رغم امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية أكثر الجيوش تطورًا في العالم من حيث التكنولوجيا والتسليح والقدرات الاستخباراتية، فإن حرب الـ39 يومًا مع إيران كشفت عن تحدٍ استراتيجي متزايد قد يهدد قدرة واشنطن على خوض حروب طويلة الأمد.
فبينما أثبتت الأسلحة الأمريكية المتطورة فعاليتها في تنفيذ ضربات دقيقة وعالية التأثير، أظهرت المعارك أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نوعية السلاح، بل في حجم المخزون وسرعة تعويضه بعد الاستخدام المكثف. وتثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة داخل الأوساط العسكرية الأمريكية حول جاهزية القاعدة الصناعية الدفاعية لمواكبة متطلبات الصراعات الكبرى في المستقبل.
استراتيجية التعويض
هي وسيلة لتعويض الضعف بأسلوب غير متماثل، ولا سيما في مجال التنافس العسكري. فبدلاً من مجاراة الخصم في ميدان لا ترجى فيه الغلبة، تسعى الاستراتيجية إلى تحويل ساحة الصراع إلى ميدان أكثر ملاءمة، يتيح للجهة المنفذة استثمار مكامن قوتها. هدفها تجاوز نقاط الضعف، لا عبر الدخول في مواجهة مباشرة، بل بتحويل طبيعة الصراع نفسه.
وتسير هذه الاستراتيجية إلى قلب قواعد اللعبة لصالحها، بحيث تصبح المنافسة ممكنة دون التورط في كلفة لا تُحتمل أو معركة لا تُربح. وبهذا، تُعد استراتيجية التعويض نوعاً من التخطيط التنافسي بعيد المدى، يرمي إلى الحفاظ على التفوق على الخصوم المحتملين، مع السعي لصون السلم ما أمكن.
تفوق تكنولوجي
أقامت الولايات المتحدة، على مدى عقود، تفوقها العسكري على مزيج من التكنولوجيا المتقدمة والتفوق الجوي والبحري وشبكات القيادة والسيطرة الحديثة. وقد سمح ذلك للقوات الأمريكية بتحقيق نجاحات سريعة في العديد من العمليات العسكرية حول العالم.
لكن الحرب مع إيران أظهرت أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي عندما يمتد الصراع لفترة طويلة. فالاستهلاك الكبير للصواريخ الاعتراضية وصواريخ الهجوم بعيدة المدى كشف أن المخزونات الأمريكية ليست مصممة لخوض حرب استنزاف ممتدة ضد خصم يمتلك قدرات صاروخية كبيرة ومتنوعة.
مخزون الصواريخ
استخدمت الولايات المتحدة أكثر من ألف صاروخ توماهوك خلال العمليات العسكرية ضد إيران، وهو رقم يمثل نسبة كبيرة من المخزون المتاح قبل الحرب. ويُعد توماهوك أحد أهم الأسلحة الأمريكية في تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى ضد الأهداف الاستراتيجية.
المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الصواريخ المستخدمة، بل بالمدة الزمنية المطلوبة لتعويضها. فالإنتاج السنوي خلال السنوات الماضية كان محدودًا نسبيًا مقارنة بحجم الاستهلاك خلال الحرب، ما يعني أن إعادة بناء المخزون قد تستغرق عدة سنوات حتى في حال زيادة وتيرة الإنتاج داخل المصانع الأمريكية.
منظومات الدفاع الجوي
الأزمة لم تقف عند حد الصواريخ الهجومية، بل امتدت إلى منظومات الدفاع الجوي والصاروخي التي اضطرت لاعتراض أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة خلال الحرب.

وتشير تقديرات مراكز الدراسات الأمريكية إلى أن منظومات “ثاد” و”باتريوت” استهلكت أعدادًا ضخمة من الصواريخ الاعتراضية خلال فترة قصيرة. وتُعد هذه الأنظمة عنصرًا أساسيًا في حماية القواعد الأمريكية والقوات المنتشرة في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى دورها في حماية الحلفاء.
معضلة إعادة بناء المخزون
تكمن المشكلة الأساسية في أن إنتاج الصواريخ الاعتراضية لا يتم بسرعة كافية لتعويض الاستهلاك المرتفع. فبعض هذه الأنظمة تحتاج إلى سنوات قبل تسليم الدفعات الجديدة المطلوبة ضمن العقود العسكرية.
