الأكثر قراءة

أمريكا وإيران في الأمم المتحدة.. استعراض العضلات واجترار المظلوميات

أ. د. علاء الدين عبد العزيز السباعي – أستاذ...

معركة صامتة تحت هرمز.. مسيرات وغواصات في مرمى نيران إيران

تفتح واقعة إعلان الحرس الثوري الإيراني احتجاز مسيرة أمريكية...

قناة بنما أمام تحديات متصاعدة.. المياه والأمن والتجارة في اختبار واحد

لم تعد قناة بنما تواجه تحديًا واحدًا يتعلق بحركة...

رأس الجسر البلوشي في إيران.. هل تفتح أمريكا جبهة جديدة؟

دينيس كوركودينوف، الرئيس التنفيذي للمركز الدولي للتحليل والتنبؤ السياسي...

قراءة في صندوق الاقتراع البلطيقي.. صراع السيادة والاقتصاد على حدود الناتو الشرقية

زياد حيده ــ محلل سياسي ومتخصص في العلاقات الدوليةتُشكل...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

شؤون عسكرية وإستخباريةاليمن على أعتاب حرب جديدة.. صواريخ الحوثيين تختبر صمود جبهات الحكومة

اليمن على أعتاب حرب جديدة.. صواريخ الحوثيين تختبر صمود جبهات الحكومة

لم تتغير خريطة السيطرة العسكرية في اليمن بصورة كبيرة منذ هدنة 2022، لكن قواعد الاشتباك بدأت تتبدل على نحو ينذر بانتهاء مرحلة «لا حرب ولا سلام» التي عاشتها البلاد لسنوات. فبينما كثف الحوثيون هجماتهم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على مواقع بعيدة عن خطوط التماس، رفعت القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليا جاهزيتها، وبدأت تتعامل بصورة أكثر حزما مع محاولات التسلل والتحشيد العسكري.

ولا تعني هذه التطورات أن معركة شاملة قد بدأت بالفعل، إذ لم تنفذ حتى الآن عملية برية واسعة قادرة على تغيير خريطة السيطرة. لكن التصعيد الجاري يكشف عن مسار مختلف؛ فالحرب يمكن أن تعود تدريجيا عبر ضربات بعيدة المدى، وتعزيزات عسكرية، واستهداف المنشآت الاقتصادية، وتغيير قواعد الرد، قبل أن تتحول المواجهة إلى هجوم بري واسع.

المخا.. ضربات تشل الميناء

يقدم ميناء المخا صورة واضحة عن طبيعة التصعيد الجديد، بعدما توقف عن العمل إثر سلسلة من الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. وقال مدير الميناء الدكتور عبدالملك الشرعبي إن المنشأة تعرضت لأكثر من 35 ضربة استهدفت المنطقة الاقتصادية والرصيف والمنشآت اللوجستية والمعدات وورش العمل والمباني الإدارية ومساكن الموظفين.

وبحسب المعطيات المحلية، أسفرت الهجمات عن مقتل 16 شخصا وإصابة 22 آخرين، بينما توقفت حركة الملاحة في الميناء. وتشير المعلومات العسكرية في الساحل الغربي إلى أن عدد الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقت باتجاه المخا خلال موجة التصعيد الأخيرة اقترب من 90، وهو ما يكشف حجم الضغط الناري الذي تتعرض له المنطقة.

حرب بلا سيطرة على الأرض

تكشف ضربات المخا عن تحول مهم في طبيعة الحرب اليمنية؛ إذ لم يعد الاستيلاء على الأرض شرطا لإلحاق خسائر استراتيجية بالخصم. فالسيطرة على الميناء ليست ضرورية لتعطيله، إذ يكفي استهداف الأرصفة والمنشآت اللوجستية والمعدات لإيقاف حركة التجارة ورفع كلفة العمليات الاقتصادية والعسكرية.

