تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم “أنصار الله”، أحد أبرز الفاعلين غير الدوليين في المنطقة؛ وقد برزت كقوة مسيطرة على جزء كبير من شمال اليمن منذ سنوات الحرب الأهلية، وتتهم أطراف إقليمية ودولية الجماعة بتلقي دعم عسكري ولوجستي من إيران، ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة” الذي يضم حلفاء طهران في عدة دول عربية.
هذه العلاقة لم تعد مقتصرة على الدعم السياسي، بل امتدت إلى التعاون العسكري وتبادل الخبرات في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة، ما عزز قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، بما في ذلك استهداف مصالح في البحر الأحمر وربط تحركاتهم بسياقات إقليمية أوسع، مثل الحرب في غزة والتوتر مع إسرائيل.
البعد الإقليمي للصراع
تطور دور الحوثيين من حركة محلية إلى فاعل إقليمي جعل اليمن جزءًا من معادلة أمنية أكبر تمتد إلى الخليج العربي ومضيق هرمز وباب المندب. وقد أشار مسؤولون إيرانيون سابقًا إلى أن باب المندب لا يقل أهمية عن هرمز من الناحية الاستراتيجية، في إشارة إلى إمكانية استخدامه كورقة ضغط في أي مواجهة إقليمية.
هذا التداخل بين الجبهات جعل البحر الأحمر جزءًا من شبكة صراع متعددة الطبقات، حيث تتقاطع مصالح إيران مع جماعات حليفة لها في اليمن، في مقابل تحركات دولية تهدف إلى حماية حرية الملاحة. ومع استمرار التوتر، تبقى المخاوف قائمة من توسع نطاق المواجهة ليشمل مناطق أوسع.
الداخل اليمني
في مقابل هذا البعد الجيوسياسي، يعيش اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. فوفق تقديرات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 18 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في ظل انهيار البنية التحتية، وتدهور الخدمات الصحية، وانعدام الأمن الغذائي في أجزاء واسعة من البلاد.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن الصراع المستمر أدى إلى تفاقم الانقسام الداخلي، وفرض قيود على الحريات العامة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما في ذلك التضييق على الإعلام والمجتمع المدني، واعتقال معارضين ونشطاء. كما ساهمت الحرب في انهيار الاقتصاد المحلي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق.
إدارة الحوثيين للمجتمع
تعتمد جماعة الحوثي في حكمها للمناطق الخاضعة لسيطرتها على بنية تنظيمية مركزية تجمع بين السلطة الأمنية والإدارية والفكرية. ويُتهم التنظيم بفرض منظومة فكرية مستندة إلى مفهوم “الولاية”، مع استخدام مؤسسات تعليمية وإعلامية لتعزيز خطابها السياسي والديني.
كما تشير تقارير بحثية إلى وجود نظام رقابة محلي واسع، يشمل تعيين مشرفين على المستويات الإدارية المختلفة، إضافة إلى أجهزة أمنية تعمل على مراقبة النشاط السياسي والاجتماعي. هذا النموذج، بحسب محللين، يعكس طبيعة الحكم القائم على السيطرة المركزية وتقييد الفضاء العام.
البحر الأحمر
تصاعد التهديدات في باب المندب والبحر الأحمر دفع المجتمع الدولي إلى تعزيز الوجود البحري في المنطقة لحماية الملاحة الدولية. ومع ذلك، فإن استمرار التوترات يطرح تساؤلات حول قدرة الحلول العسكرية على معالجة جذور الأزمة، في ظل تعقيدات سياسية داخلية وإقليمية متشابكة.
كما أن ارتباط الأزمة اليمنية بالصراع الإيراني الأمريكي يضيف طبقة إضافية من التعقيد، حيث تتحول الساحة اليمنية إلى نقطة تقاطع لمصالح متعارضة، ما يجعل أي تسوية سياسية شاملة أكثر صعوبة.
ساحة اشتباك غير مباشر
يعود مضيق باب المندب إلى واجهة المشهد الدولي بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم؛ فبينما تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، تتزايد المخاوف من تحوله إلى ساحة اشتباك غير مباشر بين قوى إقليمية ودولية، في مقدمتها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، عبر ساحة اليمن حيث تسيطر جماعة الحوثي على مساحات واسعة من الشمال الغربي.

هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للصراع الإقليمي الذي امتد من الخليج إلى البحر الأحمر، حيث أصبحت الممرات البحرية نقاط ضغط استراتيجية تستخدمها أطراف النزاع في معادلات الردع والتأثير. ومع تصاعد التوترات، بات باب المندب يُنظر إليه كحلقة مكملة لمضيق هرمز، ما يعزز من أهميته الجيوسياسية ويضاعف في الوقت نفسه من مخاطر تعطله.
باب المندب
يمثل مضيق باب المندب بوابة حيوية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمر عبره ما يقارب 10% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى جزء مهم من حركة الشحن التجاري بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. هذه الأهمية جعلته نقطة محورية في حسابات الأمن البحري العالمي، خصوصًا في ظل تزايد الهجمات والتهديدات التي طالت الملاحة في السنوات الأخيرة.
منذ عام 2023، تصاعدت الهجمات البحرية المرتبطة بالحوثيين ضد السفن في البحر الأحمر، ما أدى إلى اضطراب واسع في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، ودفع العديد من الشركات إلى إعادة توجيه مساراتها البحرية بعيدًا عن المنطقة. ورغم التراجع النسبي في بعض الفترات، فإن احتمالات عودة التصعيد ما تزال قائمة، خاصة مع استمرار التوتر الإقليمي الأوسع.
مستقبل غامض
يبدو مستقبل باب المندب واليمن مرهونًا بتوازنات دقيقة بين القوى الإقليمية والدولية. فاستمرار التوتر يهدد ليس فقط استقرار اليمن، بل الأمن الاقتصادي العالمي، في حين أن أي تهدئة مستدامة تتطلب معالجة شاملة للصراع الداخلي اليمني وتفاهمات إقليمية أوسع.
وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية، يبقى اليمن عالقًا في قلب معادلة معقدة تجمع بين الجغرافيا الاستراتيجية والصراع السياسي والأزمة الإنسانية، في مشهد يعكس واحدة من أكثر بؤر التوتر حساسية في العالم اليوم.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4626


