الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

الهند بين واشنطن وبكين.. استقلال استراتيجي يصطدم بحسابات الاقتصاد

تتحرك الهند بين مسارين متوازيين في علاقتها مع الصين...

ماذا بعد أمريكا؟.. فخ الفراغ الوهمي في الشرق الأوسط

كتب ـــ ليون حدّار في  مجلة ناشيونال إنتريستمع انتهاء...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةالصين تضرب أمريكا من الداخل.. حرب خفية على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي

الصين تضرب أمريكا من الداخل.. حرب خفية على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي

ترجمات| إدوارد أوين ـــ ناشيونال إنترست

بينما تخوض أمريكا والصين سباقًا متسارعًا للهيمنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الصراع مقتصرًا على تطوير النماذج الذكية أو صناعة الرقائق، بل امتد إلى البنية التحتية التي تقوم عليها هذه التكنولوجيا من الأساس. وفي قلب هذه المعركة تبرز مراكز البيانات الأمريكية، التي أصبحت هدفًا لانتقادات سياسية وبيئية متزايدة، بالتزامن مع اتهامات لبكين باستغلال هذه المعارضة لإبطاء توسع البنية التحتية الأميركية للذكاء الاصطناعي.

وتقوم الفكرة الأساسية على أن قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تقدمها في الذكاء الاصطناعي تعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على بناء مراكز بيانات ضخمة قادرة على تشغيل النماذج الحوسبية المتقدمة. وفي المقابل، تدفع الصين بقوة لتوسيع بنيتها التكنولوجية ومراكز بياناتها، ما يجعل أي تباطؤ أميركي فرصة لبكين لتقليص الفجوة وتعزيز موقعها في السباق العالمي.

العمود الفقري لسباق الذكاء الاصطناعي

أصبحت مراكز البيانات عنصرًا أساسيًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة، نظرًا إلى احتياج هذه الأنظمة إلى كميات هائلة من القدرة الحوسبية والطاقة والبنية التحتية الرقمية.

ولهذا، فإن سرعة بناء مراكز البيانات لا ترتبط فقط بتوسع شركات التكنولوجيا، وإنما أصبحت قضية اقتصادية وأمنية واستراتيجية، خصوصًا مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد أهم مجالات المنافسة بين واشنطن وبكين.

ويرى مؤيدو التوسع الأمريكي أن قدرة البلاد على توفير البنية التحتية الحوسبية بسرعة تمثل أحد عناصر التفوق الذي ما زالت تتمتع به الولايات المتحدة في هذا المجال. بينما يمكن أن يؤدي إبطاء المشروعات أو تعطيلها إلى منح المنافسين وقتًا إضافيًا للحاق بالركب.

بكين تستفيد من الجدل الأمريكي الداخلي

تستفيد جهات مرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني من تنامي المعارضة الأمريكية لمشروعات مراكز البيانات، عبر دعم رسائل تركز على الاستهلاك المرتفع للطاقة، والتأثير البيئي، وارتفاع تكلفة الخدمات، والمخاوف المتعلقة بآثار الذكاء الاصطناعي على المجتمع.

ولا يعني ذلك أن جميع الاعتراضات الأمريكية على مراكز البيانات ناتجة عن تدخل خارجي، فهناك بالفعل نقاش داخلي واسع حول استهلاك المياه والطاقة والضغط على شبكات الكهرباء واستخدام الأراضي. لكن القلق الذي تطرحه المادة يتمثل في احتمال قيام جهات مرتبطة ببكين بتضخيم هذه الاعتراضات أو توظيفها لتحقيق أهداف استراتيجية.

وتكمن أهمية هذا الأسلوب في أنه لا يحتاج إلى مهاجمة التكنولوجيا الأمريكية بصورة مباشرة، وإنما يمكنه استغلال خلافات محلية موجودة أصلًا لتحويلها إلى عقبات أمام التوسع.

