وقّع ممثلو الأحزاب السياسية الليبية المتنافسة، اتفاقية لإجراء انتخابات وطنية طال انتظارها خلال عامين، بهدف حلّ القضايا الخلافية المتعلقة بقوانين الانتخابات وإصلاح الهيئة الوطنية للانتخابات.
وقد تعثّرت العملية السياسية الرامية إلى حلّ الصراع المستمر منذ أكثر من عقد في ليبيا، منذ انهيار الانتخابات المقررة في ديسمبر/كانون الأول 2021، إثر خلافات حول أهلية المرشحين الرئيسيين.
وجاء ذلك عقب محادثات مصغّرة، عُرفت باسم “4+4″، شارك فيها ممثلان عن كلٍّ من المؤسسات الليبية الأربع الرئيسية: حكومة الوحدة الوطنية، والمجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب، والجيش الوطني الليبي، وصرح وليد العافي، وزير الدولة للشؤون السياسية والاتصالات في حكومة الوفاق الوطني، بضرورة إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية “في غضون مدة لا تتجاوز 24 شهرًا” تحت سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
وقال شيباني أبو حمود، رئيس وفد القيادة العامة للجيش، إن مجموعة 4+4 ستعمل مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “لوضع إطار عمل خلال شهر من توقيع الاتفاق لمتابعة جميع المسائل المتعلقة بتنفيذه”.
وثيقة دستورية
ينص الاتفاق على أنه في حال عدم موافقة مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة على الاتفاق خلال شهر، ستسعى الأطراف إلى اعتماده على المستوى الوطني كوثيقة دستورية من خلال آليات وطنية واسعة النطاق، والحصول على دعم دولي عبر مجلس الأمن الدولي.
وتشهد ليبيا حالة من عدم الاستقرار والأمن منذ انتفاضة 2011 التي دعمها حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وقد دعا جميع الفاعلين السياسيين الرئيسيين في ليبيا مرارًا وتكرارًا إلى إجراء انتخابات، إلا أن العديد من الليبيين أعربوا عن شكوكهم في رغبتهم في إجراء انتخابات قد تُطيح بمعظمهم من مناصب السلطة.

وخلال جلستها الختامية في طرابلس، أعلن الحوار المنظم اليوم توصياته النهائية لتمكين إجراء انتخابات وطنية، وتوحيد مؤسسات الدولة وتعزيزها، والمساعدة في معالجة الأسباب الجذرية للصراع.
وقدّم أعضاء المسارات الأربعة للحوار المنظم استنتاجاتهم إلى نحو 200 مشارك، من بينهم أعضاء في الحوار المنظم، وممثلون عن السلك الدبلوماسي في ليبيا، وفريق دعم الأمم المتحدة. ويمكن تحميل التوصيات من موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
ترحيب أممي
وقالت الممثلة الخاصة للأمين العام، حنا تيتيه: “ما بدأ كالتزام مشترك، تحوّل إلى عملية ديناميكية وهادفة، مدفوعة بتفانيكم وخبراتكم وإيمانكم بمستقبل بلدكم. إن التحديات التي تواجه ليبيا تتطلب نقاشًا مستنيرًا، وقيادة مسؤولة، ومشاركة بنّاءة”.
وأبرزت الممثلة الخاصة للأمين العام النقاط الرئيسية المستخلصة من العملية، مشيرةً إلى أنها لمست رغبةً قويةً في التغيير، متوازنةً مع تصميم راسخ على أن يكون لليبيان دورٌ محوريٌ في هذا التغيير.
وكان الحوار غير مسبوق من حيث حجمه – إذ ضم أكثر من 120 عضواً – وشموليته. فقد ضم أعضاءً من الشرق والغرب والجنوب، وشملوا ممثلين عن المكونات الثقافية والشباب وذوي الإعاقة. وشكّلت النساء 35% من الأعضاء.
ولإشراك المزيد من الليبيين في العملية، جمعت البعثة أفكاراً من أكثر من 10,400 شخص حول القضايا قيد المناقشة باستخدام الاستبيانات وآليات أخرى. كما تم إنشاء تجمع نسائي للدفاع عن القضايا التي تهم شريحة أوسع من النساء. أُنشئت منصة رقمية استقطبت أكثر من 3200 عضو بهدف إثارة النقاش بين الشباب الليبي.
وناقش أعضاء الحوار، خلال الجلسة العامة، الدور الذي يمكنهم القيام به في حشد الدعم لنتائج مساراته الأربعة: الحوكمة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.

وإلى جانب أعضاء الحوار المنظم، تحدث في الفعالية ممثلون عن إيطاليا والاتحاد الأوروبي وقطر وفرنسا وهولندا والإمارات وألمانيا والمملكة المتحدة والصين وروسيا. كما شارك ممثلون عن الجزائر ومصر وإسبانيا وتركيا والمغرب وتونس.
توزيع النفوذ الخارجي
التدخلات الخارجية لا تدور فقط حول من يفوز في الانتخابات بل حول شكل الدولة التي ستنتجها، فمن زاوية المصالح، يرتبط الموقف الأمريكي بالنفط والاستثمار والطاقة وبمواجهة النفوذ الروسي، لذلك هي تريد انتخابات، ولكنها تريد قبلها أو بالتوازي معها صيغة سياسية وأمنية تضمن عدم انهيار ليبيا بعد الانتخابات.
أما روسيا فتنظر إلى ليبيا من زاوية أوسع، النفوذ العسكري والجيوسياسي والوصول إلى منطقة الساحل والبحر المتوسط، ولذلك فإن الأولوية الروسية ليست بالضرورة إجراء الانتخابات بأسرع وقت، وإنما الحفاظ على نفوذها وعلاقاتها مع القوى الموجودة في الشرق والجنوب.
أما تركيا، فمصلحتها ترتبط بالحفاظ على نفوذها الأمني والعسكري واتفاقاتها الاقتصادية والبحرية والطاقة، لذلك لا تبدو أنها معارضة لمبدأ الانتخابات، لكن الأهم بالنسبة إليها أن تنتج الانتخابات حكومة لا تلغي الاتفاقات التركية ولا تطالب بانسحاب النفوذ التركي من ليبيا.
وبالنسبة لأوروبا، هناك أمر وحيد هو ألا يعود شبح الهجرة إلى بلادها في حال عاد الاقتتال، لذلك ترغب بشدة عودة مؤسسات الدولة وستدعم ذلك بكل الطرق الممكنة.
بالتالي، تنظر كل دولة إلى هذه الانتخابات كفرصة للحفاظ على نفوذها خاصة وأن ليبيا تمثل لهم ساحة نفوذ دولي لا أحد يرغب بخسارتها، وهذا يفسر لماذا تتعامل القوى الخارجية مع الانتخابات باعتبارها جزءاً من صفقة سياسية وأمنية أوسع، لا مجرد عملية تصويت.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5611

