الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

اقتصادبكين تعيد كتابة قواعد العالم.. رؤية صينية لنظام دولي متعدد الأقطاب

بكين تعيد كتابة قواعد العالم.. رؤية صينية لنظام دولي متعدد الأقطاب

بينما ينشغل العالم بحروب الشرق الأوسط وأوكرانيا، قررت الصين أن توجه رسالة مختلفة إلى المجتمع الدولي، عبر إصدار ورقة بيضاء من 45 صفحة بعنوان “حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافا.. مبادئ بكين ومقترحاتها وإجراءاتها”، تكشف فيها عن رؤية صينية لمستقبل النظام الدولي.

وتزامن نشر الوثيقة مع صدور مواقف دول مجموعة السبع بشأن قضايا العالم، في خطوة تعكس رغبة بكين في تقديم نفسها باعتبارها لاعباً رئيسياً لا يكتفي بالمشاركة في النظام الدولي، بل يسعى إلى إعادة تشكيل قواعده بما يتناسب مع موازين القوى الجديدة.

رؤية صينية

وتحاول الصين من خلال هذه الوثيقة ترسيخ خطاب سياسي جديد يقوم على التعددية القطبية، وتعزيز دور الأمم المتحدة، ومنح دول الجنوب العالمي مساحة أكبر في صنع القرار الدولي، لكنها في الوقت ذاته تواجه تساؤلات بشأن استعدادها لتحمل الأعباء الاقتصادية والسياسية التي صاحبت تاريخياً قيادة النظام العالمي.

من المشاركة إلى إعادة صياغة النظام الدولي

لم تعد بكين تنظر إلى نفسها كدولة تستفيد فقط من النظام الدولي القائم، بل أصبحت تتحدث بصورة أكثر وضوحاً عن ضرورة إصلاحه وإعادة توزيع النفوذ داخله.

وتؤكد الورقة البيضاء أن العالم لم يعد يشبه مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما صيغت المؤسسات الدولية الحالية، إذ باتت الدول النامية تمثل غالبية سكان العالم، كما أصبحت تمتلك وزناً اقتصادياً متزايداً يستدعي إعادة النظر في آليات صنع القرار داخل المؤسسات الدولية.

ومن هذا المنطلق، تدعو الصين إلى بناء نظام دولي أكثر توازناً يعكس التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة.

رؤية صينية

ترتكز المبادرة الصينية على ثلاثة مبادئ رئيسية تعتبرها بكين أساس النظام العالمي الجديد.

أولها، الانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، بحيث لا تهيمن قوة واحدة على إدارة الشؤون العالمية.

أما الركيزة الثانية فتتمثل في الحفاظ على الأمم المتحدة باعتبارها المؤسسة المركزية لإدارة العلاقات الدولية، مع رفض السياسات الأحادية التي تتجاوز الشرعية الدولية.

في حين تدعو الركيزة الثالثة إلى منح دول الجنوب العالمي دوراً أكبر في صياغة القواعد الاقتصادية والسياسية والأمنية الدولية، بما يعكس وزنها الحقيقي في الاقتصاد العالمي.

الجنوب العالمي  

تحاول الصين تقديم نفسها بوصفها ممثلاً لمصالح الدول النامية، مؤكدة أن المؤسسات الدولية الحالية لا تزال تعكس ميزان القوى القديم الذي تهيمن عليه الاقتصادات الغربية.

ولهذا تدعو إلى توسيع تمثيل الدول النامية داخل المؤسسات المالية الدولية، ومنحها مشاركة أكبر في رسم السياسات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية.

كما تسعى بكين إلى توسيع مفهوم التعاون بين دول الجنوب بحيث لا يقتصر على التنمية الاقتصادية، بل يشمل أيضاً الأمن والتكنولوجيا والحوكمة الرقمية، وهو ما يمنح الصين مساحة أوسع لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي.

