الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

معركة صامتة تحت هرمز.. مسيرات وغواصات في مرمى نيران إيران

تفتح واقعة إعلان الحرس الثوري الإيراني احتجاز مسيرة أمريكية...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

قراءة في صندوق الاقتراع البلطيقي.. صراع السيادة والاقتصاد على حدود الناتو الشرقية

زياد حيده ــ محلل سياسي ومتخصص في العلاقات الدوليةتُشكل...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةمن ميانمار إلى نيويورك.. التكنولوجيا الإسرائيلية تخترق هواتف الأمريكيين

من ميانمار إلى نيويورك.. التكنولوجيا الإسرائيلية تخترق هواتف الأمريكيين

كارثيك سانكاران ــ مقال في مجلة ريسبونسبل ستيت كرافت

منذ تسريبات إدوارد سنودن عام 2013، لم تعد قضية المراقبة الرقمية في الولايات المتحدة مجرد ملف تقني أو أمني، بل تحولت إلى جزء من النقاش العام حول الخصوصية وحدود صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون. ومع تصاعد الاعتراضات على استخدام كاميرات الأبواب الذكية وقارئات لوحات السيارات، برز اتجاه آخر أكثر هدوءًا وأقل إثارة للانتباه: توسع إدارات الشرطة الأمريكية في شراء تقنيات إسرائيلية تتيح مراقبة الهواتف والأجهزة الذكية في الوقت الفعلي.

وتبرز شركة كوجنيت سوليوشنز “Cognyte Solutions” الإسرائيلية بين الشركات التي حصلت على عقود مع أجهزة شرطة محلية وولائية أمريكية خلال السنوات الأخيرة، لتوفير تقنيات محاكاة أبراج الاتصالات وتتبع الأجهزة المحمولة. ويثير هذا التوسع تساؤلات حول مدى توافق هذه الأدوات مع الحماية التي يوفرها التعديل الرابع للدستور الأمريكي ضد عمليات التفتيش والمراقبة غير المعقولة، خصوصًا أن طبيعة التكنولوجيا تسمح بجمع بيانات عن أشخاص لم يكونوا أصلًا هدفًا للتحقيق.

من كاميرات رينج إلى قارئات لوحات السيارات

شهدت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة مواجهات متزايدة بين المواطنين وأجهزة إنفاذ القانون وشركات التكنولوجيا بشأن الوصول إلى البيانات الشخصية. وكان مستخدمو أجراس الأبواب الذكية من شركة رينج ” Ring ”  من أبرز الأمثلة، بعدما تعرضت سياسة الشركة الخاصة بالسماح لأجهزة الشرطة بطلب تسجيلات كاميرات المنازل لانتقادات وضغوط واسعة.

وفي الوقت نفسه، تصاعدت حركة شعبية ضد استخدام كاميرات فلوك Flock، وهي أنظمة آلية لقراءة لوحات السيارات تجمع معلومات عن المركبات التي تمر أمامها، ما أثار مخاوف بشأن إنشاء قواعد بيانات ضخمة لحركة المواطنين.

لكن تقنيات Cognyte تقدم مستوى مختلفًا من المراقبة، لأنها لا تكتفي بتسجيل ما يحدث في المجال العام، بل يمكنها الوصول إلى إشارات الأجهزة المحمولة وتتبع نشاطها في الوقت الحقيقي.

كيف تعمل أجهزة محاكاة أبراج الاتصالات؟

تعتمد إحدى التقنيات الرئيسية التي توفرها الشركة على ما يعرف باسم أجهزة محاكاة أبراج الاتصالات Cell-Site” “Simulators ، والتي تُعرف أيضًا باسم أجهزة التقاط هوية المشترك الدولي للهاتف المحمول  IMSI Catchers.

تعمل هذه الأجهزة من خلال إرسال إشارات لاسلكية تحاكي إشارات أبراج الاتصالات الحقيقية، ما يدفع الهواتف الموجودة في نطاقها إلى الاتصال بها بدلًا من البرج الفعلي. وبمجرد اتصال الجهاز بالمحاكي، يستطيع المشغل تحديد الأجهزة الموجودة في المنطقة ومراقبة بعض الاتصالات والبيانات غير المشفرة.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن النظام لا يقتصر بالضرورة على الهاتف الذي تستهدفه الشرطة. فقد تتصل به أجهزة أشخاص آخرين موجودين في المنطقة نفسها، ما يسمح بجمع معلومات عن عدد كبير من الأفراد في وقت واحد.

