الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

شؤون عسكرية وإستخباريةتحالف السلاح في مالي.. صراع داخلي معقّد أم حرب نفوذ دولية؟

تحالف السلاح في مالي.. صراع داخلي معقّد أم حرب نفوذ دولية؟

لم تعد الأزمة في مالي مجرد مواجهة محدودة بين الجيش والجماعات المسلحة، بل تحولت إلى صراع مركّب تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، والداخل بالإقليم، والميدان العسكري بحسابات النفوذ الدولي، حيث تشهد البلاد تصعيدًا أمنيًا متسارعًا بعد سلسلة هجمات منسقة استهدفت مواقع حكومية، تزامنت مع فرض حصار جزئي على العاصمة باماكو، ما يشير إلى دخول الأزمة مرحلة أكثر تعقيدًا.

وتأتي هذه التطورات في ظل حكم المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا، الذي وصل إلى السلطة عام 2020، بينما تتزايد الاتهامات بتداخل عوامل إقليمية ودولية في مسار الصراع؛ وبين تعقيدات الداخل وتشابكات الإقليم، تبدو مالي أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم مستقبلها السياسي والأمني بشكل كامل.

بداية التصعيد.. هجمات منسقة تضرب قلب الدولة

بدأت موجة التصعيد الأخيرة بهجمات نوعية شنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المتحالفة مع تنظيم القاعدة، بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد، التي تضم مقاتلين من الطوارق والعرب في شمال البلاد. واستهدفت هذه الهجمات مواقع استراتيجية، من بينها محيط القصر الرئاسي، والمطار، وقاعدة “كاتي” العسكرية، التي تُعد مركزًا حساسًا في بنية السلطة العسكرية.

لم تكن هذه العمليات مجرد ضربات عسكرية تقليدية، بل عكست مستوى عالٍ من التنسيق والتخطيط، ما دفع مراقبين إلى اعتبارها نقطة ذروة في مسار تصعيدي مستمر منذ أكثر من عام، وليس بداية جديدة للصراع.

الحصار والتمدد.. خنق باماكو والسيطرة على الشمال

في أعقاب الهجمات، أعلنت الجماعات المسلحة فرض حصار على العاصمة باماكو، عبر إغلاق الطرق الحيوية المؤدية إليها، في خطوة تهدف إلى شلّ الحركة الاقتصادية والضغط على الحكومة. بالتوازي، تمكنت هذه الجماعات من توسيع نطاق سيطرتها في الشمال، خاصة في مدينة كيدال الاستراتيجية، التي تُعد معقلاً تاريخياً لمتمردي الطوارق.

السودان بين توازن السلاح وغياب المشروع الوطني

كما شهدت مناطق أخرى مثل تمبكتو وغورما رهاروس مواجهات عنيفة، مع تقارير عن انسحاب القوات الحكومية من بعض القواعد العسكرية، ما يعكس تراجعًا ميدانياً يثير القلق بشأن قدرة الجيش على الاحتفاظ بمواقعه في مناطق واسعة من البلاد.

تحالفات غير تقليدية.. بين الانفصاليين والجهاديين

أحد أبرز ملامح التصعيد الحالي هو التحالف غير المسبوق بين جماعات ذات خلفيات أيديولوجية مختلفة. فالتنسيق بين جماعة جهادية مرتبطة بالقاعدة وحركات انفصالية علمانية نسبياً، يعكس تحوّلاً في طبيعة الصراع، حيث بات الهدف المشترك هو إسقاط النظام الحاكم، بغض النظر عن التباينات الفكرية.

ويرى محللون أن هذا التقارب لم يكن ليحدث لولا وجود عوامل خارجية ساهمت في بناء الثقة بين هذه الأطراف، إلى جانب حالة الضعف التي تعاني منها الدولة، ما وفر بيئة مناسبة لتلاقي المصالح بين هذه الجماعات.

