د. ياسين العلي ــ باحث اقتصادي ومستشار استراتيجي في إدارة التحول وتطوير الاستراتيجيات
ترتبط الصناديق السيادية تقليدياً بالدول التي راكمت فوائض مالية أو إيرادات استثنائية وتسعى إلى استثمارها وتنويعها والحفاظ على قيمتها عبر الأجيال.
غير أن الحالة السورية تفرض مقاربة مختلفة؛ فالأولوية ليست إدارة فوائض مالية متراكمة، لأنها غير موجودة أصلاً، وإنما إعادة توظيف الأصول العامة بما يسهم في بناء القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
وهذا ما التقطه، في جانب منه، المرسوم رقم 113 لعام 2025 الذي أحدث الصندوق السيادي مؤسسةً ذات طابع اقتصادي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وجعل من أهدافه «تحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية»، وفق النص المنشور رسمياً عن رئاسة الجمهورية ووكالة سانا. فالسؤال إذن ليس كيف نستثمر الفائض، بل كيف نحوّل الأصل المعطّل إلى قدرة.
تمتلك الدولة أراضي وعقارات ومؤسسات وحقوقاً وموارد لا تتحدد قيمتها الاقتصادية بما تسجله الدفاتر أو تقدره السوق فقط، بل بما تستطيع توليده من استثمار وإنتاج ودخل وفرص عمل. فأرض بور في موقع استراتيجي قد تتحول، إذا وُظّفت في شراكة سليمة، إلى نشاط اقتصادي يفوق قيمتها الاسمية أضعافاً. لذلك لا ينبغي أن يصبح الصندوق سجلاً عقارياً جديداً لأملاك الدولة، بل أداة لتحويل الأصل العام إلى رافعة استثمارية.
ولا يعني ذلك إخضاع جميع الأصول العامة لمنطق الاستثمار؛ فبعضها يؤدي وظائف اجتماعية أو استراتيجية تتجاوز عائدها المالي.
كما لا ينبغي نقل أصل إلى الصندوق لمجرد قابليته للاستثمار، بل عندما تستطيع الإدارة المتخصصة توليد قيمة أعلى من تلك التي يحققها في وضعه الحالي. ويبدأ ذلك قبل الاستثمار نفسه من تقييم الأصل: بأي قيمة انتقل؟ ومن قيّمه؟ وبأي منهج؟ لأن التقييم غير المهني أو غير الشفاف قد ينقل جزءاً من القيمة الاقتصادية للأصل العام إلى الشريك الخاص قبل أن يبدأ المشروع.
ومن ثم يجب أن يكون التقييم المستقل ومنهجيته والمراجعة عند الصفقات الجوهرية جزءاً من حماية المال العام.
ويمكن للدولة أن توظف الأراضي وحقوق الانتفاع والبنية الأساسية ضمن شراكات تستقطب رأس المال والخبرة والتكنولوجيا من دون أن تتحمل المالية العامة كامل تكلفة الاستثمار.
فبدلاً من بيع الأرض لتمويل الإنفاق الجاري بما يشبه استهلاك رأس المال يمكن الإسهام بها في مشروع يمول الشريك بناءه وتشغيله، فتبقى ملكية الأصل عامة ويتحول من بند جامد إلى أصل يولّد قيمة.
وهنا يمكن النظر إلى أثر الرفع الاقتصادي للأصل العام؛ أي مقدار الاستثمار والقيمة المضافة التي يستطيع الصندوق توليدها حول الأصل الذي يوظفه.
فإذا أسهم بأصل قيمته مئة واستقطب من خلاله استثماراً إضافياً بثلاثمئة، فلا يقاس نجاحه بالمئة التي أصبحت في ميزانيته فحسب، بل بالثلاثمئة التي استطاع تعبئتها وما يولده مجموع الاستثمار لاحقاً من نشاط اقتصادي. والمقصود ليس إنشاء معامل حسابي يخلط بين قيم الأصول والتدفقات السنوية، بل قياس قدرة الأصل العام على جذب رأس مال إضافي وبناء قدرة اقتصادية حوله.
لكن الرفع الاستثماري وحده لا يكفي.
ففي اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء قاعدته الإنتاجية، ينبغي أن يقترن العائد المالي بتوسيع المشاركة في الإنتاج والعمل والاستثمار.
