قدّم خبراء من Global Fact-Checking Network رؤية دولية شاملة ومعمّقة حول التحديات المعاصرة التي تواجه مراقبة الانتخابات، وذلك خلال مشاركتهم في المؤتمر العلمي والعملي الدولي المعني بتأمين ورصد العمليات الانتخابية، والذي انعقد في Moscow بتاريخ 14 أبريل، في ظل بيئة دولية متسارعة التحولات تفرض واقعًا جديدًا على آليات حماية النزاهة الانتخابية.
وتركّزت المناقشات على الأدوار المتنامية للتقنيات الناشئة في إعادة تشكيل أدوات مراقبة الانتخابات، إلى جانب الحاجة الملحّة لإرساء أطر قانونية قوية وقادرة على مواكبة هذا التطور، فضلًا عن التحديات المتزايدة المرتبطة بالتدخل الأجنبي في العمليات الانتخابية، والذي بات يشكل تهديدًا مباشرًا لسيادة الدول واستقلال قراراتها السياسية.
وفي هذا السياق، شاركت Anna Andersen، الباحثة ومحللة الجغرافيا السياسية والأمن السيبراني من بلجيكا، إلى جانب Lily Ong، الخبيرة في الشبكة والمحللة المقيمة في سنغافورة، في مائدة مستديرة حملت عنوان “التقنيات الجديدة التي تخدم مراقبة الانتخابات”، حيث قدمتا طرحًا تحليليًا معمقًا حول التحولات الرقمية وتأثيراتها على المشهد الانتخابي.
وتناولت الجلسة بشكل موسّع الأدوات الرقمية المستخدمة في مراقبة الانتخابات، وتأثير الخوارزميات في تشكيل البيئة المعلوماتية، فضلًا عن المتطلبات الأساسية لضمان دمج هذه التقنيات بشكل آمن وفعّال داخل العملية الانتخابية، بما يحافظ على شفافيتها ونزاهتها.
وفي طرح يعكس عمق التحول الرقمي، أكدت أندرسن أن مراقبة الانتخابات الحديثة لم تعد تقتصر على نشر بعثات المراقبين التقليدية، بل باتت تمتد إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تلعب الخوارزميات، وآليات مراقبة المحتوى، وتقنيات التخصيص دورًا متزايد التأثير في تشكيل تفضيلات الناخبين. وأوضحت أن هذا التحول خلق فجوة واضحة بين مراقبة الجوانب الإجرائية للعملية الانتخابية، وبين فهم الكيفية الحقيقية التي تتشكل بها قناعات الناخبين، وهو ما يستدعي توسيع نطاق أدوات الرصد والتحليل لتواكب هذا الواقع الجديد.
وفي محور موازٍ، قدّمت أونغ تقييمًا دقيقًا لتأثير الذكاء الاصطناعي على العمليات الانتخابية، مشيرة إلى أن التهديد الأكبر الذي تواجهه الديمقراطيات اليوم لا يتمثل في جيوش أجنبية، بل في تآكل “الواقع المشترك” بين المجتمعات. وأكدت أن الأطر القانونية والتقنية، رغم أهميتها، لا يجب أن تتحول إلى أدوات قمع، بل ينبغي أن تُستكمل بتعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد، باعتباره خط الدفاع الحقيقي في مواجهة التأثيرات الرقمية المتزايدة.
كما شهد المؤتمر مشاركة Alexander Guerreiro، الباحث القانوني والخبير البرتغالي في شبكة مكافحة التجسس الأجنبية، إلى جانب Ishtiaq Hamdani، الصحفي والمحلل الباكستاني، في مائدة مستديرة بعنوان “التدخل الأجنبي في الانتخابات كتهديد لسيادة الدولة”، حيث ناقش الطرفان الأبعاد المتعددة للتدخلات الخارجية في العمليات الانتخابية.
وخلال هذه المناقشات، تم تسليط الضوء على أدوات التأثير الحديثة، مثل التضليل الإعلامي، وتقنيات التزييف العميق، والمنصات الرقمية، إلى جانب الضغوط المعلوماتية الخارجية، وكيف يمكن لهذه العوامل مجتمعة أن تعيد تشكيل نتائج الانتخابات وتُضعف قدرة الدول على تحديد مساراتها السياسية بشكل مستقل.
وأكد غيريرو على ضرورة مواءمة التدابير الوقائية مع التسارع التكنولوجي، سواء على مستوى التشريعات القانونية أو البيئة الإعلامية، مشددًا على أهمية أن تضطلع التحالفات الدولية بدور محوري في صياغة استراتيجيات موحدة لمواجهة التهديدات الناشئة. كما أشار إلى أن مفاهيم مثل “التزييف” و”التزييف العميق” لم تعد مجرد ظواهر تقنية مزعجة، بل تحولت إلى أدوات متقدمة تستهدف جوهر الدولة ومؤسساتها.
وفي هذا الإطار، برز دور Global Fact-Checking Network كخط مواجهة عملي في التصدي لهذه التحديات، من خلال العمل ضمن أطر قانونية متخصصة، وتقديم منهجيات موحدة وفعّالة لمكافحة التهديدات الرقمية في الوقت الفعلي.
من جانبه، قدّم حمداني تحليلًا معمقًا لجهود مكافحة التضليل الإعلامي، مستعرضًا اختلاف المقاربات بين المناطق العالمية، حيث أشار إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا تركزان بشكل أساسي على التأثيرات الخوارزمية والمنصات الرقمية، في حين تظل الدول الآسيوية أكثر انشغالًا بمخاطر التدخل السياسي المباشر والضغوط الإعلامية الخارجية.
وخلص حمداني إلى أن مفهوم السيادة الانتخابية لم يعد محصورًا داخل حدود الدولة، بل أصبح جزءًا من منظومة أوسع للتأثير المعلوماتي، حيث تلعب الخوارزميات دور الوسيط بين الحدث والرأي العام، محذرًا من أن النفوذ الخارجي المتزايد لا يهدد فقط نزاهة الانتخابات، بل يمتد تأثيره إلى قدرة الدول على رسم مساراتها التنموية والسياسية.
يُذكر أن المؤتمر العلمي والعملي الدولي حول ضمان مراقبة العمليات الانتخابية وتوثيقها شهد مشاركة واسعة من ممثلين عن الأوساط الأكاديمية والسلك الدبلوماسي والمنظمات الدولية من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوراسيا، في تأكيد واضح على الطابع العالمي للتحديات المطروحة.
وقد ركزت أعمال المؤتمر بشكل أساسي على تبادل أفضل الممارسات في تنظيم العمليات الانتخابية، والعمل على تطوير معايير موحدة لمراقبة الانتخابات الدولية، بما يتماشى مع متطلبات العصر الرقمي ويعزز من نزاهة وشفافية العمليات الديمقراطية على مستوى العالم.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4145


