تواجه دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) تكرارًا متزايدًا لحوادث دخول الطائرات المسيّرة إلى أجوائها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ما يثير مخاوف جدية بشأن قدرة أوروبا على حماية حدودها الجوية الشرقية.
وفي الوقت الذي تتساقط الطائرات المسيّرة في دول مثل لاتفيا وبولندا ورومانيا، يتصاعد الجدل حول مدى جاهزية الدفاعات الأوروبية، وإمكانية تحوّل هذه الحوادث من “أخطاء حرب” إلى تهديد مباشر.
اختراق المسيرات لأجواء الناتو
منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، أصبحت حوادث دخول الطائرات المسيّرة إلى أراضي دول الناتو شبه متكررة. فقد سُجلت حالات في رومانيا وهنغاريا وكرواتيا وليتوانيا وبولندا، وصولًا إلى دول البلطيق مثل إستونيا ولاتفيا.
في بعض الاحيان، سقطت الطائرات في مناطق غير مأهولة، بينما في حالات أخرى تسببت بأضرار محدودة للبنية التحتية، مثل منشآت الطاقة ومستودعات الوقود.
اخر هذه الحوادث كان في لاتفيا، حيث دخلت طائرتان مسيّرتان من المجال الجوي الروسي، وانفجرت إحداهما في منشأة نفطية غير مستخدمة، ما أدى إلى أضرار مادية ورفع حالة التأهب.
حرب المسيّرات
تطرح هذه الحوادث تساؤلات معقدة حول طبيعة الطائرات المسيّرة ومسارها؛ فبينما تشير بعض التقديرات إلى أن أنظمة الحرب الإلكترونية أو حرب المسيرات قد تؤدي إلى انحراف الطائرات عن أهدافها، يذهب آخرون إلى احتمال وجود عمليات توجيه متعمدة نحو أراضي الناتو.
في الحرب الأوكرانية، تُستخدم تقنيات التشويش وإعادة التوجيه بشكل واسع، ما يجعل التمييز بين “الخطأ التقني” و”الفعل المتعمد” أمرًا شديد التعقيد؛ هذا الغموض يزيد من حساسية الموقف، لأن أي استنتاج خاطئ قد يؤدي إلى تصعيد سياسي أو عسكري بين روسيا وحلف الناتو.
حادث بولندا 2025
من اكثر الحوادث التي أثارت القلق داخل الناتو أو كما يطلق عليها الآن حرب المسيّرات، دخول ما لا يقل عن 19 طائرة مسيّرة إلى المجال الجوي البولندي قادمة من بيلاروسيا. وقد تم رصدها لاحقًا كنسخة غير مسلحة من طائرات “شاهد” الإيرانية.
ردّت بولندا حينها بإقلاع مقاتلات F-16، بمساندة مقاتلات F-35 من هولندا ودول أخرى، وتم إسقاط عدد من الطائرات.
هذا الحادث كشف فجوة واضحة في أنظمة الإنذار المبكر والتصدي السريع للطائرات منخفضة التكلفة، مقارنة بتعقيد الرد العسكري عليها.
هشاشة “الجدار الجوي الأوروبي”
رغم الحديث المتكرر عن إنشاء ما يُعرف بـ”لجدار الأوروبي للطائرات المسيّرة”، إلا أن الواقع يشير إلى بطء في التنفيذ؛ حيث يمتد الحد الشرقي للاتحاد الأوروبي والناتو لأكثر من 2000 كيلومتر، وهو ما يجعل تأمينه تحديًا تقنيًا وماليًا هائلًا.
يتطلب هذا النظام شبكة متكاملة من رادارات متقدمة وأجهزة استشعار صوتية وكهرومغناطيسية وأنظمة مراقبة بصرية ومراكز قيادة وسيطرة موحدة، لكن حتى الآن، لا تزال هذه المنظومة في مراحل التطوير والتنسيق بين الدول، دون جاهزية كاملة.
سباق التطوير
تجدر الإشارة إلى أن الحرب في أوكرانيا تعتبر مختبر مفتوح لتطوير تقنيات الطائرات المسيّرة، فقد طورت روسيا طائرات متنوعة من حيث المدى والحمل والقدرة على التخفي، بينما تعمل أوكرانيا وحلفاؤها على تحسين أنظمة التشويش والإسقاط.

هذا السباق التكنولوجي يجعل أي نظام دفاعي ثابت غير كافٍ، ويفرض الحاجة إلى تحديث مستمر وسريع للأنظمة الدفاعية.
الأبعاد السياسية داخل الناتو
تعكس بعض الحوادث الأخيرة، مثل استقالة وزير الدفاع في لاتفيا بعد حادثة الطائرة المسيّرة البعد السياسي الداخلي لهذه الأزمة.
فقد بدا الرأي العام في بعض الدول يشكك في قدرة الحكومات على حماية الأجواء في ظل حرب المسيّرات، ما يضع ضغطًا إضافيًا على صناع القرار لتسريع تطوير الدفاعات الجوية.
السيناريوهات المستقبلية
من المرجح أنه إذا استمرت وتيرة اختراق الطائرات المسيّرة دون ردع فعال، قد يتآكل مفهوم “الردع الجوي”” داخل الناتو تدريجيًا، ما يشجع على مزيد من الاختراقات غير المباشرة.
وربما قد تنجح مبادرة “الدفاع الأوروبي ضد الطائرات المسيّرة” في بناء شبكة مراقبة متكاملة بحلول 2027، ما يعزز قدرة الردع ويقلل من هذه الحوادث بشكل كبير.
وقد يستمر الوضع الحالي مع مزيج من الحوادث العرضية والتشويش الإلكتروني، دون تصعيد مباشر، لكن مع بقاء خطر التصعيد قائمًا في أي لحظة بسبب سوء التقدير أو حادث واحد كبير.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4449


