الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

سياسةترامب بين مأزق إيران وتراجع الهيمنة الأمريكية

ترامب بين مأزق إيران وتراجع الهيمنة الأمريكية

محمد هويدي – كاتب وباحث سياسي

لم يكن ما جرى داخل اجتماع مجلس البيت الأبيض مجرد لحظة ارتباك سياسي عابرة، بل بدا أقرب إلى انعكاس علني لأزمة عميقة تعيشها الإدارة الأمريكية في إدارة أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العالم اليوم.

فعندما يخلط الرئيس الأمريكي بين إيران وفنزويلا، ويهدد سلطنة عُمان — الحليف التقليدي والوسيط الإقليمي الهادئ — بالقصف، ثم يعيد استخدام ورقة التطبيع الخليجي كأداة ضغط سياسية، فإننا لا نكون أمام خطاب قوة بقدر ما نكون أمام مشهد يكشف حجم التوتر والتخبط داخل واشنطن.

المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في التصريحات، بل في الخلفية السياسية والاستراتيجية التي تنتج هذا النوع من الخطاب. الولايات المتحدة تبدو اليوم وكأنها تدير ملفات الشرق الأوسط بعقلية متناقضة: تريد احتواء إيران دون الذهاب إلى حرب شاملة، وتريد فرض التطبيع الإقليمي دون تقديم ضمانات حقيقية لحلفائها، كما تحاول الحفاظ على الهيمنة العسكرية والسياسية في وقت تتراجع فيه قدرتها الاقتصادية والاستراتيجية على تحمل كلفة هذا الدور.

الخليج لم يعد كما كان

لسنوات طويلة، اعتمدت واشنطن على معادلة واضحة: الحماية الأمريكية مقابل الاصطفاف السياسي الكامل. لكن هذه المعادلة بدأت بالتآكل تدريجياً، خصوصاً بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير.

دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وحتى عُمان، باتت تدرك أن العالم يتغير، وأن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة ثابتة كما كان في السابق.
الحرب في أوكرانيا، الصعود الصيني، عودة روسيا إلى الشرق الأوسط، التراجع الأمريكي في أفغانستان، ثم التردد في مواجهة الهجمات التي طالت منشآت النفط الخليجية في السنوات الماضية، كلها عوامل دفعت هذه الدول لإعادة التفكير في مفهوم الأمن والتحالفات.

مأزق إيران

من هنا يمكن فهم الانفتاح الخليجي المتدرج على إيران، ومحاولات بناء توازنات إقليمية جديدة تقوم على تخفيف التصعيد بدل الذهاب نحو مواجهة شاملة.
وهذا تحديداً ما يثير قلق واشنطن، لأن أي تقارب خليجي ـ إيراني يعني تراجع الحاجة للدور الأمريكي بوصفه “الحامي الوحيد” للمنطقة.

أزمة واشنطن الحقيقية

الولايات المتحدة لا تواجه اليوم أزمة نفوذ فقط، بل أزمة قدرة على إدارة النفوذ نفسه؛ هناك فارق كبير بين امتلاك القوة العسكرية وبين القدرة على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية مستقرة. وهذا ما تعانيه واشنطن بوضوح في الشرق الأوسط.

فبعد عقود من الحروب والتدخلات، تبدو الولايات المتحدة مرهقة عسكرياً واقتصادياً وحتى نفسياً؛ الإنفاق العسكري الهائل، الاستنزاف في أكثر من جبهة، الانقسام الداخلي الأمريكي، وأزمات الطاقة والتضخم، كلها تجعل أي مغامرة جديدة في المنطقة أكثر خطورة وأعلى كلفة.

الأهم من ذلك أن واشنطن لم تعد تملك حرية الحركة ذاتها التي كانت تتمتع بها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؛ اليوم هناك روسيا، وهناك الصين، وهناك قوى إقليمية صاعدة، وهناك أيضاً رأي عام عالمي أكثر تشككاً بالرواية الأمريكية.

