لم تعد الأزمة الأخيرة بين العراق والسعودية مجرد مواجهة أمنية مرتبطة بهجمات بطائرات مسيّرة أو رد عسكري محدود، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها واحتكار قرار الحرب والسلم. فالتصعيد الذي بدأ باستهداف منشآت نفطية سعودية، وانتهى بضربات سعودية أمريكية داخل الأراضي العراقية، كشف حجم التعقيدات التي تحيط بعلاقة بغداد مع محيطها العربي، وأعاد تسليط الضوء على تأثير الفصائل المسلحة في رسم السياسة الخارجية العراقية.
كما وضع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام تحدٍ صعب يتمثل في تحقيق التوازن بين التزاماتها الإقليمية والضغوط الداخلية، وسط انقسام سياسي حاد وتصاعد التوتر بين القوى المرتبطة بإيران والداعين إلى إعادة العراق إلى محيطه العربي.
الأزمة تجاوزت البعد العسكري
رغم أن الشرارة الأولى جاءت بعد إعلان السعودية اعتراض طائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية، فإن التطورات اللاحقة أظهرت أن القضية تتعلق بمكانة الدولة العراقية أكثر من كونها أزمة أمنية عابرة.
فالرياض لم تكتف بإعلان مسؤولية فصائل عراقية مرتبطة بإيران عن الهجمات، بل اعتبرت أن استمرار استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف دول الجوار يمثل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، وهو ما استدعى، بحسب الرواية السعودية، الرد العسكري بالتنسيق مع الولايات المتحدة، هذا التحول نقل الأزمة من ملف أمني إلى سؤال سياسي كبير يتعلق بقدرة الحكومة العراقية على السيطرة على أراضيها ومنع الفاعلين غير الرسميين من اتخاذ قرارات قد تقود البلاد إلى مواجهة إقليمية واسعة.
تعليق زيارة الزيدي
جاءت الضربات قبل أيام فقط من زيارة كانت مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى السعودية، وهو ما منح الأزمة بعداً دبلوماسياً إضافياً.
فالزيارة كانت تمثل محطة مهمة ضمن جولة خارجية شملت الولايات المتحدة وقطر وإيران وتركيا، وهدفت إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية والسياسية للعراق؛ لكن تعليق الزيارة بعد الضربات عكس حجم التأثير الذي أحدثته الأزمة، وأظهر أن الملفات الأمنية أصبحت تتقدم على أي أجندة اقتصادية أو سياسية بين البلدين، كما اعتبر كثير من المراقبين أن الرسالة السعودية تمثلت في أن أي تعاون مستقبلي يتطلب أولاً معالجة ملف الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية، وضمان عدم تكرارها.
رسم سياسة العراق الخارجية
تكشف الأزمة أن الفصائل المسلحة لم تعد لاعباً داخلياً فقط، بل أصبحت طرفاً مؤثراً في علاقات العراق الخارجية، فالهجمات بالطائرات المسيّرة، سواء كانت بتوجيه خارجي أو بقرار مستقل، وضعت الحكومة العراقية أمام نتائج لم تكن طرفاً مباشراً فيها، لكنها اضطرت إلى تحمل تبعاتها السياسية والعسكرية.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس استمرار التحدي الذي تواجهه الحكومات العراقية المتعاقبة في احتكار استخدام القوة، وهو أحد أهم مقومات سيادة الدولة.
كما أن استمرار وجود تشكيلات مسلحة تمتلك قدرات عسكرية مستقلة يجعل أي تقارب عراقي مع الدول العربية أو الغربية معرضاً للاهتزاز في أي لحظة.
رد سعودي محسوب
حرصت السعودية على التأكيد أن ضرباتها جاءت في إطار الدفاع عن النفس، وأنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها في الوقت ذاته شددت على أنها سترد على أي اعتداء يستهدف أراضيها.
