د. ياسين العلي ــ باحث اقتصادي ومستشار استراتيجي في إدارة التحول وتطوير الاستراتيجيات
التحدي الاقتصادي في سورية ليس في نقص الأموال أو المشاريع وحدها، بل في تحويل الموارد ورأس المال والجغرافيا والطاقات البشرية إلى قدرة اقتصادية وطنية قابلة للتراكم والاستمرار؛ وهنا يقع الفارق بين إدارة مرحلة انتقالية وإدارة تحول اقتصادي حقيقي.
تتقاطع هنا ثلاثة حقول من الأدبيات والمقاربات: إدارة التحول بوصفها انتقالاً منظماً من واقع قائم إلى حالة مستهدفة؛ والتحول الهيكلي الذي يدفع الموارد والعمل نحو أنشطة أعلى إنتاجية وقيمة مضافة؛ والقدرة المؤسسية التي تمكّن الدولة من تحويل السياسات إلى نتائج.
وفي الحالة السورية، فالمطلوب ليس إصلاح اقتصاد مستقر، بل إعادة تشغيل اقتصاد متضرر بالتزامن مع تغيير بنيته وبناء مؤسساته.
وهنا يصبح الزمن متغيراً حاسماً في إدارة التحول. فالناس تحتاج أثراً ملموساً في العمل والدخل والإنتاج والخدمات الآن، فيما تحتاج الدولة إلى بناء يستمر في المستقبل. لذلك ينبغي أن تسير العملية في مسارين متوازيين لا متعاقبين: إسعافي تشغيلي سريع الأثر، واستراتيجي مستدام يعيد بناء القاعدة الإنتاجية والمؤسسات والبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل.
ولا ينبغي أن يكون المساران منفصلين، بل أن يخدم الأول الثاني. فإعادة تشغيل مصنع متوقف تحقق أثراً سريعاً، لكن تحديثه وربطه بالتكنولوجيا والموردين والأسواق يحوله إلى قدرة صناعية مستدامة. ودعم موسم زراعي يعالج حاجة آنية، لكن ربطه بكفاءة المياه والإنتاجية والتمويل والتخزين يجعل أثره ممتداً إلى المواسم التالية. الإسعاف هنا مدخل للتحول، لا بديلاً عنه.
ومن ثم يصبح تقييم التدخل الاقتصادي قائماً على معيارين متلازمين: سرعة الأثر الذي ينتجه، وحجم القدرة التي يتركها بعده.
فالسياسة الأفضل ليست بالضرورة الأسرع أثراً ولا الأبعد أفقاً، بل التي تستجيب للحاجة الراهنة من دون أن تستهلك فرصة المستقبل.
ضمن هذا الإطار يُستخدم مفهوم اقتصاد القدرة، استناداً إلى أدبيات القدرات الإنتاجية والتحول الهيكلي والقدرة المؤسسية، ويُعاد تركيبه هنا ضمن مقاربة تلائم خصوصية التحول السوري ومتطلباته الزمنية.

وهو يستفيد، من بين مرجعياته، من مفهوم Productive Capacities لدى الأونكتاد، لكنه يتجاوزه إلى إطار أوسع يربط بين القدرة الإنتاجية والمؤسسية والبشرية والتكنولوجية، وبين سرعة إنتاج الأثر والقدرة المتراكمة التي يتركها التدخل الاقتصادي.
ويمكن تعريف اقتصاد القدرة بأنه: اقتصاد تُقاس قوته بقدرته المتراكمة على تحويل موارده ومعرفته ومؤسساته إلى إنتاج وقيمة، ثم إعادة استثمار هذه القيمة في توسيع قدرته المستقبلية.
وهذا ينقل السؤال الاقتصادي من: كم استثمرنا وأنفقنا؟ إلى: ماذا أصبح الاقتصاد قادراً على أن يفعل بعد ذلك؟
فاستيراد جرار زراعي يوفر أصلاً نستخدمه؛ أما تطوير صناعة قادرة على إنتاجه وصيانته وتطويره وتكوين المهارات المرتبطة به فيبني قدرة إنتاجية متوطنة.
