تتحرك الهند بين مسارين متوازيين في علاقتها مع الصين والولايات المتحدة، في محاولة للحفاظ على استقلالها الاستراتيجي من دون التفريط في المصالح الاقتصادية التي تفرضها علاقتها المتشابكة مع بكين. ويعكس النهج الذي يتبناه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بمساندة وزير خارجيته سوبرامانيام جايشانكار، محاولة للموازنة بين اعتبارات الأمن والجغرافيا السياسية من جهة، واحتياجات الاقتصاد وسلاسل الإمداد من جهة أخرى.
ورغم التحسن النسبي في العلاقات الهندية الصينية، لا تبدو نيودلهي مستعدة لتحول سريع نحو تطبيع اقتصادي واسع. فقد حملت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الهند في سبتمبر 2026، للمشاركة في قمة بريكس، مؤشرات على رغبة الطرفين في استعادة قنوات التعاون، لكن النتائج الاقتصادية المباشرة ظلت محدودة. والتقى وزير التجارة الهندي بيوش غويال نظيره الصيني وانغ وينتاو، واتفق الجانبان على مواصلة مناقشة اختلالات التجارة وسلاسل الإمداد، بينما لم تُستأنف بعد بصورة كاملة آليات الحوار الاقتصادي الأوسع.
تقارب دبلوماسي دون انفراجة اقتصادية
شكلت قمة بريكس مناسبة لإظهار دفء نسبي في العلاقات بين مودي وشي، بعد سنوات من التوتر الذي أعقب الاشتباك الحدودي في عام 2020. وأكد الزعيمان أهمية تطوير الروابط التجارية وحركة الأشخاص والتبادلات الثقافية، إلى جانب معالجة اختلال الميزان التجاري ومشكلات سلاسل الإمداد وتسهيل الوصول إلى الأسواق. كما شدد مودي على أن الهدوء والسلام في المناطق الحدودية يمثلان أساسا لاستمرار تطوير العلاقات الثنائية.
لكن هذا التقارب السياسي لا يعني أن نيودلهي قررت التخلي عن حذرها تجاه بكين. فالهند لا تزال تنظر إلى اعتمادها على الصين باعتباره نقطة ضعف اقتصادية، وتسعى في الوقت نفسه إلى تقليل المخاطر المرتبطة به عبر تنويع مصادر الإمداد وتطوير قدراتها الصناعية المحلية.
وتظهر هذه المعضلة بوضوح في طبيعة التجارة بين البلدين. فقد بلغ حجم التجارة الثنائية مستوى قياسيا، فيما تجاوزت واردات الهند من الصين صادراتها إليها بفارق كبير، وهو ما أدى إلى اتساع العجز التجاري الهندي. وتشير بيانات منشورة في سبتمبر إلى أن الصين زودت الهند بسلع بقيمة نحو 131.6 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، مقابل عجز هندي تجاوز 112 مليار دولار.
الصين داخل قلب الصناعة الهندية
تكمن المشكلة الأساسية في أن جزءا كبيرا من الواردات الصينية ليس من السلع الاستهلاكية النهائية، وإنما من مكونات وسيطة ومعدات رأسمالية تدخل مباشرة في عمليات التصنيع الهندية. ولذلك فإن تقليص الواردات بصورة مفاجئة قد يضر بالصناعة المحلية بدلا من حمايتها.
وتعتمد قطاعات هندية عديدة على الآلات والمكونات الإلكترونية والمواد الصناعية والمكونات الصيدلانية القادمة من الصين. ولهذا بدأت الحكومة الهندية خلال 2026 في تخفيف بعض القيود المتعلقة بالاستثمارات القادمة من الدول التي تشترك معها في حدود برية، مع وضع آجال محددة للنظر في طلبات الاستثمار في قطاعات صناعية محددة، خصوصا مكونات الإلكترونيات والسلع الرأسمالية والطاقة الشمسية، مع استمرار القيود على المجالات الاستراتيجية الحساسة.
ويكشف ذلك عن معادلة صعبة: الهند تريد بناء قاعدة تصنيع محلية قادرة على منافسة الصين، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى المدخلات الصينية للوصول إلى أهدافها الصناعية والتكنولوجية.
سياسة مزدوجة تجاه بكين
لهذا تتجه نيودلهي إلى ما يمكن وصفه بسياسة المسارين. فمن الناحية الأمنية والاستراتيجية، تستمر الهند في تعزيز قدراتها العسكرية على حدودها مع الصين، والحفاظ على شراكاتها مع الولايات المتحدة وأستراليا واليابان ضمن أطر مثل الرباعية.
أما اقتصاديا، فتسعى إلى إبقاء قنوات التعاون مع بكين مفتوحة، خصوصا في القطاعات التي يصعب فصلها عن سلاسل الإمداد العالمية. وبهذا لا تبدو العلاقة الهندية الصينية متجهة إلى تحالف أو تطبيع شامل، وإنما إلى إدارة التنافس مع الحفاظ على المصالح الاقتصادية المتبادلة.

