زياد حيده ــ محلل سياسي ومتخصص في العلاقات الدولية
في لحظة فارقة تُجسد تحول العقل السياسي الأمريكي من منطق التحالفات الاستراتيجية الممتدة إلى عقيدة المقايضة الفورية، فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العواصم الحليفة بمنشور خاطف يعلن فيه صدور أوامر صريحة للبنتاغون بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية (“درع الحرية أولتشي”).
لم تكن المفاجأة في جوهر القرار التكتيكي بحد ذاته، بل في توقيته الصادم الذي وافق صباح يوم انطلاق التدريبات بالفعل، وفي المبررات التي صيغ بها؛ إذ وصفت واشنطن هذه المناورات -التي استُثمر في إعدادها أشهر طويلة- بأنها “مكلفة ماليًا” وترسل إشارات “عدائية وغير مناسبة” تجاه بيونغ يانغ.
إن هذا التطور لا يمكن قراءته كإجراء تنفيذي عابر داخل أروقة وزارة الدفاع الأمريكية، بل يتعداه ليكون بياناً استراتيجياً يعلن عن سيادة مفهوم “المزايدة الأمنية” والمساومة المكشوفة في السياسة الخارجية الأمريكية، على حساب المظلة الأمنية المشتركة التي شكلت ركيزة الاستقرار في منطقة الهند والهادئ لعقود طوال.
شخصنة الدبلوماسية وعقيدة المقايضة المعاملاتية
يكشف قرار تقليص المناورات عن نمط مركب في سلوك إدارة ترامب، يعتمد بالأساس على تفكيك الالتزامات المؤسسية لصالح الصفقات الفردية، ويمكن تبسيط أبعاد هذا السلوك في مسارين أساسيين:
المسار الأول يتمثل في شخصنة العلاقات وتأطير الخطاب الرئاسي؛ حيث يسعى ترامب إلى استثمار علاقته الشخصية بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون لصناعة اختراق دبلوماسي سريع يغطي على كبوات خارجية أخرى في ملفات إقليمية معقدة كالملف الإيراني. ومن هذا المنطلق، أعاد البيت الأبيض تعريف الهدف الاستراتيجي للمناورات؛ فبدلاً من كونها أداة أصلية للحفاظ على الجاهزية والردع المتكامل، أصبحت في الخطاب الأمريكي “عبئاً مالياً واستفزازاً غير مبرر”. إن تبني هذا الطرح يتماشى شكلياً مع مطالب بيونغ يانغ، لكنه يمثل في جوهره محاولة أحادية الجانب لاستدراج الشمال إلى طاولة المفاوضات دون ضمانات مسبقة.

المسار الثاني يتعلق بعقيدة “المزايدة” والمقايضة الأمنية المباشرة؛ إذ لم يتردد ترامب في ربط الملف الأمني بكوريا الجنوبية بملفات نائية لا تجمعها معها رابطة أمنية مباشرة، حيث عبر عن امتعاضه من رفض سيول الانضمام إلى الحملة الأمريكية المتعلقة بنزع السلاح النووي لإيران. تعكس هذه المقايضة تحولاً راديكالياً في فلسفة التحالفات؛ إذ تحولت المظلة الأمنية من التزام استراتيجي ثابت يضمن الاستقرار الإقليمي إلى “عقد خدمة” يتم تقييمه دورياً بأسلوب تجاري قائم على الربح والخسارة والمواقف السريعة.
التحولات الجيوسياسية واهتزاز الردع الاستراتيجي
يترتب على هذا النهج ارتدادات استراتيجية واسعة النطاق تتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية لتمس بنية الأحلاف الدولية:
أولاً، تآكل مصداقية الردع الأمريكي؛ فإن إلغاء أو خفض مناورات عسكرية رئيسية في لحظة انطلاقها ينقل رسالة إرباك شديدة إلى حلفاء واشنطن في شرق آسيا وفي عواصم حلف شمال الأطلسي (الناتو). تضعف هذه القرارات الفجائية الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية، وترسل إشارات ضبابية إلى الخصوم مفادها أن الالتزامات الدفاعية الأمريكية خاضعة للتغيير السريع والمزاجي.
ثانياً، تغير معادلة القوة لدى بيونغ يانغ؛ تستند الفرضية الأمريكية إلى أن خفض المناورات سيمثل لفتة إيجابية تدفع بيونغ يانغ للعودة إلى مسار التهدئة، إلا أن هذه الفرضية تتجاهل التحول الجيوسياسي العميق في الموقف الكوري الشمالي. لم تعد بيونغ يانغ تعاني من العزلة الشديدة؛ إذ تمكن كيم جونغ أون من صياغة شراكة استراتيجية وعسكرية متينة مع روسيا، تضمنت تبادلاً للعتاد والخبرات الميدانية بفضل حرب أوكرانيا، إلى جانب المظلة الاقتصادية التي توفرها الصين. نتيجة لذلك، أصبحت بيونغ يانغ تملك هوامش مناورة أوسع، وتتمسك بشرعيتها كقوة نووية قائمة، مما يجعل اللفتات الأمريكية الأحادية غير كافية لتحريك موقفها دون تقديم تنازلات جوهرية تشمل الاعتراف بوضعها النووي القائم.
ثالثاً، الدفع نحو الاستقلالية الدفاعية في سيول؛ أمام هذا التذبذب المستمر، تجد القيادة الكورية الجنوبية نفسها في موقف استراتيجي معقد. فعلى الرغم من محاولات العاصمة سيول احتواء الأزمة علنياً وتفادي التصادم مع واشنطن، فإن القراءة العميقة تشير إلى تزايد القناعة داخل الأوساط السياسية والعسكرية الجنوبية بضرورة تسريع خطوات الاعتماد على الذات. قد يتجلى هذا التحول في المطالبة بنقل السيطرة الميدانية المباشرة في زمن الحرب، أو حتى تعالي الأصوات الداعية لتطوير خيارات ردع خاصة لحماية الأمن القومي بعيداً عن المظلة الأمريكية التقليدية.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5448

