الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةترقيق اليورانيوم.. هل يصبح مفتاح تسوية أزمة ترامب وإيران؟

ترقيق اليورانيوم.. هل يصبح مفتاح تسوية أزمة ترامب وإيران؟

بعد تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، التي أكد فيها أن الوكالة لا تملك مؤشرات على نقل إيران لموادها النووية منذ آخر عمليات التفتيش، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الجزم بذلك من دون استئناف عمليات التحقق الميداني، عاد الملف النووي الإيراني ليتصدر المشهد الدولي

وبينما تتواصل النقاشات السياسية حول مستقبل المفاوضات بين طهران والغرب، برز مصطلح “ترقيق اليورانيوم” باعتباره أحد الخيارات التقنية المطروحة للتعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو خيار يجمع بين الاعتبارات العلمية والأبعاد السياسية والأمنية. وفي الوقت نفسه، تظل المنشآت النووية الإيرانية الخمس الكبرى محور اهتمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، باعتبارها تضم البنية الأساسية لدورة الوقود النووي الإيرانية، بدءًا من تحويل الخام وحتى التخصيب وتشغيل المفاعلات.

ملف الترقيق يعود إلى الواجهة

تصريحات جروسي جاءت في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لاستئناف الرقابة على البرنامج النووي الإيراني بعد فترة طويلة من تراجع عمليات التفتيش، وهو ما أعاد النقاش حول الخيارات الفنية التي يمكن أن تحد من المخاوف المرتبطة بمستويات التخصيب المرتفعة.

ويُنظر إلى ترقيق اليورانيوم باعتباره حلًا تقنيًا يسمح بخفض نسبة التخصيب دون التخلص من المادة النووية نفسها، إذ تتحول من مادة عالية التخصيب إلى أخرى مناسبة للاستخدامات المدنية، وهو ما يمنح الوكالة والدول المعنية هامشًا أوسع لضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي إذا ما جرى تنفيذه تحت رقابة دولية كاملة.

ما المقصود بترقيق اليورانيوم؟

ترقيق اليورانيوم هو عملية فنية تهدف إلى خفض نسبة نظير اليورانيوم-235 داخل المادة النووية، عبر مزج اليورانيوم عالي التخصيب مع يورانيوم منخفض التخصيب أو يورانيوم طبيعي، للوصول إلى نسب أقل تتناسب مع تشغيل المفاعلات المدنية.

ترقيق اليورانيوم

ولا تعني هذه العملية إزالة اليورانيوم أو التخلص منه، بل إعادة ضبط تركيبته النظائرية، بحيث يصبح أقل قدرة على الدخول في استخدامات تتطلب نسب تخصيب مرتفعة، مع الاحتفاظ بإمكان استخدامه لاحقًا في إنتاج الوقود النووي للمفاعلات الكهربائية.

الأساس العلمي وراء العملية

يتكون اليورانيوم الطبيعي في معظمه من نظير يورانيوم-238 بنسبة تتجاوز 99%، بينما يمثل نظير يورانيوم-235 نحو 0.7% فقط، وهو النظير المسؤول عن التفاعل الانشطاري الذي تعتمد عليه المفاعلات والأسلحة النووية.

وعندما تُرفع نسبة يورانيوم-235 بواسطة أجهزة الطرد المركزي تتكون مادة مخصبة، وكلما ارتفعت النسبة زادت القدرة الانشطارية للمادة. أما في عملية الترقيق، فتُخفض هذه النسبة بطريقة حسابية دقيقة دون تغيير العنصر الكيميائي نفسه، وإنما عبر تعديل نسب النظائر داخله.

كيف تتم عملية الترقيق؟

تبدأ العملية بتحويل اليورانيوم إلى صورة كيميائية مناسبة للمعالجة، وغالبًا ما يكون ذلك في هيئة غاز سداسي فلوريد اليورانيوم (UF6)، وهو الشكل المستخدم أيضًا في عمليات التخصيب داخل أجهزة الطرد المركزي.

بعد ذلك يُخلط اليورانيوم عالي التخصيب مع مادة تحتوي على نسبة أقل من يورانيوم-235 وفق معادلات دقيقة تضمن الوصول إلى النسبة المطلوبة، ثم يُعاد تحويل المادة إلى شكل أكثر استقرارًا مثل أكسيد اليورانيوم لتسهيل التخزين أو الاستخدام في تصنيع الوقود النووي.

خصائص المادة بعد الترقيق

يسهم خفض نسبة التخصيب في تقليل النشاط الانشطاري للمادة، ما يجعلها أكثر استقرارًا وأقل حساسية للظروف التشغيلية، كما ترتفع الكتلة الحرجة اللازمة لبدء تفاعل نووي متسلسل، وهو ما يزيد من هامش الأمان أثناء النقل والتخزين.