وتؤكد التصريحات الرسمية الهندية والصينية أن البلدين يريدان توسيع الروابط التجارية ومعالجة الاختلالات القائمة، لكن الخلافات الحدودية والمنافسة الجيوسياسية لا تزال تضع سقفا للتقارب.
واشنطن عامل إضافي في الحسابات الهندية
تأتي هذه السياسة في وقت تواجه فيه الهند ضغوطا اقتصادية وجيوسياسية من الولايات المتحدة، خصوصا بسبب علاقاتها مع روسيا واستمرار اعتمادها على النفط الروسي. وفي الوقت نفسه، فإن سياسات الرسوم التجارية الأمريكية وعدم اليقين في التجارة العالمية يدفعان الشركات الهندية إلى البحث عن سلاسل إمداد أكثر استقرارا ومصادر متنوعة لرأس المال والمدخلات الصناعية.
وهنا تبرز أهمية العلاقة مع الصين بالنسبة للهند. فإعادة فتح قنوات التعاون مع بكين يمكن أن تساعد الشركات الهندية في الوصول إلى المعدات والمكونات الضرورية، لكنها في المقابل قد تزيد من اعتماد الاقتصاد الهندي على منافس استراتيجي.
وتكشف هذه المفارقة عن حدود سياسة “صنع في الهند”. فبناء قاعدة تصنيع محلية لا يعني بالضرورة التخلص الفوري من المدخلات الصينية، بل قد يتطلب في بعض القطاعات الاستفادة من الصين خلال مرحلة بناء القدرات المحلية.
بين الاستقلال الاستراتيجي والاعتماد الاقتصادي
تواجه حكومة مودي معادلة أكثر تعقيدا من مجرد الاختيار بين واشنطن وبكين. فالولايات المتحدة تمثل شريكا مهما في التكنولوجيا والاستثمار والأمن، بينما تحتفظ الصين بموقع محوري داخل سلاسل التوريد التي تحتاج إليها قطاعات واسعة من الاقتصاد الهندي.
وتشير البيانات إلى أن الصين لا تزال شريكا تجاريا رئيسيا للهند، في وقت تسعى فيه نيودلهي إلى جذب الاستثمارات وتنويع مصادر التكنولوجيا دون السماح بعودة الاعتماد الكامل على بكين. وفي مارس 2026، أقرت الحكومة الهندية تعديلات على قواعد الاستثمار من الدول التي تشترك معها في حدود برية، بهدف تسريع الموافقات على استثمارات محددة في قطاعات التصنيع، مع الإبقاء على القيود في المجالات الحساسة.
ويبدو أن الهند تحاول بذلك بناء هامش مناورة يسمح لها بالتعامل مع الصين اقتصاديا من دون التخلي عن حساباتها الأمنية والسياسية تجاهها.
الحدود ترسم سقف التقارب
يبقى العامل الحدودي أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين. فرغم انخفاض حدة التوتر العسكري مقارنة بالسنوات التي أعقبت اشتباك 2020، فإن انعدام الثقة لم يختف، كما أن النزاع على أجزاء من الحدود لا يزال قائما. وتربط نيودلهي بوضوح بين استمرار الهدوء الحدودي وبين إمكان تطوير العلاقات الثنائية.
ومن هنا، فإن أي إعادة ضبط للعلاقات الاقتصادية ستظل مرتبطة بدرجة التقدم في الملف الأمني. وفي الوقت ذاته، تدرك الهند أن القطيعة الاقتصادية الكاملة مع الصين ستكون مكلفة، خصوصا مع استمرار اعتماد قطاعات التصنيع والتكنولوجيا على الواردات الصينية.
طريق ثالث بين بكين وواشنطن
تسعى الهند في النهاية إلى صياغة مسار مستقل لا يقوم على الاصطفاف الكامل مع أي من القوتين. فهي تعزز شراكاتها مع الولايات المتحدة والغرب في ملفات الأمن والتكنولوجيا، لكنها لا تريد أن تتحول هذه الشراكات إلى قطيعة اقتصادية مع الصين.
وفي المقابل، فإن بكين تسعى إلى الحفاظ على موقعها داخل الاقتصاد الهندي وسلاسل التوريد الآسيوية، بينما تعمل نيودلهي على تقليل المخاطر وتنمية بدائل محلية. لذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى إعادة تنظيم العلاقة من إعادة بنائها بالكامل.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الهند والصين تتحركان نحو تقارب اقتصادي محسوب، لا نحو تسوية شاملة للخلافات. فالتجارة تحتاج إلى مزيد من التعاون، وسلاسل الإمداد تفرض قدرا من الاعتماد المتبادل، بينما تواصل الخلافات الحدودية والمنافسة الجيوسياسية وضع حدود واضحة أمام أي تطبيع كامل للعلاقات.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5922