وتشير بيانات مؤسسة  الحدود الإلكترونية ” Electronic Frontier Foundation ” إلى استخدام هذه التكنولوجيا في أكثر من 80 إدارة شرطة أمريكية، كما وثقت حالات استخدمت فيها أجهزة محاكاة الأبراج في عمليات بحث سرية ودون أوامر تفتيش واضحة.

الجيل الجديد يوسع نطاق المراقبة

لم تتوقف التطورات عند اعتراض إشارات الهواتف المحمولة التقليدية، إذ أصبحت بعض الأنظمة الحديثة قادرة على العمل مع شبكات الجيل الخامس و واي فاي، وهو ما يفتح المجال أمام مراقبة أوسع لنشاط الأجهزة.

وتعني هذه التطورات أن نطاق المعلومات التي يمكن جمعها قد يتجاوز تحديد موقع الهاتف أو بيانات الاتصال الأساسية، ليشمل مؤشرات مرتبطة باستخدام التطبيقات وعمليات البحث على الإنترنت، وفقًا لطبيعة النظام والبيانات غير المشفرة التي يمكن اعتراضها.

كما أصبحت الأجهزة أكثر قابلية للنقل والاستخدام الميداني. ويمكن تركيب بعض الأنظمة داخل سيارات الشرطة أو إخفاؤها في أماكن لا تلفت الانتباه، بينما يمكن نقل أنظمة أخرى داخل حقائب مصممة خصيصًا لهذا الغرض.

وتمنح هذه المرونة أجهزة إنفاذ القانون قدرة على نشر أدوات المراقبة في مواقع مختلفة بسرعة، في الوقت الذي يصبح فيه اكتشاف وجودها من جانب المواطنين أكثر صعوبة.

 سوق المراقبة الأمريكي

تعود قصة Cognyte إلى شركة إسرائيلية أخرى هي فيرينت تكنولوجيز Verint Technologies، التي كانت تضم قطاعًا متخصصًا في الأمن وتقنيات المراقبة. وفي عام 2019 أعلنت Verint خطتها لفصل هذا النشاط عن الشركة وتأسيس كيان مستقل حمل لاحقًا اسم Cognyte.

وسبق انفصال الشركة تحقيق صحفي عام 2018 اتهم Verint بالسماح باستخدام تقنياتها من جانب حكومات سلطوية. وتضمن التحقيق ادعاءات بشأن استخدام معدات مراقبة الاتصالات في دول مثل أذربيجان وإندونيسيا وجنوب السودان والبحرين، إضافة إلى استخدامها في مراقبة متظاهرين سياسيين في كولومبيا.

وفي عام 2020، ظهرت تقارير حقوقية تتحدث عن بيع كوجنيت   Cognyte برنامجًا خاصًا بمحاكاة أبراج الاتصالات، يحمل اسم فالكونت  «FalcoNet»، إلى الجيش في ميانمار قبل الانقلاب العسكري. وأشارت تقارير حقوقية إلى أن مراقبة الاتصالات كانت جزءًا من منظومة أوسع ارتبطت بانتهاكات خطيرة ضد المدنيين.

من ميانمار إلى فلوريدا

لم تعد تقنيات الشركة محصورة في الأسواق الخارجية، بل بدأت تظهر بصورة متزايدة داخل الولايات المتحدة.

وفي عام 2022، اشترت إدارة إنفاذ القانون في فلوريدا أجهزة من كوجنيت لمراقبة الهواتف المحمولة للاجئين من هايتي، قبل أن يجري العمل على عقد إضافي في 2024.

وفي العام نفسه، منحت شرطة ألبوكيركي الشركة عقدًا لتصبح المزود الوحيد لتقنيات محاكاة أبراج الاتصالات لديها.

كما ارتبطت شرطة بالتيمور بعقود مع كوجنيت لتطوير تقنيات تتبع الهواتف، وإن كان العقد السابق قد انتهى في 2023، قبل الاستعانة بمزود آخر.

توسع سريع داخل أجهزة الشرطة الأمريكية

شهد العام الأخير تسارعًا لافتًا في انتشار تقنيات كوجنيت بين أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية. فمنذ أواخر 2025، فازت الشركة بعطاءات مع ثلاث جهات أمنية رئيسية، بينها إدارة شرطة العاصمة واشنطن في نوفمبر، وشرطة نيويورك في ديسمبر، وشرطة ولاية تكساس في مارس 2026.

وأبلغت شرطة ولاية تكساس بأن التكنولوجيا مخصصة لأغراض البحث والإنقاذ فقط، بينما لم تستجب جهات أخرى لطلبات التعليق بشأن طبيعة استخدام الأنظمة.

