تعيش باكستان في الوقت الحالي حالة فريدة من التناقض الذي يثير دهشة المراقبين الدوليين. ففي الوقت الذي تحصد فيه المؤسسة العسكرية الباكستانية، بقيادة المشير عاصم منير، إشادات عالمية واسعة ولفتة غير مسبوقة من وسائل الإعلام الدولية نتيجة أدوارها الدبلوماسية، تعاني الجبهة الداخلية للبلاد من انهيار أمني متسارع.
هذا التباين الحاد جعل الدولة ذات القدرات النووية تتصدر المشهد العالمي كلاعب إقليمي مؤثر، بينما تنزف في الداخل بسبب موجة إرهابية غير مسبوقة.
لقد أسهمت النجاحات الخارجية الأخيرة في تعزيز الشعور بالفخر لدى المغتربين الباكستانيين، خاصة مع استضافة إسلام آباد لمحادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، وإبرام معاهدة دفاعية إستراتيجية مع المملكة العربية السعودية؛ وتحول المشير عاصم منير إلى شخصية محورية حظيت بدعم صريح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب “حملة النصر” المنسقة بعد عملية “سيندور” في مايو 2025. ورغم هذا البريق الخارجي والتقاط الصور التذكارية في البيت الأبيض، إلا أن الواقع على الأرض يعكس عجزاً مقلقاً في إدارة الأزمات الأمنية الداخلية.
تصدر مؤشر الإرهاب العالمي
وفق مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، تصدرت باكستان لأول مرة قائمة الدول الأكثر تضرراً من العمليات الإرهابية في العالم، بعد أن كانت ضمن العشرة الأوائل لسنوات طويلة. وتكشف البيانات أن إقليمي “خيبر بختونخوا” و”بلوشستان” باتا بؤرتين ساخنتين، حيث استحوذا وحدهما على 74% من إجمالي الهجمات و67% من الوفيات. وتستعرض الجماعات المسلحة، مثل حركة “طالبان باكستان” (TTP) وجيش تحرير بلوشستان (BLA)، قوة متزايدة وتكتيكات متطورة أربكت حسابات الجيش الباكستاني.

وفي الوقت الذي كانت فيه القوات الباكستانية تُنقل جواً لحماية منشآت حلفاء خارجيين، كانت عناصر حركة “طالبان باكستان” تشن هجمات جريئة على الثكنات العسكرية ونقاط التفتيش في الداخل. هذا التناقض الصارخ يعكس خسارة الجيش للأراضي والنفوذ محلياً لصالح جماعات مسلحة تنامت قوتها بشكل ملحوظ منذ اندلاع الصراع الأمريكي الإيراني في فبراير 2026، مما أدى إلى تكثيف العمليات الإرهابية على طول الحدود الأفغانية.
اتساع رقعة الاستهداف
ولم تقتصر العمليات الإرهابية على المناطق الحدودية النائية، بل ضربت في عمق المراكز الحيوية والعاصمة إسلام آباد؛ ففي فبراير 2026، استهدف تفجير انتحاري دامي مسجداً شيعياً في العاصمة أسفر عن مقتل 31 مصلّياً، في عملية نُسبت لتنظيم “داعش-خراسان”. وعلى الجانب الآخر، نفذ “جيش تحرير بلوشستان” هجمات منسقة شملت تسعة مناطق، مستهدفاً مراكز شرطة ومنشآت أمنية في كويتا وميناء غوادر الإستراتيجي، بل وتعدى ذلك إلى نصب كمين لدورية تابعة لخفر السواحل، في أول سابقة من نوعها لاستهداف قطع بحرية باكستانية.
وتصاعدت حدة المواجهات خلال شهري مارس وأبريل، حيث تكبدت قوات الأمن خسائر فادحة جراء الكمائن والسيارات المفخخة. وكان أبرزها تفجير مركز شرطة في منطقة “فاتح خيل” والذي أودى بحياة أكثر من 20 ضابطاً، مما أظهر بوضوح أن الجماعات المسلحة باتت تمتلك تكتيكات هجومية متقدمة تفوق القدرات الدفاعية الحالية للشرطة المحلية والجيش.
مايو الأسود
شهد شهر مايو 2026 ذروة التصعيد الإرهابي؛ ففي السابع من مايو، قُتل ستة أشخاص بينهم أطفال إثر سقوط قذائف هاون على سوق في منطقة “هانغو”. وتلا ذلك في العاشر من مايو هجوم عنيف في “فاتح خيل” ببنون، حيث اقتحم انتحاري بسيارة مفخخة حاجزاً أمنياً، وتبعه هجوم بالأسلحة النارية واستخدام طائرات مسيرة صغيرة (Drones)، مما أسفر عن مقتل 15 شرطياً وإصابة آخرين.