دعوات للحد من الذكاء الاصطناعي تثير الشكوك

برزت هذه المخاوف بصورة خاصة في أبريل، عندما شارك أكاديميان صينيان لهما صلات بمؤسسات حكومية صينية في جلسة بالكونجرس الأمريكي، بدعوة من السيناتور بيرني ساندرز، للحديث عن ضرورة اعتماد نهج أكثر أمانًا تجاه الذكاء الاصطناعي.

وتزامنت هذه الدعوات مع مطالب سياسية داخل الولايات المتحدة بتأجيل أو الحد من التوسع في إنشاء مراكز البيانات، استنادًا إلى مخاوف بشأن التأثيرات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للذكاء الاصطناعي.

وتثير هذه المشاركة جدلًا لأن الصين في الوقت نفسه تواصل ضخ استثمارات كبيرة في تطوير الذكاء الاصطناعي وتوسيع بنيتها الحوسبية، ما يطرح تساؤلات بشأن الفارق بين الخطاب الداعي إلى ضبط النمو في الولايات المتحدة والسياسات الصينية التي تدفع باتجاه التوسع السريع.

التمويل والدعاية.. وجه آخر للصراع

لا تقتصر الاتهامات على النشاط السياسي المباشر، إذ أشارت دراسة نشرها معهد Bitcoin Policy Institute إلى وجود أموال مرتبطة بمصالح مالية ذات صلات بالصين ساهمت في تمويل حملات مناهضة لمراكز البيانات تحت عناوين تتعلق بحماية البيئة.

وتبرز في هذا السياق مؤسسات وحملات مناهضة للتوسع التكنولوجي، تتهمها جهات أميركية بأنها أصبحت جزءًا من بيئة أوسع يمكن لبكين التأثير فيها بصورة غير مباشرة.

كما ارتبط اسم رجل الأعمال الملياردير نيفيل روي سينغهام بهذه الشبكات، في ظل تقارير تحدثت عن علاقاته بمؤسسات صينية وتواجده في شنغهاي، وارتباطه بمجموعات سياسية وأيديولوجية أميركية.

وتعكس هذه القضية تحول أدوات المنافسة بين الدول من التجسس التقليدي والعمليات السيبرانية إلى معركة أكثر تعقيدًا داخل المجتمع المدني، حيث تصبح التأثيرات المحلية والسياسية والإعلامية جزءًا من المنافسة التكنولوجية.

الذكاء الاصطناعي يدخل حرب المعلومات

ظهر أحد الأمثلة الأكثر وضوحًا على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في حملات التأثير خلال يوليو، عندما أفادت تقارير بأن جهات صينية استخدمت شات جي بي تي لإنتاج رسوم كرتونية تصور أصحاب مراكز البيانات في الولايات المتحدة باعتبارهم أثرياء يستغلون السكان المحليين ويرفعون الأسعار.

وبحسب التقارير، حاول منتجو هذه المواد تقديمها بطريقة توحي بأنها منشورة في وسيلة إعلام محلية أميركية، بهدف زيادة مصداقيتها لدى الجمهور المستهدف.

ويكشف هذا الأسلوب عن تحول مهم في طبيعة الدعاية الرقمية؛ فبدل نشر رسائل سياسية مباشرة موجهة إلى الجمهور الأميركي، يمكن تصنيع محتوى يبدو محليًا ومستقلًا، لكنه يحمل رواية تخدم أهدافًا جيوسياسية أوسع.

كما أن استهداف الجمهور على مستوى الولايات والبلديات يجعل اكتشاف المصدر الخارجي أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تختلط الرسائل الأجنبية بالمخاوف والمطالب المحلية الحقيقية.

 الصين تستهدف مراكز البيانات الأمريكية

يرتبط السبب الرئيسي بأهمية مراكز البيانات في المنافسة على الذكاء الاصطناعي؛ فإذا تمكنت الولايات المتحدة من بناء قدرات حوسبية ضخمة بوتيرة سريعة، فإن شركاتها ستتمكن من تدريب وتشغيل نماذج أكبر، وتطوير تطبيقات أكثر تقدمًا، والحفاظ على تفوقها في قطاعات اقتصادية وعسكرية وأمنية.