حتى أدوات الضغط التقليدية، مثل العقوبات الاقتصادية، لم تعد تحقق النتائج نفسها. إيران ما زالت قادرة على المناورة، وروسيا تجاوزت جزءاً كبيراً من العقوبات الغربية، والصين مستمرة بالصعود الاقتصادي رغم كل محاولات الاحتواء.

ترامب ومأزق الخيارات المستحيلة

ترامب يدرك أن أي اتفاق مع إيران سيُستخدم ضده داخلياً باعتباره تراجعاً سياسياً بعد سنوات من الخطاب المتشدد. لكنه يدرك أيضاً أن الذهاب نحو مواجهة مفتوحة ليس قراراً سهلاً، لأن كلفته قد تكون كارثية على الاقتصاد الأمريكي وأسواق الطاقة وحتى على حظوظه السياسية.

إيران اليوم ليست معزولة بالكامل كما كانت سابقاً، بل أصبحت جزءاً من شبكة علاقات إقليمية ودولية معقدة، تمتد من الصين وروسيا إلى علاقات التهدئة مع الخليج.
كما أن أي تصعيد في الخليج سيهدد مباشرة مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ما يعني أن الحرب لن تبقى مجرد مواجهة عسكرية، بل ستتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية عالمية.

وهنا يظهر التناقض الأمريكي بوضوح:
– واشنطن تريد الضغط على إيران، لكنها تخشى انفجار أسعار النفط.
– تريد حماية إسرائيل، لكنها لا تريد حرباً إقليمية واسعة.
– تريد فرض التطبيع، لكنها تدرك أن المنطقة لم تعد تتحرك بالكامل وفق الإرادة الأمريكية.

لماذا تهدد واشنطن حلفاءها؟

الدول الواثقة من قوتها لا تضغط على حلفائها بهذه الطريقة العلنية والمباشرة؛ التهديدات الأمريكية الأخيرة تجاه عُمان والسعودية لا يمكن فصلها عن حالة القلق داخل واشنطن من فقدان السيطرة التدريجية على المنطقة.

عُمان تحديداً تمثل نموذجاً مزعجاً للسياسة الأمريكية الحالية، لأنها تلعب دور الوسيط الهادئ بين طهران وواشنطن، وتحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجميع. وهذا النوع من السياسات لم يعد ينسجم مع عقلية الاستقطاب الحاد التي تحاول بعض الدوائر الأمريكية فرضها.

أما السعودية، فهي تتحرك اليوم بمنطق مختلف عن السابق؛ الرياض لم تعد تريد الدخول في مواجهات مفتوحة دون ضمانات واضحة، كما أنها تعمل على تنويع شراكاتها الدولية والاقتصادية، سواء مع الصين أو روسيا أو حتى ضمن مشاريعها الإقليمية الجديدة.

وهذا ما يجعل واشنطن أكثر توتراً، لأن المنطقة التي اعتادت قيادتها لعقود بدأت تدريجياً بالخروج من تحت العباءة الأمريكية التقليدية.

الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة مرتبطة بشخص ترامب أو بإدارته فقط، بل يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي والإقليمي.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل واسعة، تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية المطلقة، مقابل صعود توازنات أكثر تعقيداً وتعددية.

المنطقة لم تعد تتحمل حروباً كبرى، ودولها بدأت تبحث عن صيغ جديدة للاستقرار تقوم على التهدئة والانفتاح الاقتصادي وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية.
لكن في المقابل، ما زالت واشنطن تحاول إدارة المنطقة بعقلية قديمة تقوم على الضغوط العسكرية والسياسية والتحالفات الصلبة.

لهذا تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تخوض معركة للحفاظ على نفوذ يتآكل تدريجياً، بينما تتحرك قوى أخرى لملء الفراغ وإعادة رسم الخريطة السياسية والاستراتيجية للشرق الأوسط.

الخلاصة أن ما نشهده ليس مجرد “إدارة أزمة”، بل أزمة داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وأزمة في شكل الدور الأمريكي العالمي؛ أما الأيام القادمة، فقد تحمل مؤشرات أكثر وضوحاً على أن المنطقة تتجه فعلاً نحو مرحلة جديدة، تتغير فيها موازين القوة والتحالفات

مقالات ذات صلة