ويثير انتقال عدد من الإدارات من مزودين سابقين إلى كوجنيت تساؤلًا حول الأسباب التي تجعل هذه الأجهزة الأمنية تختار الشركة في ظل الجدل المستمر حول تقنيات المراقبة.

الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة المراقبة

لا تقتصر منتجات كوجنيت على تقنيات اعتراض إشارات الهواتف، إذ تروج الشركة أيضًا لمنصة تحليل بيانات تعتمد على الذكاء الاصطناعي تحمل اسم نيكسايت “NEXYTE”.

وتعمل المنصة على دمج مصادر متعددة من البيانات، بما في ذلك المعلومات المتاحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والملفات التحقيقية للشرطة، بهدف مساعدة المحققين على الربط بين المعلومات وتحديد الأشخاص والعلاقات المحتملة.

وتتضمن العروض التوضيحية للمنصة إنشاء ما يسمى «درجة تهديد» وربط الشخص بأشخاص آخرين باعتبارهم «شركاء معروفين».

وفي أحد العروض، صنفت المنصة شخصًا باعتباره «ناقل مخدرات» استنادًا إلى منشور على إنستجرام عن شراء عطر باهظ الثمن، اعتبر النظام أن قيمته لا تتناسب مع الدخل المتوقع للشخص.

وتكشف هذه التطبيقات عن جانب آخر من مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في إنفاذ القانون، إذ يمكن لخوارزمية أن تحول معلومة عادية أو منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي إلى مؤشر اشتباه قد يؤثر في كيفية تعامل الشرطة مع فرد معين.

هل تتعارض التكنولوجيا مع التعديل الرابع؟

يتركز الجدل القانوني حول مدى توافق هذه الأدوات مع التعديل الرابع للدستور الأمريكي، الذي يحظر عمليات التفتيش والمصادرة غير المعقولة.

ويرى خبراء في الحريات المدنية أن المشكلة لا تكمن فقط في مراقبة الشخص المستهدف، وإنما في أن التكنولوجيا قادرة بطبيعتها على جمع معلومات عن عدد أكبر بكثير من الأشخاص الموجودين في نطاقها.

ويحذر المدافعون عن الخصوصية من أن استخدام هذه الأجهزة قد يحول عملية بحث محددة إلى عملية جمع جماعي للبيانات، خصوصًا إذا لم تكن هناك قواعد واضحة تحدد متى يمكن تشغيل النظام، ومن يمكن مراقبته، وكيف يتم تخزين البيانات، ومتى يجب حذفها.

ويزداد القلق مع سهولة نشر الأنظمة الحديثة، سواء داخل سيارات الشرطة أو عبر معدات محمولة، بما يسمح باستخدامها في الميدان دون أن يكون المواطنون على علم بوجود عملية مراقبة.

لماذا تثير الهوية الإسرائيلية للشركة جدلًا إضافيًا؟

لا يرتبط الجدل بتكنولوجيا Cognyte وحدها، بل بالسياق الأوسع لصناعة المراقبة الإسرائيلية. فقد أصبحت إسرائيل مركزًا عالميًا لتطوير تقنيات الأمن السيبراني والمراقبة، ويرتبط جزء من هذا القطاع بخبرات أفراد خدموا في وحدات الاستخبارات العسكرية، وعلى رأسها الوحدة 8200.

كما واجهت شركات إسرائيلية أخرى، مثل سيليبرايت ومجموعة إن إس أو ( Cellebrite و NSO Group) ، انتقادات دولية بسبب استخدام منتجاتها في الوصول إلى الهواتف أو التجسس على مستخدمين في دول مختلفة.

ويقول خبراء في الحريات المدنية إن السياق الذي تُطور فيه التكنولوجيا مهم بقدر التكنولوجيا نفسها، خصوصًا عندما تنتقل أدوات صممت في بيئات أمنية شديدة الاعتماد على المراقبة إلى أجهزة الشرطة في دول لديها أنظمة دستورية مختلفة لحماية الخصوصية.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة الشرطة على امتلاك أدوات أكثر تطورًا، وإنما بحدود استخدامها: هل يمكن أن تتحول التكنولوجيا التي صُممت لاستهداف مشتبه به إلى شبكة مراقبة تجمع بيانات أشخاص لم يرتكبوا أي جريمة، فقط لأن هواتفهم كانت موجودة في المكان نفسه؟

 

مقالات ذات صلة