لم يكن توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقه مع إيران داخل قصر فرساي الفرنسي مجرد اختيار بروتوكولي لمكان يحمل قيمة تاريخية، بل بدا رسالة سياسية تعكس أن العالم يقف أمام لحظة انتقالية قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. فالقصر الذي شهد توقيع معاهدات غيّرت وجه أوروبا خلال القرن العشرين، استضاف هذه المرة اتفاقًا يراه كثير من المحللين بداية لمرحلة جديدة في النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بعد حرب كشفت حدود القوة الأمريكية وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النفوذ الدولي في المنطقة.
وبعيدًا عن الجدل بشأن الطرف الذي خرج أكثر استفادة من الاتفاق، فإن معظم مراكز الدراسات الغربية تتفق على أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تنتهِ بمجرد وقف إطلاق النار، بل أطلقت عملية إعادة ترتيب واسعة للتحالفات الإقليمية، وفتحت الباب أمام نظام أكثر تعقيدًا يقوم على تعدد مراكز النفوذ، بعدما ظلت الولايات المتحدة اللاعب المهيمن منذ نهاية الحرب الباردة.
اتفاق فرساي
يحمل اختيار قصر فرساي دلالات تاريخية عميقة، فهو المكان الذي شهد توقيع معاهدة فرساي عام 1919 بعد الحرب العالمية الأولى، كما شهد استسلام فرنسا أمام ألمانيا النازية عام 1940. واليوم يعود القصر ليحتضن اتفاقًا جديدًا بين واشنطن وطهران، في مشهد يراه مراقبون رمزًا لتحول في موازين القوة الدولية.
ويشير عدد من الباحثين إلى أن الاتفاق لا يمثل مجرد تسوية مؤقتة بين خصمين، بل يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن إدارة الأزمات في الشرق الأوسط لم تعد ممكنة بالأدوات التقليدية نفسها التي اعتمدت عليها واشنطن طوال العقود الثلاثة الماضية، وهو ما يضع النظام الإقليمي في الشرق الأوسط أمام مرحلة انتقالية غير مسبوقة.
الحرب كشفت حدود النفوذ الأمريكي
يرى خبراء في دوريات مثل “فورين أفيرز” و”فورين بوليسي” و”المجلس الأطلسي” أن الحرب مع إيران كشفت تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها منفردة، بعدما فشلت العمليات العسكرية في تحقيق أهدافها الكبرى، وعلى رأسها تغيير النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي وتقليص نفوذه الإقليمي.
ورغم التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، انتهت الحرب إلى اتفاق سياسي أبقى النظام الإيراني قائمًا، وأعاد فتح مضيق هرمز مقابل تفاهمات اقتصادية وسياسية، وهو ما دفع كثيرًا من المحللين إلى اعتبار أن نتائج الحرب تجاوزت سؤال “من انتصر؟” لتطرح سؤالًا أكثر أهمية يتعلق بمستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
تحالفات جديدة تعيد
أبرزت الحرب تغيرًا واضحًا في سلوك القوى الإقليمية، إذ لم تعد دول المنطقة تعتمد بالكامل على المظلة الأمنية الأمريكية كما كان الحال منذ حرب الخليج الثانية عام 1991.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث غربية إلى أن السعودية والإمارات وتركيا ومصر وباكستان بدأت بالفعل مراجعة حساباتها الأمنية، عبر توسيع شراكاتها الدفاعية وتبني سياسات أكثر استقلالية. وفي المقابل، عززت إيران مكانتها باعتبارها قوة إقليمية يصعب استبعادها من أي ترتيبات أمنية مستقبلية، ما يجعل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط أكثر تنوعًا وتعددًا من أي وقت مضى.
تراجع الاحتكار الأمريكي للأمن
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، قامت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة على شبكة واسعة من القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية، مع ضمان التفوق العسكري الإسرائيلي باعتباره أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي.
غير أن الحرب الأخيرة أظهرت أن القواعد الأمريكية نفسها أصبحت أهدافًا محتملة للصواريخ والطائرات المسيّرة، وأن أدوات الردع التقليدية لم تعد كافية في مواجهة التطور السريع للتكنولوجيا العسكرية. كما دفعت هذه التطورات العديد من العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم جدوى الاعتماد المطلق على الحماية الأمريكية، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة إعادة تشكيل.
ماذا تقول مراكز الأبحاث الغربية؟
يرى إيان بريمر، رئيس مجموعة “أوراسيا”، أن الحرب تمثل أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية في السياسة الخارجية الأمريكية، لأنها أضعفت ثقة الحلفاء في قدرة واشنطن على إدارة الأزمات، وأظهرت محدودية القوة العسكرية في فرض نتائج سياسية دائمة.
أما توماس رايت، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، فيعتقد أن الاتفاق مع إيران قد يُسجل تاريخيًا باعتباره بداية لتراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن تخصيص مئات المليارات لإعادة دمج إيران اقتصاديًا يشبه “خطة مارشال” لكن بنتائج معاكسة، حيث لا يكرس انتصارًا أمريكيًا، بل يعكس إدارة تداعيات حرب لم تحقق أهدافها.
وفي المقابل، يحذر باحثون من أن تراجع الدور الأمريكي لا يعني بالضرورة استقرار المنطقة، بل قد يؤدي إلى تصاعد المنافسة بين القوى الإقليمية، وزيادة نفوذ الصين وروسيا، واتساع هامش الحركة أمام القوى الصاعدة.
شرق أوسط متعدد الأقطاب
تشير المؤشرات الحالية إلى أن المنطقة تتجه نحو نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على تعدد مراكز النفوذ، بدلاً من الهيمنة المنفردة التي طبعت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فالقوى الإقليمية أصبحت أكثر استقلالية في قراراتها، بينما تسعى القوى الدولية إلى توسيع حضورها في ظل تراجع الانفراد الأمريكي.
وبذلك، قد لا يكون اتفاق فرساي مجرد نهاية لحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بل بداية لمرحلة جديدة في النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، عنوانها إعادة توزيع النفوذ، وتغير قواعد الردع، وصعود توازنات جديدة ستحدد شكل المنطقة خلال السنوات المقبلة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4835