هذه الصيغة عكست محاولة لتحقيق توازن بين توجيه ضربة رادعة للفصائل المتهمة، وبين تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع العراق، كما أن تنفيذ العملية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية منحها غطاءً عسكرياً وسياسياً، ورسخ رسالة مفادها أن أمن المنشآت النفطية السعودية يمثل أولوية لا يمكن التساهل معها.
اختلاف الرؤى العراقية حول الأزمة
أبرز ما أظهرته التطورات هو الانقسام الحاد داخل الساحة السياسية العراقية؛ فالقوى المقربة من الحشد الشعبي اعتبرت الضربات انتهاكاً للسيادة، وطالبت الحكومة بردود أكثر تشدداً، بل إن بعض الفصائل دعت إلى مراجعة العلاقات مع السعودية، فيما طالبت أخرى بالرد العسكري أو استدعاء السفير السعودي.

في المقابل، برز موقف مختلف دعا إلى تجنيب العراق الانخراط في صراعات إقليمية، مع التأكيد على أن وجود السلاح خارج إطار الدولة يمنح الأطراف الخارجية مبررات للتدخل العسكري، هذا التباين يعكس استمرار الانقسام حول هوية السياسة الخارجية العراقية، وحدود العلاقة مع إيران والدول العربية.
تصريحات ترامب عقدت المشهد
ازدادت الأزمة تعقيداً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أكد أن الضربات ضد الفصائل المسلحة نُفذت بالتنسيق مع الحكومة العراقية، مع تعهده بمواصلة استهداف الجماعات المدعومة من إيران، هذه التصريحات وضعت بغداد في موقف حرج، خاصة أنها لم تصدر توضيحاً مباشراً بشأن ما إذا كان هناك بالفعل تنسيق مسبق مع واشنطن.
كما فتحت الباب أمام جدل داخلي بشأن طبيعة العلاقة الأمنية بين العراق والولايات المتحدة، ومدى استقلالية القرار العراقي في ظل استمرار التعاون العسكري مع القوات الأمريكية.
إيران تنفي
رغم نفي طهران أي علاقة لها بالهجمات، فإن اسمها ظل حاضراً في جميع تفاصيل الأزمة؛ فالرياض وواشنطن حملتا الفصائل المرتبطة بإيران مسؤولية استهداف المنشآت النفطية، بينما اعتبرت أطراف عراقية أن الهجمات تأتي ضمن الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.
هذا الواقع يعكس استمرار العراق كساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، حيث يصبح أي تصعيد محلي جزءاً من معادلة أكبر تتجاوز الحدود العراقية.
احتواء التداعيات
في مواجهة الأزمة، عقد مجلس الأمن الوطني العراقي اجتماعاً طارئاً برئاسة رئيس الوزراء، وأكد رفضه استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار، كما رفض في الوقت نفسه الضربات الخارجية التي تستهدف العراق.
واتخذ المجلس سلسلة من الإجراءات، شملت إعداد خطة لتعزيز السيطرة الأمنية ومنع استخدام الأراضي العراقية في تنفيذ هجمات خارجية، إلى جانب تكليف وزارة الخارجية بالتحرك دبلوماسياً لتوثيق الضربات التي تعرض لها العراق.
كما جدد المجلس التزام الحكومة بمواصلة خطة حصر السلاح بيد الدولة، وهي القضية التي تعود إلى الواجهة مع كل تصعيد أمني يشهده العراق.
العلاقة بين بغداد والرياض
تفتح الأزمة الحالية الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات العراقية السعودية، عنوانها الرئيسي الأمن قبل الاقتصاد، فالتعاون الاقتصادي والاستثماري الذي سعت إليه الحكومتان خلال السنوات الماضية أصبح مرتبطاً بقدرة بغداد على طمأنة الرياض بأن الأراضي العراقية لن تتحول إلى منصة لاستهدافها.
وفي المقابل، تبدو الحكومة العراقية مطالبة بإثبات قدرتها على فرض سلطة الدولة على جميع التشكيلات المسلحة، إذا أرادت الحفاظ على سياسة الانفتاح الإقليمي، وتجنب إدخال البلاد في مواجهات جديدة مع محيطها العربي أو مع القوى الدولية.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5222

