الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

معركة صامتة تحت هرمز.. مسيرات وغواصات في مرمى نيران إيران

تفتح واقعة إعلان الحرس الثوري الإيراني احتجاز مسيرة أمريكية...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

قراءة في صندوق الاقتراع البلطيقي.. صراع السيادة والاقتصاد على حدود الناتو الشرقية

زياد حيده ــ محلل سياسي ومتخصص في العلاقات الدوليةتُشكل...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةالصراع الصيني الأمريكي من تغيير النظام الدولي إلى انقلاب الدورة الحضارية

الصراع الصيني الأمريكي من تغيير النظام الدولي إلى انقلاب الدورة الحضارية

د. ياسر القاضي ـــ باحث وكاتب مصري 

تدرك مراكز الدراسات أو “Think Tanks” في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها أن انهيار الإمبراطوريات الكبرى كان يأتي دائماً بسبب التوسع العسكري غير المخطط؛ وهو التوسع الذي ينتج عنه في النهاية انهيار الإمبراطوريات في الوقت الذي يكون فيه المنافسون مشغولين بتنمية أنفسهم دون أثمان أحلام التوسع العسكري المفرط.

ويبدو أن هذا المسار المفخخ هو مآل الأحداث في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الرئيس السابع والأربعين)، الذي أتى إلى السلطة في لحظة تاريخية وحضارية فارقة. وقد كان برنامجه الانتخابي يعكس وعياً استثنائياً بخطورة اللحظة والظرف التاريخي، وبخاصة أن أهم داعميه هي حركة “ماجا” (MAGA)، التي تشكلت بشعارات وخطط تتهيأ لمواجهة اللحظة التاريخية. وبنجاح الرجل مع هذا الدعم الهائل، كانت سنته الأولى تمثل خطة تبدو في ظاهرها موجهة للسيطرة على نمو “التنين الصيني” قبل أن يخرج عن السيطرة ويتجاوز الجميع تحت شعار “أمريكا أولاً”، مدعياً أنه سوف يوقف كل الصراعات ويوقف كل الحروب، ويدفع ويتفرغ لكي يحافظ على الصدارة الأمريكية للعالم عسكرياً واقتصادياً، ولتظل أمريكا هي الأولى على العالم وتستمر في الحفاظ على صدارة الحضارة الإنسانية التي تربعت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لكنه انزلق بتحريض إسرائيلي للدخول في مستنقع إيران، الذي بدا أنه سيكون المستنقع الأخير الذي ينهك العملاق الأمريكي في صراع يستهلك فيه إمكانياته، في الوقت الذي يعكف فيه منافسوه — وعلى رأسهم الصين التي تتهيأ للصعود المنتظم عبر العقود الماضية — دون صراعات ودون أن تتكلف دولاراً واحداً في هذه الصراعات التي تخوضها أمريكا الآن.

هذا الانزلاق استدعى ترامب لكي يترك نظريته ويترك “ماجا” التي أوصلته للرئاسة ويترك كل هذه الشعارات، والانخراط في المستنقع الإيراني؛ حيث خدعته إسرائيل بأنه سيكون بضعة أيام ثم ينفض الأمر ويسقط النظام وتسيطر أمريكا على بترول الشرق الأوسط وعلى الحركة فيه، لكن هذا لم يحدث. واتضح أن ما تستهدفه القوى الأخرى المنافسة (وعلى رأسها الصين وروسيا) هو استدراج العملاق الأمريكي ليتورط في المستنقع الشرق أوسطي، وتبدأ السيناريو التقليدي لأنهيار القوى العظمى عبر الانخراط في صراعات تستنزف طاقاتها.

الصعود والهبوط في النظام الدولي

والغريب هذه المرة أو المختلف هذه المرة، هو أن الصعود والهبوط في النظام الدولي كان يحدث كل بضعة عقود داخل إطار واحد؛ بمعنى أنه قبل صعود أمريكا كانت إنجلترا هي العملاق المتربع على العالم قبل انهيارها لكي تحتل أمريكا مكانها في قيادة الغرب المتداعي للحضارة، وقبل أمريكا كان الفرنسيون، وقبل الفرنسيين كان الإسبان، ثم الهولنديون، ثم البرتغاليون، لكن كل هذه القيادات كانت في النهاية غربية خالصة تقود العالم منذ قرابة 700 عام.