استغلال تراجع الدور الأمريكي

تأتي الوثيقة في توقيت ترى فيه بكين أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة من التراجع النسبي في قدرتها على قيادة النظام الدولي.

فالانقسامات السياسية الداخلية، والتغيرات المتكررة في السياسة الخارجية الأمريكية، والانتقادات الموجهة لبعض الإدارات بشأن التعامل مع القانون الدولي، دفعت كثيراً من الدول إلى التساؤل حول مستقبل القيادة الأمريكية للعالم.

رؤية صينية

وتحاول الصين استثمار هذه اللحظة عبر تقديم نفسها كمدافع عن النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة، مع التأكيد أنها لا تسعى إلى هدم المؤسسات الحالية، بل إلى إصلاحها بما يحقق توازناً أكبر في توزيع النفوذ العالمي.

طموحات سياسي كبير

رغم الطموح السياسي الواضح، فإن الورقة البيضاء تخلو من أي التزامات مالية كبيرة يمكن أن تدعم تنفيذ هذه الرؤية.

وهنا يبرز الفارق بين التجربة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية والتوجه الصيني الحالي؛ فقد قادت الولايات المتحدة النظام الدولي الجديد آنذاك عبر تمويل إعادة إعمار أوروبا من خلال “مشروع مارشال”، وإنشاء مؤسسات مالية دولية، وتقديم ضمانات أمنية واسعة لحلفائها.

أما الصين، فتكتفي حالياً بتقديم المبادئ العامة والدعوة إلى التعاون، دون الإعلان عن برامج تمويل عالمية ضخمة أو تعهدات اقتصادية مشابهة.

ويرى محللون أن تباطؤ الاقتصاد الصيني، إضافة إلى تركيز الحكومة على تطوير التكنولوجيا والصناعة المحلية، جعلا بكين أكثر حذراً في تمويل مشاريع خارجية واسعة النطاق، خاصة بعد تقليص الإنفاق المرتبط بمبادرة “الحزام والطريق”.

نفوذ فكري أكثر من قيادة مالية

يشير عدد من الخبراء إلى أن الصين لا تسعى بالضرورة إلى تكرار النموذج الأمريكي في قيادة العالم، بل تعمل على بناء شكل مختلف من النفوذ يعتمد على التأثير الفكري والسياسي.

فبدلاً من تقديم مساعدات مالية هائلة أو تحمل مسؤوليات أمنية واسعة، تركز بكين على صياغة مفاهيم جديدة حول السيادة والتنمية والأمن، في محاولة لإعادة تعريف قواعد العلاقات الدولية بما يخدم مصالحها ومصالح شركائها.

ويعتبر هذا النهج جزءاً من استراتيجية تهدف إلى كسب التأييد السياسي داخل المؤسسات الدولية، خاصة بين الدول النامية التي تشعر بأن النظام العالمي الحالي لا يمنحها التمثيل الذي تستحقه.

نظام عالمي جديد

يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الرؤية الصينية قادرة على التحول إلى واقع عملي؛ فالتجارب التاريخية تشير إلى أن قيادة النظام الدولي لا تعتمد فقط على امتلاك رؤية سياسية، وإنما تتطلب أيضاً استعداداً لتحمل أعباء مالية وأمنية ضخمة.

ورغم نجاح الصين في توسيع حضورها الدبلوماسي والاقتصادي خلال العقدين الماضيين، فإن قدرتها على ترجمة طموحاتها إلى مؤسسات فعالة ستظل مرتبطة بمدى استعدادها لتوفير الموارد اللازمة لدعم هذا المشروع.

وفي الوقت الحالي، تبدو بكين وكأنها تقدم للعالم لغة جديدة لإدارة النظام الدولي تقوم على التعددية والتمثيل الأوسع، لكنها لم تحسم بعد ما إذا كانت مستعدة لدفع التكلفة التي تفرضها زعامة النظام العالمي، وهو ما سيحدد مستقبل مشروعها في السنوات المقبلة.

 

مقالات ذات صلة