بروفة سرية في إفريقيا.. كيف مهد الموساد لسرقة الأرشيف النووي الإيراني؟

ومن الناحية الفنية، تصبح المادة بعد الترقيق ملائمة للاستخدام داخل المفاعلات النووية المدنية، لكنها تفقد الخصائص المرتبطة بمستويات التخصيب المرتفعة التي تثير المخاوف بشأن الاستخدامات العسكرية المحتملة.

الأنشطة النووية الإيرانية

تتركز البنية الأساسية للبرنامج النووي الإيراني في خمس منشآت رئيسية، تمثل حلقات متكاملة في دورة الوقود النووي، وتخضع جميعها لاهتمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويأتي في مقدمة هذه المواقع مجمع نطنز بمحافظة أصفهان، الذي يُعد أكبر منشأة لتخصيب اليورانيوم في إيران ويضم أعدادًا كبيرة من أجهزة الطرد المركزي، إلى جانب منشأة فوردو الواقعة داخل جبل بمحافظة قم، والتي تتميز بتحصينها العالي وقدرتها على تشغيل أجهزة طرد مركزي متطورة.

دورة الوقود النووي

تشمل المواقع الرئيسية أيضًا مجمع أصفهان للتحويل النووي، المسؤول عن تحويل خام اليورانيوم إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم اللازم للتخصيب، إضافة إلى إنتاج مركبات وسيطة تدخل في مختلف مراحل دورة الوقود.

كما تضم القائمة مفاعل أراك للماء الثقيل، الذي يمثل المسار المرتبط بإنتاج البلوتونيوم، فضلًا عن محطة بوشهر النووية المدنية التي تعتمد على وقود مستورد لإنتاج الكهرباء وتخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ماذا يوجد داخل هذه المنشآت

تحتوي هذه المواقع على مخزونات متنوعة من اليورانيوم الطبيعي والمنخفض والمتوسط وعالي التخصيب، بالإضافة إلى أجهزة طرد مركزي من طرازات متعددة، أبرزها IR-1 وIR-6، التي تتمتع بكفاءة أعلى في عمليات التخصيب مقارنة بالأجيال الأقدم.

وتضم المنشآت كذلك مرافق لتحويل ومعالجة اليورانيوم، ومستودعات لتخزين المواد النووية، ومنشآت مرتبطة بإنتاج الوقود النووي، بما يجعلها تمثل العمود الفقري الكامل للبرنامج النووي الإيراني.

أهمية الرقابة الدولية

ترى الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن عمليات التفتيش الميداني تمثل الوسيلة الوحيدة للتحقق من أماكن وجود المواد النووية وكمياتها ومستويات تخصيبها، إذ لا يمكن الاعتماد فقط على التقديرات أو صور الأقمار الصناعية لإثبات الوضع الفعلي للمخزون.

ولهذا شدد جروسي على أن الوكالة تحتاج إلى استئناف الزيارات الميدانية من أجل التأكد من عدم حدوث تغييرات منذ آخر عمليات التفتيش، خاصة مع استمرار الجدل بشأن حجم المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.

الموقف الإيراني

في المقابل، نفت طهران وجود أي اتفاق أو مفاوضات تسمح حاليًا بعودة مفتشي الوكالة إلى المنشآت التي تعرضت لأضرار خلال الضربات الأمريكية والإسرائيلية، مؤكدة أن التصريحات المتداولة بهذا الشأن لا تعكس الواقع.

وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن التعاون مع الوكالة سيستمر ضمن الالتزامات القائمة في إطار اتفاق الضمانات ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لكنها أوضحت أنه لا توجد في الوقت الحالي خطط لزيارة المواقع المتضررة أو إجراء عمليات تفتيش استثنائية.

الترقيق بين الحل التقني والحسابات السياسية

من الناحية الفنية، يُعد ترقيق اليورانيوم إجراءً معروفًا في إدارة الوقود النووي، ويمكن أن يسهم في تقليل المخاطر المرتبطة بامتلاك مخزونات مرتفعة التخصيب، خاصة إذا نُفذ تحت إشراف دولي كامل وبآليات تحقق دقيقة.

لكن تطبيق هذا الخيار لا يتوقف على الجوانب العلمية وحدها، إذ يرتبط أيضًا بمدى استعداد إيران للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبالتفاهمات السياسية التي قد تُبرم بين طهران والقوى الدولية بشأن مستقبل برنامجها النووي، وهو ما يجعل العملية التقنية جزءًا من معادلة سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا من مجرد خفض نسبة التخصيب.

 

مقالات ذات صلة