ولنا هنا أن نستدعي رؤية أستاذنا الدكتور حسن حنفي التي طرحها منذ عام 1993؛ حيث كان يرى أن الدورة الحضارية التي تدور في العالم تقوم على تقسيم التاريخ إلى وحدات كل منها 700 عام تقريباً، بمعنى أنها كل 700 عام تتغير مراكز قيادة الحضارة الإنسانية؛ فبدءاً من أنها كانت لدى الغرب في أيام الدولة البيزنطية، ثم تحولت إلى الدولة الإسلامية بدءاً من القرن السابع الميلادي تقريباً، ثم بدءاً من القرن الرابع عشر انتقلت قيادة الحضارة الإنسانية إلى الغرب ثانية مع عصر النهضة واستمرت لقرابة 700 عام تقريباً.

الآن، وكما كان يتنبأ الدكتور حسن حنفي، فإن الدورة الحضارية تؤذن بتحول آخر. كان المثقفون يتعجبون جداً من فكرة حسن حنفي ويرونها نظرية ليس عليها دليل؛ لأنه كل 700 عام فإن الأجيال لن تشاهد هذا، ولا يمكن لأي جيل أن يرى هذا في حدود ما يستطيع متابعته.

لكن الذي يبدو مختلفاً الآن أن التحول يحدث بانخراط قوى من الشرق؛ قوى خارج إطار مفهوم الغرب التقليدي الذي كان يمثل أوروبا وامتدادها الطبيعي في أمريكا الشمالية، وتحديداً عبر صعود الصين.

لأول مرة منذ 700 عام

صعود الصين يعني أن هناك تحولاً حضارياً هاماً سوف يحدث؛ لأن الصين قريباً جداً سوف تكون — وربما يكون قد بدأ ذلك بالفعل — مشاركة في قيادة حضارة العالم لأول مرة منذ 700 عام. تشارك في قيادة حضارة العالم كتلة من الشرق أو قوة شرقية تصعد، ليس بالضرورة لأنها ضدنا، ولكن أيضاً يمكن للدول العربية والإسلامية أن تستفيد من هذا التحول وأن تبني نظريتها في ذلك، وأن تبني طبيعة علاقتها ووجودها ومكانتها في العالم الجديد.

هذا الصعود لا يعني أن الصين ستكون وحدها، ولا يعني أن أمريكا ستكون وحدها، ولكن سوف يكون هناك تعدد أقطاب واضح. الجديد في هذا التعدد هو أن كتلة شرقية كبيرة تشارك في قيادة الحضارة الإنسانية.

فالذي ثبت عبر التاريخ أن الـ 700 عام الأخيرة حتى الصراع بين الفرنسيين والأنجليز هو صراع غربي-غربي، والصراع بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا هو صراع غربي-غربي؛ لأن الاشتراكية والرأسمالية هما ابنتا الحضارة الغربية أيضاً.

هذا التحول ينبغي أن ينظر له العالم العربي والعالم الإسلامي بطريقة مختلفة لكي يصنع لنفسه مكاناً على الخريطة الجديدة التي تتشكل، بدلاً من الاكتفاء بالموقع القديم أو الارتهان لموقع التابع، ولأننا قد نتعرض لمخاطر كبيرة من هذا التحول، ولفرص كبيرة أيضاً.

هذا ليس دعوة للتفاؤل المجاني بالصعود الصيني أو بالهبوط الأمريكي الغربي، بل هو دعوة للدراسة وللعمل لوضع رؤى استراتيجية جديدة تحسن التوقع والتخطيط وتضع سيناريوهات المستقبل، وتصنع مكاناً مناسباً لبلادنا ولأمتنا على الخريطة الجديدة للعالم؛ لكي نكون أول الرابحين في تحولات الخرائط والقوى، ولأن حسابات مراكز القوى في العالم التي استقرت خلال الثمانين عاماً الماضية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بقيادة أمريكية قد تتعدل تعديلات جذرية.

مقالات ذات صلة