مع توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأرمينيا، وتصاعد الانخراط الأوروبي سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا في منطقة جنوب القوقاز، تبدو أرمينيا وأذربيجان في قلب سباق دولي يتجاوز حدود الخلافات التقليدية بينهما.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه موسكو تحديات متزايدة نتيجة الحرب في أوكرانيا، بينما تسعى واشنطن والعواصم الأوروبية إلى استغلال المتغيرات الجيوسياسية لإعادة تشكيل موازين القوى في جنوب القوقاز، وتحويله إلى مركز جديد لممرات الطاقة والتجارة العابرة للقارات.
اتفاقية أمريكية جديدة
إن زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى يريفان شكلت نقطة تحول بارزة في العلاقات بين البلدين، بعدما وقع مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة قبل أيام من الانتخابات البرلمانية الأرمينية.
الاتفاقية لم تقف عند حد التعاون السياسي والدبلوماسي، بل شملت إطارًا للتعاون في مجال المعادن الاستراتيجية ومشروع ممر النقل الذي يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمينية وصولًا إلى تركيا. وتحمل هذه المشاريع أبعادًا اقتصادية وجيوسياسية كبيرة، إذ تمنح الولايات المتحدة موطئ قدم متقدمًا في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية بين روسيا وإيران وتركيا.
كما تعكس الاتفاقية رغبة أمريكية واضحة في تعزيز حضورها داخل جنوب القوقاز، خاصة بعد النجاح النسبي الذي حققته واشنطن في تقريب وجهات النظر بين أرمينيا وأذربيجان خلال العامين الماضيين.
أرمينيا والاستراتيجية الجديدة
اعتمدت أرمينيا، خلال العقود الماضية، بشكل شبه كامل على روسيا والصين لضمان أمنها القومي، لكن الحرب الأخيرة في إقليم ناغورنو كاراباخ وما أعقبها من خسارة أرمينيا للإقليم أحدثت تحولًا جذريًا في رؤية القيادة الأرمينية لتحالفاتها الاستراتيجية.

ومنذ ذلك الحين بدأت الحكومة الأرمينية بقيادة نيكول باشينيان البحث عن بدائل سياسية وعسكرية جديدة، ففتحت أبواب التعاون مع الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي، ووسعت علاقاتها الدفاعية مع الهند.
كما اتخذت أرمينيا خطوات رسمية باتجاه الاندماج الأوروبي، عبر إقرار تشريعات تمهد لبدء مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في خطوة أثارت غضب موسكو التي اعتبرت ذلك تهديدًا مباشرًا لمصالحها في المنطقة.
أوروبا تبحث عن بدائل الطاقة
يأتي الاهتمام الأوروبي المتزايد بجنوب القوقاز في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، سواء القادمة من روسيا أو المتأثرة بالتوترات في الشرق الأوسط.
وأصبحت أذربيجان أحد أهم الشركاء الأوروبيين في قطاع الطاقة خلال السنوات الأخيرة، بفضل احتياطياتها الكبيرة من الغاز الطبيعي والنفط. كما يمثل ممر الغاز الجنوبي وخط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان عنصرين أساسيين في جهود أوروبا لتنويع مصادر الإمدادات.
وتزداد أهمية هذه المشاريع في ظل المخاوف الأوروبية من اضطرابات الملاحة في الممرات البحرية التقليدية، وهو ما يجعل منطقة القوقاز خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد لضمان أمن الطاقة الأوروبي.
ممر زنغزور
يعتبر مشروع “زنغزور” أو ما أطلقت عليه واشنطن “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي” أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة. ويهدف المشروع إلى إنشاء ممر بري يربط أذربيجان مباشرة بإقليم ناخيتشيفان ومنه إلى تركيا.
ويرى الغرب أن الممر يمثل جزءًا أساسيًا من مشروع “الممر الأوسط” الذي يربط أوروبا بآسيا الوسطى والصين عبر بحر قزوين، دون الحاجة إلى المرور بالأراضي الروسية أو الإيرانية.
كما يمنح المشروع فرصًا استثمارية ضخمة في مجالات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، ويحول جنوب القوقاز إلى مركز عبور رئيسي للتجارة العالمية. إلا أن المشروع يثير في الوقت ذاته مخاوف إيرانية وروسية متزايدة بسبب تأثيره المحتمل على النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي لكل منهما.
تركيا وأذربيجان.. المستفيد الأكبر
في الوقت الذي تتجه فيه أرمينيا نحو الغرب، تواصل تركيا وأذربيجان تعزيز شراكتهما الاستراتيجية. ويمنح مشروع الممر الجديد أنقرة فرصة لتحقيق حلم قديم يتمثل في تعزيز التواصل الجغرافي والاقتصادي مع العالم التركي في آسيا الوسطى.
كما تستفيد أذربيجان من موقعها كدولة عبور رئيسية للطاقة والتجارة، وهو ما يعزز وزنها الإقليمي والدولي. وتدرك باكو أن التقارب مع الغرب لا يتعارض بالضرورة مع استمرار علاقاتها المتوازنة مع تركيا وبعض القوى الإقليمية الأخرى.
تحديات قد تعرقل المشاريع الغربية
رغم الحماس الغربي المتزايد، فإن الطريق أمام هذه المشاريع لا يزال مليئًا بالعقبات. فروسيا ما زالت تمتلك أدوات ضغط قوية داخل أرمينيا، خصوصًا في قطاع الطاقة، حيث تعتمد يريفان بشكل كبير على الغاز الروسي.
كما تنظر إيران بقلق شديد إلى مشروع زنغزور، الذي قد يؤدي إلى تراجع دورها كممر تجاري رئيسي بين آسيا وأوروبا. وقد تدفع هذه المخاوف طهران إلى اتخاذ خطوات سياسية أو اقتصادية للحفاظ على مصالحها الإقليمية.
إضافة إلى ذلك، لا يزال اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان غير موقع بشكل نهائي، ما يجعل أي تصعيد أمني محتمل قادرًا على تعطيل العديد من المشاريع المطروحة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يمكن القول أن ملامح المستقبل في جنوب القوقاز تتوقف على مجموعة من المتغيرات المتشابكة. ويتمثل السيناريو الأول في نجاح اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان ودخول مشاريع النقل والطاقة مرحلة التنفيذ، ما سيؤدي إلى تعزيز النفوذ الغربي بشكل كبير.
أما السيناريو الثاني استمرار التنافس بين القوى الكبرى دون حسم نهائي، بحيث يتحول جنوب القوقاز إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات السياسية والاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
ولكن فى كل الحالات، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن العقود السابقة، حيث أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلات الطاقة والتجارة والأمن الدولي، ما يجعل مستقبلها مرتبطًا بشكل مباشر بمسار الصراع على النفوذ بين الغرب وروسيا وإيران.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4593