البعد الدولي.. صراع نفوذ يتجاوز حدود مالي

لا يمكن فهم ما يجري في مالي بمعزل عن التنافس الدولي في منطقة الساحل. فمنذ طرد القوات الفرنسية، اتجهت باماكو نحو تعزيز علاقاتها مع روسيا، التي أصبحت شريكاً أمنياً رئيسياً للنظام العسكري.

في المقابل، تُتهم قوى غربية، وعلى رأسها فرنسا، بمحاولة استعادة نفوذها في المنطقة، وسط حديث عن دعم غير مباشر لبعض الجماعات المسلحة. وبين هذا وذاك، تتحول مالي إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى دولية، في ما يشبه “حرباً باردة” جديدة على النفوذ في الساحل.

إخفاقات داخلية.. أزمة حكم وتآكل الشرعية

إلى جانب العوامل الخارجية، تواجه حكومة غويتا تحديات داخلية كبيرة، أبرزها تراجع الدعم الشعبي، خاصة بعد حل الأحزاب السياسية وتأجيل المسار الانتقالي نحو الحكم المدني. كما أدى توتر العلاقات مع دول الجوار، مثل الجزائر والسنغال وساحل العاج، إلى زيادة عزلة مالي إقليمياً.

ويُضاف إلى ذلك الفشل في تحسين الأوضاع الأمنية والمعيشية، ما ساهم في تنامي نفوذ الجماعات المسلحة، التي نجحت في استغلال هذا الفراغ لتقديم نفسها كبديل في بعض المناطق، رغم طابعها المتشدد.

تصعيد عسكري إقليمي.. تدخلات جوية وتنسيق ثلاثي

في محاولة لاحتواء الوضع، شنت كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو عمليات عسكرية مشتركة، تضمنت غارات جوية على مواقع المسلحين في الشمال. ويعكس هذا التنسيق تصاعد المخاوف من امتداد الفوضى إلى دول الجوار، خاصة في ظل الروابط العابرة للحدود بين الجماعات المسلحة.

ورغم هذه العمليات، لا تزال النتائج محدودة، إذ تمكنت الجماعات من الحفاظ على مواقعها في عدة مناطق، بل وتوسيع نطاق عملياتها، ما يشير إلى أن الحل العسكري وحده قد لا يكون كافياً لإنهاء الأزمة.

المشهد الحالي: توازن هش على حافة الانهيار

تعيش مالي حالياً حالة من التوازن الهش، حيث لا يمتلك أي طرف القدرة على حسم الصراع بشكل نهائي. فالحكومة تسيطر على العاصمة وبعض المراكز الحضرية، بينما تفرض الجماعات المسلحة نفوذها في مناطق واسعة من الشمال والوسط.

الأصول الليبية المجمدة.. ثروة سيادية بين قيود العقوبات واختبار الحوكمة الدولية

هذا الوضع يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، خاصة في ظل استمرار الدعم الخارجي للأطراف المختلفة، وغياب أفق سياسي واضح للحل.

سيناريوهات محتملة.. بين الحسم والانفجار

في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الأزمة في مالي. يتمثل الأول في تمكن النظام بقيادة أسيمي غويتا من استعادة زمام المبادرة عسكرياً، ما قد يؤدي إلى استقرار مؤقت لكنه يحمل مخاطر تصعيد داخلي وانتقامي.

أما السيناريو الثاني، فيتعلق بنجاح الجماعات المسلحة في إضعاف النظام إلى حد فرض تغيير سياسي، سواء عبر عودة الحكم المدني أو إعادة تشكيل السلطة، وهو احتمال يبقى ضعيفاً في ظل تشتت هذه الجماعات.

في المقابل، يبرز سيناريو ثالث يُعد الأكثر ترجيحاً، يتمثل في حدوث انقلاب داخلي على غويتا من داخل المؤسسة العسكرية، بهدف احتواء الأزمة وامتصاص الضغوط، ويبقى السيناريو الأخطر هو انزلاق البلاد إلى فوضى شاملة، مع اتساع رقعة المواجهات وتحول مالي إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، وهو ما قد يهدد استقرار منطقة الساحل بأكملها.

مقالات ذات صلة