د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية
لا شك أن سقوط الغواصة الأمريكية “دايف – إل دي” Dive-LD في قبضة القوات الإيرانية يمثل تحولًا جديدًا في مجريات الحرب الدائر رحاها بين الطرفين في منطقة الخليج، ولا سيما في مضيق هرمز؛ فقد أعلنت القوات البحرية بالحرس الثوري فجر الأربعاء 9 سبتمبر 2026 اصطياد الغواصة الذكية ذات التقنيات المتطورة بالقرب من مدخل مضيق هرمز، ونشرت صورًا ومقاطع مصورة توثق عملية الاستيلاء عليها.
في المقابل، صرحت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بأن الغواصة أصابها عطل فني مفاجئ قبل أكثر من يوم من فقدان الاتصال بها، مؤكدةً أنها نسخة قديمة الطراز نسبيًا كانت تجري مسحًا روتينيًا للمياه الإقليمية، ولم تكن تحمل أية معدات مهمة كأجهزة الرادار والسونار؛ أي بقول آخر إن الغواصة سقطت في أيدي الإيرانيين مصادفةً بعد تعطلها عن العمل.
هذا التناقض في الروايتين يشكل جزءًا مهمًا من القصة؛ إذ إن القيمة الكبيرة في هذا الصيد الثمين –كما يصفه الإيرانيون– لا تكمن في الحصول على معلومات دقيقة حول طراز الغواصة وآليات تشغيلها وتوجيهها عن بُعد فحسب، بل في الاطلاع على البنية التقنية لجيل جديد من منظومات المسيرات البحرية الأمريكية تحت السطح، ولا سيما في ظل ما تتمتع به إيران من خبرات واسعة في مجال الهندسة العكسية.
ما هي الغواصة دايف – إل دي؟
الغواصة “دايف – إل دي” Dive-LD من إنتاج شركة “أندوريل إندستريز” Anduril Industries؛ وهي شركة أمريكية متخصصة في مجال تقنيات الدفاع والنظم ذاتية القيادة، سعت خلال السنوات الأخيرة إلى تغيير النمط التقليدي لصناعة المعدات العسكرية عبر تدشين خط إنتاج جديد من المنظومات الذكية والمزودة بشبكات المعرفة البرمجية (SDN) والقابلة للتعديل، بدلًا من بناء منظومة كبيرة وباهظة الثمن ومقعدة تؤدي مهمة محددة.
وفي هذا السياق، تم تصنيع الغواصة “دايف – إل دي” التي تختلف عن الغواصات التقليدية المأهولة وغير المأهولة تمامًا. فهذه الغواصة عبارة عن مركبة ذاتية القيادة تحت البحر، يبلغ قطرها نحو 1.2 متر وطولها قرابة 5.8 أمتار، ولديها القدرة على إنجاز العمليات عند عمق يبلغ 6 آلاف متر لمدة 10 أيام متواصلة؛ وهما رقمان يكتسبان أهمية استثنائية بالنظر إلى حجمها الصغير. وقد أُعدت لحمل أجهزة الاستشعار والحمولات العسكرية، ويمكنها تتبع مسارها وتنفيذ مهمتها تحت المياه بشكل مستقل تمامًا دون الحاجة إلى وجود عنصر بشري يقوم بإدارتها وتوجيهها من الداخل.
وفقًا لما أعلنته شركة “أندوريل”، فقد تسلمت القوات البحرية الأمريكية النسخة التشغيلية الأولى من “دايف – إل دي” في أبريل 2025، وتبلغ تكلفة الواحدة منها 2.5 مليون دولار أمريكي؛ أي أن الغواصة ليست قديمة كما تدعي الولايات المتحدة.
بنية الغواصة
تُعد البنية النمطية أو المعيارية في التصميم إحدى أهم مميزات الغواصة؛ فقد خصصت الشركة المصنعة سعة تتجاوز مترًا مكعبًا واحدًا للحمولات العسكرية والواجهات المفتوحة، بما يسمح بتثبيت حزمة من أجهزة الاستشعار والمعدات على جسم الغواصة.