فقد يحقق مشروع كبير أرباحاً مرتفعة من دون توسيع قاعدة المشاركين، بينما تستطيع منطقة صناعية أو زراعية تستوعب مئات المشروعات الصغيرة والمتوسطة أن تحقق أثراً أعمق في التشغيل والإنتاج. لذلك يمكن توظيف بعض الأراضي العامة في استثمارات مرتفعة العائد، وبعضها الآخر في مناطق إنتاجية أو مشروعات تنموية تخفض كلفة الأرض والبنية الأساسية على المنتجين، من دون أن يتحول الصندوق إلى بديل من الوزارات والمؤسسات القطاعية.
ويبرز هنا أيضاً سؤال التنسيق المؤسسي؛ فإلى جانب الصندوق السيادي أُحدث صندوق التنمية السوري بالمرسوم رقم 112 لعام 2025، بوصفه مؤسسة اقتصادية مرتبطة برئاسة الجمهورية وتضطلع باختصاصات تتصل بإعادة الإعمار والبنية التحتية وتمويل المشروعات، وفق المصادر الرسمية لصندوق التنمية السوري. ومن دون حدود وظيفية واضحة تحدد من يملك الأصل، ومن يموّل المشروع، ومن يدير الشراكة ويتحمل مخاطرها، قد يتحول التكامل بين المؤسستين إلى ازدواج في المهام والصلاحيات.
كما ينبغي ألا يختزل تقييم استثمارات الصندوق في الربح وحده.
فهناك عائد مالي يضمن استدامة الاستثمار، وأثر تنموي يقاس بالتشغيل والقيمة المضافة وتوسيع قاعدة المشروعات، وأثر استراتيجي قد يظهر في تخفيض الاستيراد، أو تعزيز الأمن الغذائي والطاقة، أو نقل التكنولوجيا وبناء القدرات الصناعية وسلاسل التوريد المحلية.
ولا يعني الاعتراف بالعائد الاستراتيجي تبرير الاستثمار الخاسر، بل بناء معايير منفصلة تمنع استخدام هدف لإخفاء ضعف آخر.
فما لا يُقاس بمعيار واضح يصعب إخضاعه للمساءلة.
غير أن اتساع الأصول والصلاحيات الاستثمارية وإمكانات الاقتراض داخل مؤسسة واحدة يرفع، بالمقابل، متطلبات الحوكمة.
وتبدأ الحوكمة من الفصل بين الملكية والإشراف والإدارة الاستثمارية والتدقيق، لا من الإفصاح وحده.
فالمرسوم رقم 113 يربط الصندوق برئاسة الجمهورية، وينظم تقاريره الدورية والتدقيق المالي عبر أجهزة مستقلة عنه، وهو ما يمنحه مرونة تشغيلية، لكنه يجعل التدقيق الخارجي المستقل والإفصاح العام ومعايير اختيار الإدارة والخبراء ضمانات ضرورية لموازنة اتساع الصلاحيات.
وتقدم تجربة 1MDB الماليزية تحذيراً واضحاً. فالمؤسسة التي أُنشئت بأهداف استثمارية وتنموية تحولت إلى واحدة من أكبر فضائح المال العام؛ إذ توثق وزارة العدل الأميركية اختلاس أكثر من 4.5 مليار دولار من أموالها بين 2009 و2015 عبر شبكة دولية من الاختلاس وغسل الأموال، فيما أعادت الوزارة نحو 1.4 مليار دولار إلى ماليزيا حتى حزيران/يونيو 2024. والدرس هنا ليس في تفاصيل الفضيحة، بل في أن اتساع قدرة المؤسسة العامة على الاقتراض والاستثمار وعقد الصفقات من دون رقابة ومساءلة موازيتين يمكن أن يحول أداة التنمية إلى مصدر للمخاطر المالية والسيادية.
لكن ماليزيا ليست دليلاً على خطورة الاستثمار الحكومي بذاته؛ فسنغافورة تقدم نموذجاً مقابلاً. فـ«تيماسيك» مملوكة بالكامل لوزارة المالية السنغافورية، لكنها، وفق إطار الحوكمة الذي تنشره المؤسسة رسمياً، لا تتلقى من الحكومة أو الرئيس توجيهات في قراراتها الاستثمارية والتجارية، باستثناء الصلاحيات الدستورية المتعلقة بحماية الاحتياطيات السابقة.