وتسعى شركات الدفاع الأمريكية إلى توسيع خطوط الإنتاج ورفع الطاقة التصنيعية، لكن هذه الجهود تواجه تحديات تتعلق بسلاسل الإمداد وتوافر المواد الخام والعمالة المتخصصة. كما أن العديد من المصانع بُنيت خلال فترات كانت فيها الحروب الكبرى أقل احتمالًا، ما أدى إلى محدودية الطاقة الإنتاجية الحالية.
استنزاف ميداني
يرى خبراء أن الأزمة الحالية ليست نتيجة الحرب مع إيران فقط، بل هي حصيلة سنوات من الاستنزاف العسكري المتواصل. فقد استهلكت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الذخائر والصواريخ خلال عملياتها في البحر الأحمر ضد الحوثيين، بالإضافة إلى دعمها المستمر لإسرائيل في مواجهة الهجمات الصاروخية.

كما ساهمت المساعدات العسكرية المقدمة إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب مع روسيا في استنزاف جزء مهم من مخزون بعض الأنظمة الدفاعية الأمريكية، خاصة صواريخ باتريوت والذخائر الموجهة عالية الدقة.
الردع العسكري
أزمة الذخائر تمثل تحديًا مباشرًا لقدرة الولايات المتحدة على الردع العسكري. فالقوة العسكرية لا تعتمد فقط على امتلاك أسلحة متطورة، بل أيضًا على القدرة على استخدامها لفترات طويلة دون فقدان الجاهزية.
وتزداد المخاوف داخل دوائر صنع القرار الأمريكية من أن أي مواجهة متزامنة في أكثر من مسرح عمليات، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، قد تضع القوات الأمريكية أمام ضغوط غير مسبوقة تتجاوز قدرات الإنتاج الحالية.
الصناعة الدفاعية الدفاعية
أعادت الحرب الجدل داخل الولايات المتحدة حول أوضاع الصناعة الدفاعية وقدرتها على دعم متطلبات الأمن القومي. فالكثير من الخبراء يرون أن واشنطن ركزت لعقود على تطوير أسلحة عالية التقنية دون الاستثمار بالقدر الكافي في توسيع القاعدة الصناعية اللازمة لإنتاجها بكميات كبيرة.
كما تواجه الصناعة العسكرية تحديات مرتبطة بالحصول على المكونات الدقيقة والمعادن النادرة وسلاسل التوريد العالمية، وهي عوامل أصبحت أكثر تعقيدًا في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة بين القوى الكبرى.
التأثير على على الحلفاء
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الولايات المتحدة وحدها، بل تمتد إلى الحلفاء الذين يعتمدون على السلاح الأمريكي. فدول مثل بولندا وتايوان وعدد من دول الشرق الأوسط ترتبط بعقود ضخمة للحصول على أنظمة دفاع جوي وصواريخ متقدمة.
وأي تأخير في الإنتاج أو إعطاء الأولوية لإعادة ملء المخزون الأمريكي قد يؤدي إلى تأجيل تسليم هذه الأنظمة، ما يثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه شركائها في مختلف أنحاء العالم.
حرب الـ39 يومًا
تكشف الحرب مع إيران أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالتكنولوجيا فقط، بل تتطلب أيضًا قدرة صناعية ضخمة تسمح بإنتاج الذخائر واستبدالها بوتيرة تتناسب مع حجم الاستهلاك في المعارك طويلة الأمد.
وقد تدفع هذه التجربة وزارة الدفاع الأمريكية إلى مراجعة خطط التسلح المستقبلية وزيادة الاستثمارات في خطوط الإنتاج الاستراتيجية، مع التركيز على بناء مخزونات أكبر من الصواريخ والذخائر الحيوية تحسبًا لأي مواجهة واسعة النطاق خلال السنوات المقبلة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
نجاح الولايات المتحدة في توسيع إنتاجها العسكري بسرعة، ما يسمح بإعادة بناء المخزونات وتعزيز جاهزيتها لمواجهة صراعات مستقبلية، وقد تستمر الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج، الأمر الذي يفرض قيودًا على قدرة واشنطن على خوض حروب طويلة ومتعددة الجبهات.
ربما يتجه البنتاجون إلى تعديل عقيدته العسكرية والتركيز على إدارة الذخائر بصورة أكثر تحفظًا مع الاعتماد بشكل أكبر على الحلفاء، وقد يتم استغلال خصوم الولايات المتحدة لهذه الثغرات عبر زيادة الضغوط العسكرية في مناطق متعددة، ما يختبر قدرة واشنطن على توزيع مواردها الدفاعية المحدودة بين أكثر من ساحة مواجهة في الوقت نفسه.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4598