وتمنح هذه الاستراتيجية الحوثيين قدرة على التأثير في مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، كما تسمح لهم بإرباك خصومهم دون الدخول في معارك برية مكلفة. فالصاروخ لا يحتاج سوى ثوان للوصول إلى هدفه، لكن الأضرار التي يخلفها في منشأة اقتصادية قد تستمر لأسابيع أو أشهر.

السعودية تعزز معسكر الحكومة

ويأتي هذا التصعيد في ظل استمرار الدور السعودي باعتباره الداعم الرئيسي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا. فقد واصلت الرياض تقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري، إلى جانب تمويل مشاريع تنموية وإعادة إعمار عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

ولا يقتصر الدعم السعودي على المؤسسات الحكومية، بل يشمل أيضا قوات مرتبطة بالمعسكر المناهض للحوثيين، بينها قوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي وقوات درع الوطن في مناطق حضرموت ومأرب. ويمنح هذا الدعم القوات الحكومية وحلفاءها قدرة أكبر على تعزيز مواقعهم والاستعداد لاحتمال اتساع المواجهة.

إيران حاضرة خلف المشهد

في المقابل، يرتبط الحوثيون بعلاقة وثيقة مع إيران، ما يجعل أي تصعيد إقليمي بين طهران وخصومها قابلا للانعكاس مباشرة على الساحة اليمنية. ومن هنا، قد تكون زيادة الهجمات الصاروخية والمسيرة مرتبطة بالتوتر الإقليمي، إلى جانب محاولة الحوثيين ردع القوات الحكومية عن التفكير في شن هجوم واسع.

وتخشى الجماعة من أن يؤدي تحسن قدرات القوات المدعومة من السعودية إلى تغيير ميزان القوى على الأرض، ولذلك يمكن أن تكون الضربات بعيدة المدى وسيلة لإبقاء خصومها تحت الضغط، ومنعهم من استغلال الهدوء النسبي لإعادة تنظيم صفوفهم والاستعداد لمعركة جديدة.

صاروخ يسقط في منطقة حوثية

ولا تقتصر مخاطر التصعيد على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، إذ يمكن للأسلحة بعيدة المدى أن تهدد المدنيين حتى في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. فقد سقط صاروخ باليستي مؤخرا على منزل مدني في قرية العكامة بمديرية مقبنة غربي تعز، ما أدى إلى أضرار كبيرة ونفوق عدد من المواشي، دون تسجيل ضحايا بشرية وفق المعلومات الأولية.

ويرجح سكان محليون أن الصاروخ أطلق من اتجاه محافظة إب أو مديرية شرعب وكان في طريقه إلى المخا، قبل أن يسقط بعيدا عن هدفه. وتبرز الحادثة إحدى أخطر نتائج انتشار الصواريخ بعيدة المدى، وهي أن الخطأ في المسار قد يحول مناطق بعيدة عن المعارك إلى ساحات خطر مباشر.

تعز تختبر استعداد الحكومة

إذا كانت المخا تكشف مدى وصول القوة النارية الحوثية، فإن تعز تمثل اختبارا لقدرة القوات الحكومية على منع تحول التصعيد إلى اختراق بري. وفي هذا السياق، عقد قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء الركن حمدي حسن شكري اجتماعات مع قيادة محور تعز وقادة الوحدات العسكرية لمراجعة الانتشار والتطورات الميدانية واحتياجات الجبهات ومستوى التنسيق والجاهزية.

وتؤكد القوات الحكومية أنها تصدت لمحاولات تسلل حوثية على خطوط التماس، كما استهدفت تجمعات وتعزيزات عسكرية في الجبهة الشمالية. ويشير ذلك إلى أن المعركة الحالية لا تدور بالضرورة حول الاستيلاء على مدن أو مناطق جديدة، وإنما حول منع الخصم من تغيير الوضع القائم وفتح ثغرات في خطوط الدفاع.