ويتولى مجلس الإدارة مسؤوليات محددة في الاستراتيجية والمخاطر والاستثمارات الكبرى، فيما تُفوّض الإدارة اليومية إلى الإدارة التنفيذية وتعمل لجنة تدقيق مستقلة عن الإدارة على مراجعة الرقابة والتقارير والتدقيق الخارجي.
ولا تختزل المقارنة بين 1MDB و«تيماسيك» في نجاح مؤسسة وفشل أخرى، ولا يمكن ردّ الفارق إلى عامل واحد؛ فالبيئة القانونية والحوكمة وإدارة المخاطر ووضوح المسؤوليات والمساءلة جميعها مؤثرة. لكنها تكشف مبدأ أساسياً: قوة الأداة الاستثمارية الحكومية تصبح ميزة حين تقابلها قوة مؤسسية تضبطها، وتتحول إلى مصدر خطر حين تتسع صلاحياتها أسرع من منظومة الرقابة عليها.
وهذا هو الدرس الأكثر صلة بسورية؛ فلا يكفي بناء صندوق قوي، بل ينبغي بالتوازي بناء المؤسسة القادرة على مراقبة هذه القوة.
فجودة المؤسسة التي تدير المال العام لا تقل أهمية عن حجم المال والأصول التي تديرها.
ولهذا ينبغي أن تقوم الشفافية على إفصاح منتظم قابل للتحقق والمقارنة، يشمل الأصول والاستثمارات والنتائج والديون والالتزامات والصفقات الجوهرية والأطراف ذات العلاقة، إلى جانب قوائم مالية مدققة خارجياً.
وهو اتجاه يتسق مع مبادئ سانتياغو الأربعة والعشرين الصادرة عن المنتدى الدولي للصناديق السيادية، التي تشكل إطاراً مرجعياً طوعياً للحوكمة والمساءلة والشفافية والممارسات الاستثمارية وإدارة المخاطر. ولا تتعارض هذه الشفافية مع السرية التجارية أثناء التفاوض؛ فما تقتضي المفاوضات حمايته مؤقتاً لا ينبغي أن يتحول إلى سرية دائمة تحجب كيفية إدارة المال العام.
كما يجب ألا يتحول الصندوق إلى مالية موازية تُنقل إليها الأصول والالتزامات أو عمليات الاقتراض بعيداً عن منظومة المالية العامة والرقابة.
فالاستقلال التشغيلي مطلوب لإدارة الاستثمار، أما الاستقلال عن المساءلة على المال العام فليس كذلك.
إن محدودية الموارد المالية السائلة في سورية لا تعني بالضرورة محدودية القدرة الاستثمارية.

فالدولة تمتلك أصولاً وموارد وموقعاً جغرافياً وحقوقاً اقتصادية يمكن تحويلها إلى روافع لجذب رأس المال وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
لكن الأصل لا يتحول إلى قدرة بمجرد نقله إلى ميزانية الصندوق؛ بل بتقييم مستقل، ومعايير معلنة لاختيار الأصول، وشراكات تنافسية، وإدارة تُختار بالكفاءة وتُساءل بالنتائج، ونظام إفصاح يجعل القيمة العامة المتولدة قابلة للقياس والتحقق.
وعليه، فإن القيمة الاستراتيجية للصندوق السيادي السوري لن تتحدد بحجم الأصول التي تنتقل إليه، وإنما بقدرته على تحويل الأصول المناسبة إلى إنتاج وقيمة مضافة، ضمن منظومة توازن بين الكفاءة الاستثمارية والأثر التنموي والعائد الاستراتيجي، وتحمي المال العام بالحوكمة والمساءلة.
وتملك سورية، رغم صعوبة المرحلة، قاعدة واسعة من الأصول العامة وخبرات وطنية وفرصة لتأسيس هذه المؤسسة على قواعد سليمة منذ بدايتها بدلاً من محاولة إصلاحها بعد ترسخ ممارساتها.
فالمعيار الحقيقي لنجاح الصندوق ليس حجم الاقتصاد الذي يديره داخل ميزانيته، بل حجم القدرة الاقتصادية التي يستطيع بناءها خارجها.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5613