ومن هنا يصبح توسيع القاعدة الإنتاجية محوراً للتحول؛ ليس بتقييد الاستهلاك، وإنما بتوسيع الإنتاج المحلي والقيمة المضافة بما يجعل نمو الطلب أكثر اتساقاً مع قدرة الاقتصاد على تلبيته وتمويله، ويتغير بذلك معيار الاستثمار.
فالمشروع الأعلى قيمة ليس بالضرورة الأكبر مالاً؛ استثمار ينقل تقنية، ويطور المهارات، ويرتبط بموردين محليين ويولد صادرات قد يكون أكثر أهمية من مشروع أضخم محدود الروابط بالاقتصاد المحلي.
فالقيمة الاستراتيجية للاستثمار تتحدد أيضاً بما يتركه داخل الاقتصاد بعد إنفاق رأس المال.
والمنطق ذاته ينطبق على بقية الموارد: فالجغرافيا تصبح أصلاً منتجاً عندما نبني حول الممرات اللوجستيات والتخزين والتصنيع والخدمات بدلاً من الاكتفاء برسوم العبور، والأصول العامة المعطلة تصبح رأسمالاً حين تدخل دورة إنتاج القيمة ضمن إدارة مهنية وحوكمة واضحة، كما يمكن للمدخرات والتحويلات أن تسهم في تكوين رأس المال متى وجدت قنوات استثمار موثوقة.
فالقيمة ليست في امتلاك المورد، بل في القدرة على تشغيله وتطويره وربطه ببقية الاقتصاد.
لكن التراكم الإنتاجي لا يستدام دون قدرة مؤسسية: تشريع حديث، وإدارة محكومة، وقضاء نزيه ومستقل، وعقود قابلة للإنفاذ، ومؤسسات تستطيع التنفيذ والتعلم والقياس والتصحيح. فالثقة ليست نتيجة جانبية للإصلاح؛ إنها أصل اقتصادي يخفض المخاطر وتكلفة رأس المال ويعزز استدامة الاستثمار.
وهنا يتضح الفارق بين إدارة الصفقات وإدارة الاقتصاد.
الأولى تقيس النجاح بالعقد والتمويل وحجم المشروع؛ أما الثانية فتسأل عما يبقى بعد ذلك: مصنع يعمل، وأرض تنتج، وعامل اكتسب مهارة، وتقنية انتقلت، وصادرات ارتفعت، ومؤسسة ازدادت كفاءة.
لهذا لا ينبغي التعامل مع الصناعة والزراعة والاستثمار والممرات والأصول والتمويل والحوكمة كملفات منفصلة، بل كمكونات لمنظومة تحول مترابطة؛ تُحوَّل فيها الموارد إلى قدرات إنتاجية ومؤسسية، وتولد هذه القدرات إنتاجاً وقيمة، ثم يُعاد توظيف جزء من القيمة المتحققة في توسيع القاعدة الإنتاجية وتعميق المعرفة وتطوير المؤسسات، بما يراكم قدرة اقتصادية أكبر.
وتتحرك هذه المنظومة عبر مسارين متوازيين: أثر قريب يعيد تشغيل الاقتصاد ويحسن حياة الناس، وبناء استراتيجي يغير بنيته ويؤسس لاستدامته؛ بحيث يصبح التدخل العاجل، قدر الإمكان، لبنة في بناء طويل الأجل.
بهذا المعنى، إدارة التحول هي المنهج، وتوسيع القاعدة الإنتاجية أحد محركاته، وبناء القدرة مساره التراكمي، واقتصاد القدرة هو الغاية.
فالدول لا تصبح أقوى بما تمتلكه من موارد أو بما تستقطبه من أموال، بل بمقدار ما تستطيع تحويله إلى معرفة وإنتاج ومؤسسات وقيمة، ثم إعادة توظيف هذه القيمة في تعميق قدرتها على صناعة مستقبلها.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5651