حصاد نصف شهر من المواجهات
5 هجمات كبرى أسفرت عن سقوط أكثر من 50 قتيلاً بين مدنيين وعسكريين، مما يضع الإستراتيجية الأمنية للمشير عاصم منير على المحك.
ولم تتوقف سلسلة الدماء؛ ففي 12 مايو استهدف انتحاري يقود مركبة ثلاثية العجلات نقطة تفتيش للمرور في خيبر بختونخوا مودياً بحياة 9 أشخاص. وختاماً، شهد يوم 14 مايو مواجهات ضارية في بلوشستان إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت رتلاً لقوات حرس الحدود “الفرنتير كور”، مما أسفر عن مقتل خمسة جنود وسبعة مسلحين. تضع هذه التطورات الدامية القيادة الباكستانية أمام تساؤل حرج: هل ينجح البريق الدبلوماسي الدولي في حجب حقيقة النزيف الداخلي المستمر؟
بين التمدد الخارجي والانهيار الأمني الداخلي
أمام هذا الشرخ الواضح بين النجاح الدبلوماسي والتدهور الأمني، يقف مستقبل باكستان في عام 2026 أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة تُحدد مسار البلاد: السيناريو الأول: “المعادلة الصفرية” واستمرار النزيف إذ يرجح هذا المسار استمرار القيادة العسكرية في إعطاء الأولوية للملفات الخارجية وحصد المكاسب السياسية والدعم المالي من القوى الكبرى (واشنطن والرياض). في المقابل، ستستغل الجماعات المسلحة (مثل TTP وBLA) هذا الانشغال لتعميق نفوذها في خيبر وبلوشستان، مما قد يحول هذه الأقاليم إلى مناطق شبه معزولة عن سيطرة الدولة الإستراتيجية.

والسيناريو الثاني هو الانكفاء الداخلي وتغيير الإستراتيجية و يتوقع هذا السيناريو أن تجبر الضغوط الشعبية المتزايدة وتصاعد خسائر الجيش (خاصة بعد أحداث مايو الدامية) المشير عاصم منير على إعادة توجيه الموارد العسكرية من الخارج إلى الداخل. قد يتضمن ذلك إطلاق عملية عسكرية شاملة ومكثفة على الحدود الأفغانية، والاستعانة بالدعم التكنولوجي الاستخباراتي الأمريكي لمواجهة التكتيكات الجديدة للمسلحين مثل الطائرات المسيرة.
أما السيناريو الثالث ففي حال عجز الجيش عن احتواء الهجمات وتأثرت المشاريع الاقتصادية الحيوية (مثل ميناء غوادر الإستراتيجي)، فقد يفرض ذلك تحولاً في الموقف الصيني أو الإيراني. هذا السيناريو قد يدفع نحو تحالف أمني إقليمي اضطراري يجمع باكستان مع جيرانها لتأمين الحدود المشتركة، وهو ما قد يقيد مرونة التحركات الدبلوماسية المستقلة التي تباهت بها إسلام آباد مؤخراً.
مآلات التحالف الإستراتيجي ومعادلة الردع الإقليمي
في ضوء الثغرات الفنية والقيود :السياسية التي كشفتها عملية “سيندور”، يقف مستقبل العلاقات العسكرية بين بكين وإسلام آباد أمام ثلاثة مسارات محتملة
- 1- تحديث المنظومات والتمسك بالخطوط الحمراء: من خلال استمرار التحالف في شكله الحالي كدعم إستراتيجي مشروط؛ حيث ستسعى بكين لمعالجة العيوب الفنية في شبكات راداراتها ودفاعاتها الجوية المُباعة لباكستان للحفاظ على سمعتها التصديرية، مع إصرارها الصارم على رفض أي “اندماج عملياتي” أو قيادة موحدة تجنباً للصدام المباشر مع نيودلهي.
- اتساع الفجوة والتحول نحو واشنطن: يتوقع هذا المسار أن تدفع إخفاقات الأسلحة الصينية القيادة العسكرية الباكستانية إلى مراجعة جزئية لخطط تسليحها، والتوجه مجدداً لتنويع مصادرها عبر مغازلة واشنطن والغرب للحصول على تكنولوجيا متطورة. هذا التحول قد يثير حفيظة بكين ويدفعها لتخفيف دعمها الدبلوماسي لإسلام آباد في المحافل الدولية.
- 3- الردع الهندي الاستباقي: يفترض هذا السيناريو نجاح الهند في استغلال الثغرات المكشوفة للأنظمة الصينية، وتسريع وتيرة تحديث بنيتها التحتية على الحدود (LAC). هذا التفوق التكنولوجي لنيودلهي قد يجبر الصين على تعزيز تواجدها المباشر على الجبهة الشمالية، متجاوزة صيغة “الوكيل الباكستاني” لإعادة فرض توازن القوى.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4531