وهذا يعني أن الهيكل الأساسي للغواصة يمكن أن يظل ثابتًا، بينما تتغير “نوعية المهام” وفق البيانات الموجهة؛ فيمكن استخدام الغواصة في يوم لمسح خرائط القاع البحري، وفي يوم آخر للبحث عن الألغام البحرية وتفكيكها، وفي يوم ثالث للقيام بعمليات الاستطلاع والتجسس وجمع المعلومات. ومن هنا تأتي قيمة الغواصة في تكامل تصميمها الذي يجمع بين صغر الحجم وتعدد المهام.
ما مدى أهمية الغواصة في العمليات الميدانية؟
أولًا: الاستطلاع والمراقبة: يشكل الاستطلاع والمراقبة تحت سطح البحر إحدى المهام الرئيسية للغواصة “دايف دي إل”، وهنا تبرز قدرة القيادة الذاتية على التحرك الميداني داخل نطاق محدد لجمع البيانات البيئية، وتقديم صورة دقيقة وشاملة عن طبيعة القاع، والعوائق المائية، والقطع البحرية الموجودة تحت السطح، والظواهر الأخرى القابلة للرصد.
تكتسب هذه المهمة أهمية إستراتيجية بالغة عندما تحتاج القوات البحرية إلى مسح منطقة حيوية واستكشافها دون تعريض السفن أو الغواصات المأهولة للخطر عند الاقتراب من نطاق التهديد.
ثانيًا: البحث عن الألغام: تعد الألغام البحرية واحدةً من أرخص الوسائل العسكرية القادرة على إرباك القوات البحرية وخلق مشكلات جسيمة أمامها؛ فإذا لُغم جزء من ممر بحري –كما هو الحال في نطاق مضيق هرمز– فمن الممكن أن تعرقل حركة السفن التجارية والعسكرية، وتتسبب في رفع تكاليف التأمين وأخطار الشحن البحري. ومن ثم تأتي أهمية الغواصة “دايف – إل دي” في ميدان “حرب الألغام وحماية ناقلات النفط”، عبر إجراء عمليات البحث والتقصي والرصد وتحديد خرائط المناطق المشتبه بها.
ثالثًا: مسح قاع البحر: يعد مسح قاع البحر أحد أهم التطبيقات الحيوية لهذه الغواصة؛ فأية قوة بحرية تحتاج إلى بيانات هيدروغرافية دقيقة لفهم البيئة البحرية تحت السطح بشكل كامل في منطقة ما، حيث إن تضاريس القاع، والأعماق، والعوائق، والخصائص الصوتية المائية تؤثر تأثيرًا مباشرًا على كفاءة أجهزة السونار وحركة القطع البحرية. لذا تستطيع الغواصة “دايف – إل دي”، في ظل تمتعها بالقيادة الذاتية وقدرتها على العمل لفترة طويلة تحت سطح البحر، جمع قدر ضخم من البيانات البيئية، وتكوين صورة دقيقة ومتكاملة عن المجال البحري بمرور الوقت.
وينطبق الأمر ذاته على تقديم صورة كاملة عن كابلات الاتصالات البحرية وخطوط الطاقة الممتدة تحت البحر، مما يجعل هذه الغواصة سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمكن توظيفها لحماية البُنى الإستراتيجية في منطقة ما من التهديدات، أو الاستفادة من بيانات الغواصة لاستهداف المواقع الحيوية.
ختامًا: إن وقوع الغواصة الأمريكية “دايف – إل دي” في أيدي الحرس الثوري ليس مجرد حادثٍ عرضي كما وصفته الولايات المتحدة؛ فإذا وضعنا هذه المركبة في إطار أبعاد قدرتها الكاملة –بما في ذلك القيادة الذاتية وتعدد المهام وتنوعها– سيتضح جليًا أنها تمثل جيلًا جديدًا من الأسلحة لا يهدف إلى الحلول محل السفن الحربية أو الغواصات العملاقة، بل يسعى إلى نشر وتوزيع أعداد هائلة من الأعين والآذان الذكية في قلب مسرح العمليات، أو بالأحرى زرع شبكات تجسس إلكترونية توفر عامل الوقت وتحمي العنصر البشري من المخاطر المباشرة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5723

