بينما تحاول أرمينيا وأذربيجان تثبيت مسار دبلوماسي ينهي عقودًا من الصراع حول ناغورنو كاراباخ، تبرز معركة أخرى أقل ظهورًا من المواجهات العسكرية، لكنها لا تقل حساسية: معركة الرواية التاريخية وهوية المواقع الدينية والثقافية في الإقليم. ففي سبتمبر 2026، اصطحبت السلطات الأذربيجانية عشرات الدبلوماسيين وممثلي منظمات دولية في جولة إلى مواقع تاريخية في ناغورنو كاراباخ، بينها غاندزاسار وداديفانك، وقدمت السلطات بعض هذه المواقع ضمن إطار التراث المسيحي لألبانيا القوقازية. وأثارت الجولة انتقادات من جهات أرمنية رأت فيها محاولة لإعادة تعريف هوية مواقع ارتبطت تاريخيًا بالوجود الأرمني.
وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، إذ إن أي تقدم في العلاقات بين باكو ويريفان لا يتعلق فقط بترسيم الحدود وفتح طرق النقل وتطبيع العلاقات، وإنما يحتاج أيضًا إلى معالجة آثار الحرب والتهجير والذاكرة الجماعية. ولذلك أصبح التراث الأرمني في ناغورنو كاراباخ عنصرًا إضافيًا في اختبار مدى قدرة الطرفين على بناء رواية تسمح بالتعايش بدل تحويل التاريخ إلى امتداد للصراع السياسي.
جولة دبلوماسية تعيد ملف التراث إلى الواجهة
خلال الجولة التي جرت في سبتمبر، زار ممثلو عشرات الدول والمنظمات الدولية مواقع في ناغورنو كاراباخ تحت إشراف مسؤولين أذربيجانيين. ووفق مصادر أرمنية، قُدمت أديرة غاندزاسار وداديفانك باعتبارها جزءًا من تراث ألبانيا القوقازية، بينما تقول باكو إن البحث في تاريخ ألبانيا القوقازية يمثل جزءًا من دراسة التراث المسيحي للمنطقة.
وتؤكد الرواية الأذربيجانية الرسمية أن ألبانيا القوقازية كانت حضارة تاريخية مهمة في المنطقة، وأن بعض الكنائس والأديرة التي تُنسب عادة إلى التراث الأرمني ترتبط بهذا التاريخ. وفي سبتمبر 2026، أعلنت جهات أذربيجانية تشكيل مجموعات بحثية لدراسة هذا التراث اعتمادًا على وثائق أرشيفية ومصادر أولية، بما في ذلك مواقع تقع داخل أرمينيا الحالية.
أرمينيا ترى في الرواية التاريخية تهديدًا للهوية
في المقابل، تنظر جهات أرمنية إلى هذه السياسة باعتبارها محاولة لتقليص الارتباط التاريخي للأرمن بالإقليم. وقالت منظمات مدنية أرمنية إن تقديم الأديرة الأرمنية على أنها مواقع ألبانية قوقازية خلال زيارة الدبلوماسيين يثير مخاوف بشأن حماية التراث الثقافي وإمكانية إعادة صياغة هوية المواقع بعد خروج السكان الأرمن من المنطقة.
ولا تقتصر المخاوف على الخطاب الرسمي. فقد وثقت تقارير ومنظمات متخصصة أضرارًا وتغييرات طالت بعض المواقع الثقافية في ناغورنو كاراباخ منذ انتقال السيطرة إلى أذربيجان. وأشار البرلمان الأوروبي في قرار سابق إلى مخاوف جدية بشأن حماية التراث الديني والتاريخي الأرمني، ودعا إلى إجراءات دولية لحماية المواقع المعرضة للخطر.
ما بعد نزوح الأرمن من الإقليم
تضاعفت حساسية الملف بعد التطورات العسكرية في سبتمبر 2023، التي أعادت ناغورنو كاراباخ إلى السيطرة الأذربيجانية وأدت إلى نزوح الغالبية الساحقة من السكان الأرمن في الإقليم إلى أرمينيا. وتختلف الأطراف بشأن توصيف هذه التطورات؛ إذ تقول أذربيجان إن السكان غادروا في أعقاب انتهاء الإدارة الانفصالية، بينما وصفت جهات حقوقية وسياسية عملية النزوح بأنها تهجير قسري أو تطهير عرقي. وفي مايو 2026، أشارت رويترز إلى أن نحو 100 ألف أرمني من كاراباخ فروا إلى أرمينيا بعد سيطرة أذربيجان على المنطقة.