الذكاء الاصطناعي

أما إذا تباطأت عمليات البناء بسبب الرفض المحلي أو القيود التنظيمية أو صعوبة الحصول على الطاقة، فقد تتسع مساحة المنافسة أمام الصين.

وتعرف بكين أن الولايات المتحدة تمتلك مزايا كبيرة في شركات التكنولوجيا ورأس المال وأشباه الموصلات والجامعات والأبحاث، ولذلك يمكن أن يكون تعطيل أحد عناصر منظومة التفوق أكثر واقعية من محاولة تجاوز جميع عناصرها دفعة واحدة.

الصين تسرّع بناء بنيتها التكنولوجية

المفارقة التي تركز عليها المادة تتمثل في أن الصين لا تتبع النهج ذاته داخليًا؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه في الولايات المتحدة احتجاجات مرتبطة بالطاقة والبيئة وتأثير مراكز البيانات، تستمر بكين في دعم توسعها التكنولوجي وتوفير حوافز لتطوير البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وهذا الفارق يعكس اختلافًا في المقاربة الاستراتيجية؛ إذ تتعامل الصين مع البنية التحتية الحوسبية بوصفها أصلًا استراتيجيًا طويل الأجل، يمكن أن يؤثر في الاقتصاد والصناعة والدفاع والأمن القومي.

ومن هنا، يرى منتقدو الحملات المناهضة لمراكز البيانات أن واشنطن بحاجة إلى التمييز بين الاحتجاج المدني الطبيعي وبين محاولات التأثير الخارجي التي قد تستغل هذه القضايا لتحقيق مكاسب تنافسية للصين.

سباق لا يقتصر على التكنولوجيا

لا يتعلق التنافس الأمريكي الصيني فقط بمن يمتلك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي، بل بمن يمتلك المنظومة الكاملة التي تسمح ببناء هذه النماذج وتوسيع استخدامها.

وتشمل هذه المنظومة مراكز البيانات، والطاقة، والرقائق المتقدمة، والشبكات، والمهارات البشرية، والاستثمارات، وسلاسل الإمداد.

ولهذا، فإن تعطيل أي عنصر من هذه العناصر يمكن أن يؤثر في قدرة الدولة على الحفاظ على زخمها التكنولوجي.

وتحذر الرؤية المطروحة من أن التأخر الأميركي في توسيع قدراته الحوسبية قد لا تكون آثاره اقتصادية فقط، بل قد يمتد إلى الأمن السيبراني والدفاع والتنافس الصناعي، خصوصًا إذا تمكنت الصين من ترسيخ تقنياتها وجعلها معيارًا عالميًا في دول ثالثة.

معركة جديدة داخل الولايات المتحدة

مع اتساع النقاش بشأن مراكز البيانات، تواجه السلطات الأميركية تحديًا مزدوجًا: الاستمرار في دعم التوسع المطلوب للحفاظ على القدرة التنافسية، وفي الوقت نفسه التعامل مع المخاوف المحلية المتعلقة بالطاقة والبيئة والتخطيط الحضري.

ولا يعني ذلك تجاهل الاعتراضات الداخلية أو اعتبارها جميعًا جزءًا من نشاط أجنبي، بل يتطلب تطوير آليات أكثر دقة لفصل القضايا المحلية المشروعة عن حملات التأثير الخارجي.

كما يضع ذلك الولايات والحكومات المحلية أمام دور متزايد في المنافسة التكنولوجية العالمية، بعدما أصبحت قرارات التخطيط العمراني والطاقة والمياه والموافقات التنظيمية مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة الولايات المتحدة على بناء البنية التحتية التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي.

ومع انتقال التنافس الأمريكي الصيني إلى هذا المستوى، لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي تدور فقط داخل مختبرات التكنولوجيا، وإنما أصبحت حاضرة أيضًا في المجالس المحلية، والنقاشات البيئية، وحملات الضغط، ووسائل الإعلام، ومساحات التأثير داخل المجتمع الأمريكي.

مقالات ذات صلة