المبررات إلى وسيلة لحجب معلومات كان يمكن نشرها دون تعريض الأمن القومي للخطر.
وتزداد حساسية القضية لأن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تحليل كميات ضخمة من البيانات وربط معلومات منشورة في أماكن مختلفة. وهذا يمنح البنتاغون حجة قوية لتشديد الحماية على بعض المعلومات، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا صعبًا: هل الحل هو حماية المعلومات الحساسة فقط، أم إغلاق الباب أمام الرقابة العامة على منظومة التسليح بأكملها؟
وفي النهاية، تكشف قضية تقارير الاختبارات عن معركة أعمق داخل الولايات المتحدة بين السرعة والرقابة؛ فواشنطن تريد إنتاج أسلحة أكثر وبوتيرة أسرع لمواجهة خصومها، لكن تسريع الإنتاج دون اختبار مستقل وقوي قد يجعل الولايات المتحدة تدفع الثمن عندما تنتقل العيوب من المختبر إلى ساحة المعركة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5527

