إبرو أكغون، الصحفية والمحللة المتخصصة في شؤون آسيا الوسطى والجغرافيا السياسية، في مقال نشرته مجلة ناشيونال إنترست
الحرب ضد إيران مطلع عام 2026 لم تؤثر فقط على أسواق الطاقة العالمية، بل أعادت رسم أولويات النقل والتجارة الدولية، بعدما تحول الممر الأوسط من مشروع لوجستي طموح إلى ممر استراتيجي تتنافس عليه الدول الإقليمية والقوى الكبرى. وترى أن الأزمة كشفت أهمية هذا المسار التجاري، لكنها أبرزت أيضًا التحديات السياسية والبنية التحتية التي تعيق تحوله إلى بديل كامل للممرات التقليدية.
الممر الأوسط يكتسب أهمية استراتيجية
أدى التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة إلى اضطراب حركة التجارة والطاقة عبر الخليج، مع ارتفاع أسعار النفط بصورة حادة خلال الأيام الأولى من الحرب، وهو ما دفع شركات النقل العالمية إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر استقرارًا.
ومن هذا المنطلق برز الممر الأوسط باعتباره أحد أهم البدائل البرية، إذ يربط الصين بآسيا الوسطى مرورًا بكازاخستان، ثم يعبر بحر قزوين إلى أذربيجان، ومنها إلى جورجيا وتركيا وصولًا إلى الأسواق الأوروبية.
ورغم أن هذا الممر تأسس رسميًا عام 2014، فإنه ظل لسنوات أقل استخدامًا مقارنة بالمسار الشمالي، قبل أن تؤدي التحولات الجيوسياسية الأخيرة إلى زيادة الاعتماد عليه بصورة غير مسبوقة.
ارتفاع في حركة الشحن
شهد الممر الأوسط قفزة كبيرة في أحجام التجارة عقب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، حيث ارتفع الطلب على خدمات نقل الحاويات عبره بأكثر من أربعة أضعاف خلال أسبوع واحد مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما سجلت موانئ أكتاو في كازاخستان وباكو في أذربيجان ارتفاعًا ملحوظًا في حجم البضائع المتداولة، بينما تضاعفت فترات معالجة الحاويات نتيجة الضغط الكبير على الموانئ وخطوط السكك الحديدية.
ويؤكد هذا النمو أن الشركات الدولية أصبحت تنظر إلى الممر الأوسط باعتباره خيارًا عمليًا لتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية التقليدية، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية.
البنية التحتية التحدي الأكبر
ورغم الزخم الذي يشهده الممر الأوسط، فإن قدراته التشغيلية ما زالت أقل من حجم الطلب المتزايد. فالعديد من مرافق النقل والموانئ تحتاج إلى توسعات كبيرة، كما لا تزال عمليات نقل البضائع بين شبكات السكك الحديدية المختلفة تستغرق وقتًا طويلًا بسبب اختلاف مقاييس خطوط القطارات بين الدول.
وتسعى أذربيجان إلى زيادة الطاقة الاستيعابية لمحطة ألات، فيما تعمل كازاخستان على تطوير ميناء أكتاو، إلا أن تنفيذ هذه المشروعات يحتاج إلى استثمارات ضخمة لن تتحقق في وقت قصير.
كما أن تطوير خط سكة حديد باكو–تبليسي–قارص يمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز كفاءة الممر الأوسط، إلا أن الوصول إلى الطاقة التشغيلية المستهدفة يتطلب استكمال مشروعات لم يبدأ تنفيذ بعضها بعد.
تركيا تعزز موقعها في الممر الأوسط
برزت تركيا باعتبارها المستفيد السياسي والاقتصادي الأكبر من تنامي أهمية الممر الأوسط، بفضل موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة النهاية الرئيسية للمسار قبل وصول البضائع إلى أوروبا.
وخلال السنوات الأخيرة ارتفعت أحجام البضائع المنقولة عبر هذا الطريق بصورة كبيرة، كما تقلصت مدة النقل إلى ما يقرب من نصف المدة التي كانت تستغرقها سابقًا.
وتعمل أنقرة على استثمار هذا التطور من خلال توسيع تعاونها الاقتصادي مع دول آسيا الوسطى، وتعزيز مشروعات الطاقة والنقل، مستفيدة من عضويتها في حلف شمال الأطلسي، وعلاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى دورها القيادي داخل منظمة الدول التركية.
ويرى مراقبون أن هذا الموقع يمنح تركيا قدرة على الربط بين أوروبا وآسيا الوسطى بطريقة لا تستطيع أي دولة أخرى في المسار توفيرها.
تنافس دولي على مستقبل الممر الأوسط
أصبح الممر الأوسط محورًا للتنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى، مع تزايد الاهتمام الأوروبي والصيني بتمويل مشروعات البنية التحتية المرتبطة به.
ويواصل الاتحاد الأوروبي طرح مبادرات لتعزيز الربط مع آسيا الوسطى، فيما توسع المؤسسات المالية الدولية مشاركتها في تمويل الموانئ والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية.
في المقابل، عززت الصين استثماراتها في المنطقة، مستفيدة من علاقاتها التجارية المتنامية مع كازاخستان ودول آسيا الوسطى، الأمر الذي يجعلها أحد أبرز اللاعبين في مستقبل هذا الطريق التجاري.

ويرى خبراء أن نجاح الممر الأوسط لن يعتمد فقط على أهمية موقعه الجغرافي، بل على قدرة الدول المشاركة في توفير التمويل اللازم لتطوير بنيته الأساسية، بما يسمح له باستيعاب الزيادة المستمرة في حركة التجارة.
التمويل مفتاح نجاح الممر الأوسط
تشير التقديرات إلى أن تطوير الممر الأوسط يحتاج إلى استثمارات تتجاوز 18 مليار دولار حتى عام 2030، تشمل تحديث الموانئ، وتوسيع خطوط السكك الحديدية، وتحسين الخدمات اللوجستية.
كما يتطلب المشروع تنسيقًا أكبر بين الدول الواقعة على امتداده لتقليل الإجراءات الجمركية، وتوحيد آليات النقل، وتسريع عبور البضائع بين الحدود.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن الممر الأوسط لم يعد مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، مع استمرار الشركات والدول في البحث عن بدائل أكثر أمانًا واستقرارًا للممرات التقليدية، وهو ما يمنحه دورًا متزايدًا في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا خلال السنوات المقبلة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4909