ومع غياب السكان الذين حافظوا لعقود على استخدام الكنائس والأديرة والمقابر والمواقع التاريخية، أصبحت مسألة الحفاظ على هذه الأماكن أكثر تعقيدًا. فالموقع الأثري أو الديني لا يمثل بالنسبة إلى طرفي النزاع مجرد مبنى، بل يحمل ذاكرة جماعية يمكن أن تصبح جزءًا من تعريف الحق في الأرض والانتماء إليها.
من التاريخ إلى قضية سياسية
تكمن خطورة الخلاف في أن الروايات التاريخية يمكن أن تتجاوز حدود البحث الأكاديمي لتؤثر في المواقف السياسية المعاصرة. فإعادة تعريف هوية موقع ديني أو ثقافي قد تبدو في ظاهرها قضية تاريخية، لكنها تصبح أكثر حساسية عندما ترتبط بأسئلة مثل: من عاش في المنطقة؟ ومن يملك الحق في اعتبارها موطنًا تاريخيًا؟ وهل يمكن للاجئين والنازحين المطالبة بالعودة إلى أماكن كانت مرتبطة بمجتمعاتهم؟
وفي هذا السياق، يثير استخدام تعبير “أذربيجان الغربية” من جانب مؤسسات أذربيجانية اهتمامًا إضافيًا في أرمينيا، خصوصًا مع توسع الحديث عن التراث الألباني القوقازي في مناطق تقع داخل أرمينيا الحالية. وقد أعلنت “جماعة أذربيجان الغربية” في سبتمبر تشكيل مجموعة بحثية لدراسة مواقع دينية وتاريخية في مناطق مثل زانغيزور ودَرَلايَاز وحوض بحيرة غويشا، معتبرة أن هذه المواقع جزء من تراث تاريخي أذربيجاني.
السلام لا يقتصر على الحدود والطرق
يمثل هذا الملف تحديًا لمسار التطبيع بين البلدين، لأن الاتفاقات السياسية تستطيع معالجة الحدود والأمن والمواصلات، لكنها لا تحسم بالضرورة النزاعات المتعلقة بالذاكرة والهوية. وفي سبتمبر 2026، حذرت مبادرة سلام أرمنية من أن الخطاب المتعلق بالمواقع الدينية قد يزيد انعدام الثقة في وقت تحاول فيه أرمينيا وأذربيجان الانتقال من عقود من الصراع إلى علاقات جديدة.
وفي المقابل، تؤكد أذربيجان أن جهودها الحالية تندرج ضمن حماية وإعادة تأهيل التراث التاريخي في المناطق التي استعادت السيطرة عليها، كما تقول إن تاريخ المنطقة يجب أن يُدرس اعتمادًا على الوثائق والمصادر الأولية، وليس على رواية طرف واحد. وتقول مؤسسات أذربيجانية إن لديها مشروعات لإعادة الإعمار وترميم المواقع التاريخية والدينية في كاراباخ والمناطق المحيطة بها.
التراث أمام اختبار الرقابة الدولية
مع تصاعد الخلاف، تزداد أهمية وجود آليات مستقلة لتوثيق المواقع وحالتها، خصوصًا أن المنظمات الدولية سبق أن دعت إلى حماية التراث الثقافي في المنطقة. وكان الاتحاد الأوروبي قد شدد على أهمية حماية المواقع التاريخية والدينية، ودعا إلى إشراك مؤسسات دولية في مراقبة التراث المعرض للخطر.
ويصبح التحدي أكبر عندما تكون المعلومات الميدانية متاحة أساسًا عبر طرف يسيطر على المنطقة. فقد ذكرت تقارير حديثة أن الوصول إلى ناغورنو كاراباخ يخضع للسيطرة الأذربيجانية، بينما وثقت صور الأقمار الصناعية، وفق تقارير متخصصة، عمليات هدم أو تغييرات في عدد من المواقع الثقافية خلال عام 2026.
وبذلك يتحول التراث الأرمني في ناغورنو كاراباخ من قضية ثقافية إلى ملف يرتبط مباشرة بمستقبل المصالحة بين البلدين، في ظل تنافس الروايات حول تاريخ المنطقة، وتزايد الحاجة إلى توثيق مستقل للمواقع، وضمان عدم استخدام الهوية الدينية والتاريخية كأداة لإعادة إنتاج الخلافات التي سبقت الحروب.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5900