سنوات الجمود تصنع دفاعا أقوى

منحت سنوات الجمود العسكري القوات الحكومية فرصة لمعرفة طبيعة الأرض ومسارات التحرك المحتملة وطرق الإمداد وممرات التسلل. وفي تعز، يمكن لهذه الخبرة أن تساعد القوات على اكتشاف التحركات الحوثية قبل وصولها إلى مواقع الهجوم، واستهداف التعزيزات قبل تحولها إلى عملية اقتحام واسعة.

لكن هذه المزايا لا تعني أن القوات الحكومية حققت تفوقا استراتيجيا حاسما. فالقدرة على الدفاع ومنع الاختراق تختلف عن القدرة على شن هجوم واسع وتثبيت السيطرة على مناطق جديدة، خصوصا في بيئة جبلية معقدة تمتلك فيها جماعة الحوثي خبرة طويلة في حرب الاستنزاف.

العليمي يغير قواعد الرد

التحول الأبرز قد يكون سياسيا أكثر منه عسكريا، مع تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بأن الحكومة لن تقبل باستمرار الوضع الذي يحدد فيه الحوثيون توقيت الهجوم ومكانه، ثم يتوقعون من الطرف الآخر ضبط النفس. وأكد العليمي أن مرحلة «العدوان بلا تكلفة» انتهت، في رسالة تعكس استعداد الحكومة للرد بصورة أكبر.

وإذا تحولت هذه التصريحات إلى سياسة عسكرية فعلية، فإن قواعد الاشتباك قد تتغير بصورة جوهرية. فبدلا من احتواء الضربات المحدودة بردود محدودة، قد تسعى الحكومة إلى جعل كل هجوم حوثي مكلفا، بهدف بناء نوع من الردع يمنع الجماعة من توسيع عملياتها.

لكن سياسة الردع تحمل في الوقت نفسه خطر الانزلاق. فإذا اعتقدت الحكومة أن زيادة الرد ستجبر الحوثيين على التراجع، بينما اعتقد الحوثيون أن تصعيد الهجمات سيجبر الحكومة على التراجع، فقد يدخل الطرفان في دائرة متصاعدة من الردود المتبادلة دون أن يكون أي منهما راغبا في البداية بحرب شاملة.

هل تعود الحرب الكبرى؟

قد لا تشبه الحرب اليمنية المقبلة، إذا اندلعت، السنوات الأولى من الصراع. فالصواريخ والطائرات المسيرة والمدفعية واستهداف الموانئ والمنشآت الاقتصادية وخطوط الإمداد باتت عناصر أكثر أهمية في تحديد قدرة كل طرف على الصمود.

ولهذا لن يكون السؤال الأساسي مستقبلا هو من يسيطر على مدينة أو جبل فقط، وإنما من يستطيع إبقاء موانئه مفتوحة، وتأمين طرق الإمداد، وتعويض خسائره، وتحريك قواته، والحفاظ على التنسيق بين الجبهات المختلفة.

وتبرز هنا أهمية تعز ومأرب وحضرموت والساحل الغربي، باعتبارها مناطق يمكن أن تحدد ما إذا كان التصعيد سيبقى محصورا في ضربات متبادلة، أم يتحول إلى مواجهة متعددة الجبهات. فالمخا أصبحت مؤشرا على قدرة الحوثيين على إلحاق أضرار استراتيجية من مسافة بعيدة، بينما تمثل تعز اختبارا لقدرة القوات الحكومية على منع هذه الضغوط من التحول إلى اختراق بري.

وهكذا، تبدو خطوط الجبهة اليمنية ثابتة على الخرائط، لكن ما يجري خلفها يتغير بسرعة؛ فتعزيز القوات، وتكثيف الضربات بعيدة المدى، واستهداف البنية الاقتصادية، وتغيير قواعد الرد، كلها مؤشرات على أن الهدوء الذي أعقب هدنة 2022 لم يعد يضمن استمرار الجمود، وأن عودة الحرب قد تبدأ تدريجيا قبل أن تظهر على شكل هجوم بري شامل.

 

مقالات ذات صلة