شد وجذب وما زال الوضع يفتقد للرؤية في مضيق هرمز، فرغم الإعلان عن اتفاق أمريكي-إيراني لإعادة فتح المضيق لم ينهِ الصراع، بل نقل ساحته.
واشنطن التي خاضت الاشتباكات وقلصت دور الـCIA في ملف إيران، بدأت بسحب كاسحات الألغام “Avenger” من المنطقة؛ هذا الانسحاب التكتيكي خلق فراغاً أمنياً مباشراً فوق شريان يمر منه 20% من نفط العالم.
وهنا قفزت بريطانيا وفرنسا بتحالف من 15 دولة لقيادة بعثة نزع الألغام، لا كمساعدة إنسانية، بل كإعلان صريح أن أوروبا مستعدة لإدارة أمن الطاقة في الخليج حتى لو كان ذلك بمعزل عن الهيمنة الأمريكية المباشرة.
سفينة “RFA Lyme Bay” البريطانية متجهة للمضيق، وخط اتصال مفتوح مع طهران؛ أوروبا لا تنزع ألغاماً فقط، هي تزرع قواعد لعب جديدة.
معركة جيوسياسية أعمق
المهمة المعلنة “إزالة الألغام” تخفي معركة جيوسياسية أعمق؛ إيران وفقًا للتحركات الميدانية تريد إدارة المضيق بنفسها لإثبات السيادة، وأمريكا تريد تأمين الملاحة دون تكلفة، وبينهما تأتي لندن وباريس لتثبت أن “النظام العالمي ما بعد أمريكا” لن تملأه الصين وحدها.
ذكرت مصادر وكالة بلومبرغ أن بريطانيا وفرنسا وضعتا الخيوط الأخيرة لمخطط يقود بعثة دولية لإزالة الألغام في مضيق هرمز المتنازع عليه، بعد أن توصل الجانب الأمريكي والإيران لاتفاق إنهاء الحرب وإعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي.
وقالت خمسة مصادر مطلعة على المحادثات لوكالة بلومبرغ، إن المخططين العسكريين في عدة دول وصلوا إلى مرحلة متقدمة في خططهم لتوحيد الجهود من أجل إزالة الألغام البحرية التي زرعها الحرس الثوري الإيراني من المضيق.
السيطرة على مسح الألغام تعني السيطرة على قواعد المرور، على بيانات السفن، وعلى قرار من يُسمح له بالإبحار الآمن ومن لا. لذلك، هرمز اليوم ليس مجرد ممر مائي متنازع عليه، بل هو أول اختبار عملي لقدرة أوروبا على تحويل الأزمات إلى نفوذ، وتحويل نزع الألغام إلى تثبيت أقدام في قلب معادلات الطاقة العالمية للقرن 21.
وأوضحت ثلاثة مصادر مطلعة على مهمة إزالة الألغام التي ستشمل تحالفاً مكوناً من خمسة عشر دولة، خصصت أفراداً عسكريين وموارد لوجستية لأداء هذه المهمة.
تثبيت الاتفاق الأمريكي-الإيراني
جدير بالذكر أن عمليات الانتشار لن تبدأ قبل التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يعيد حقوق الملاحة التجارية الكاملة ودون عوائق، فضلاً عن توفير بيئة مواتية للأصول العسكرية في المضيق، بحسب المصادر.
وفي وقت سابق الأربعاء الماضي، قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من شأن التهديد الذي تشكله الألغام البحرية الإيرانية على الملاحة التجارية، مشيراً إلى أن القوات الأمريكية “أزالت معظمها”، وكان قد أبلغ وزير الخارجية ماركو روبيو، أعضاء مجلس الشيوخ، بأن إيران قد زرعت ألغاماً في أجزاء كبيرة من المضيق.
وأضاف ترامب أن المضيق سيعاد فتحه “على الفور” بمجرد توقيع إيران على مذكرة تفاهم لإنهاء الأعمال العدائية.
عوائق وتحديات
على الرغم من أن فرنسا وبريطانيا وضعتا الخطوط الأولى لمهمة إزالة الألغام في المضيق، غير انهما تواجهان صعوبات من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن الشروط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أمس الخميس، إن الطرفين لم يحرزا أي تقدم في محادثاتهما، في حين واصلت إسرائيل التصعيد في جنوب لبنان.
ويُظهر التخطيط المسبق لهذه المهمة رغبة القوى الأوروبية في لعب دور رئيسي في الحفاظ على الاستقرار والأمن في الخليج، بمجرد أن تتفق الولايات المتحدة وإيران على إنهاء الأعمال العدائية في الممر المائي.

وقد امتنعت أوروبا إلى حد كبير عن دعم حرب ترامب، الذي وجه انتقادات شديدة لقادة القارة، وحلف شمال الأطلسي (الناتو) لعدم تأييدهم لهجومه.
وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر للصحافيين هذا الأسبوع، إن المهمة نوقشت مع الولايات المتحدة، موضحة أن الهدف منها هو “ضمان توفر قدرات إضافية لإزالة الألغام أينما دعت الحاجة، وكذلك توفير الدعم اللازم لتوفير الحراسة للسفن، أو تأمين عمليات الشحن عند الضرورة”.
دور أوروبي
أشارت المصادر إلى أن المهمة التي تقودها بريطانيا وفرنسا ستكون جاهزة لفتح خط اتصال مع طهران بشأن المسائل التشغيلية، مضيفين أنه في حين أشارت إيران إلى رغبتها في إزالة الألغام من المضيق بنفسها، فإن بريطانيا وفرنسا لا تعتقدان أن لديها القدرات للقيام بذلك، وتفضلان إدارة عملية إزالة الألغام المسح بنفسيهما.
وأفادت البحرية الملكية البريطانية، بأنها أرسلت السفينة RFA Lyme Bay، المزودة بمجموعة من أنظمة الكشف عن الألغام ذاتية التشغيل، من جبل طارق باتجاه المضيق في أواخر مايو.
ومن جانبها، لا تمتلك الولايات المتحدة أي سفن مخصصة لمكافحة الألغام في المنطقة، وهي بصدد سحب أسطولها المكون من أربع كاسحات ألغام متبقية من فئة Avenger.
وتوجد سفينتان من طراز “السفن القتالية الساحلية”، هما USS Tulsa، وUSS Santa Barbara، في المحيط الهندي والخليج، وفقاً لبيانات تتبع السفن الصادرة عن المعهد البحري الأميركي، وهذه السفن يمكن تزوديها بمعدات مخصصة لمهام إزالة الألغام.
مهمة إزالة الألغام في هرمز ستنتهي يوماً، لكن قواعد اللعبة الجديدة ستبقى؛ بريطانيا وفرنسا لا تدفعان ثمن 15 سفينة وخط اتصال مع طهران عبثاً؛ كل دقيقة مسح، كل سفينة تمر تحت حراستهم، تتحول إلى “فاتورة نفوذ” تدفعها واشنطن بالانسحاب، وتدفعها طهران بالاعتراف الضمني.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4614


