د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية
يُعد استيلاء حركة أنصار الله الشيعية اليمنية المعروفة باسم (الحوثيين) على ميناء المخا وجزر ميون (بريم) وحنيش الكبرى والصغرى والساحل اليمني المطل على البحر الأحمر بما فيه مضيق باب المندب، تحولًا خطيرًا في الحرب الإيرانية الأمريكية، حيث باتت إيران تسيطر على مضيق هرمز بصفة مباشرة من جانبها، وحوثيو اليمن المدعومون من طهران، يسيطرون على مضيق باب المندب من جانبهم، في مشهد يجعل إيران وحلفاءها لهم اليد العليا في التحكم في حركة الملاحة التجارية وعبور ناقلات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج إلى آسيا وأوروبا.
هذا المشهد لم يزد من وطأة أزمة الطاقة وارتفاع أسعار المحروقات في السوق العالمية فحسب، بل أدخل أيضًا المملكة العربية السعودية في غمار الحرب كطرف أكثر تضررًا من الوضع الراهن، جراء استهداف شركة النفط العملاقة “أرامكو” وخط تصدير الغاز “شرق غرب” في المملكة وتوقفهما عن العمل، بالإضافة إلى استهداف نقاط حيوية في العاصمة الرياض من قبل الحوثيين بالصواريخ والمسيرات.
الحقيقة لا يمكن اختزال أسباب الهجمات الحوثية على السعودية في تداعيات الحرب على إيران أو تبادل الهجمات بين إيران وحلفائها من ناحية، والولايات المتحدة وحلفائها من ناحية أخرى، فجذور الأزمة تعود إلى ما يزيد على عشر سنوات حين قام تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية، المؤيد للرئيس “عبد ربه منصور هادي”، في مارس 2015 بشن عملية “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين في أعقاب استيلائهم على العاصمة صنعاء وميناء الحُديدة الإستراتيجي، وأجزاء شاسعة وسط اليمن في سبتمبر 2014، مما اعتبرته الرياض تهديدًا أمنيًا على مشارف حدودها.
على هذا النحو غدا الحوثيون، وفق التحولات الأخيرة، يسيطرون على ما يزيد على ثلث مساحة اليمن؛ وهي مناطق تتسم بالكثافة السكانية، إذ تبلغ نسبة قاطنيها نحو 70% من إجمالي تعداد الشعب اليمني.
موقع اليمن الإستراتيجي في العالم العربي بين السعودية شمالًا وسلطنة عُمان شرقًا، وامتلاكها ساحلًا جنوبيًا على بحر العرب وساحلًا غربيًا على البحر الأحمر، وأكثر من 200 جزيرة في المياه الإقليمية، وإشرافها على مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي عبر قناة السويس، منح الحوثيين ورقة رابحة في ممارسة ضغوط قصوى على الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، عن طريق عرقلة حركة الملاحة في البحر الأحمر، وتهديدها في الكثير من الأحيان، مما دفع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى استهداف الحوثيين طيلة الأشهر السابقة على شن الحرب على إيران، سعيًا إلى تقليص قوتهم.
الحوثيون هم أحد الفرق الشيعية، ويتبعون المذهب الزيدي، إلا أنهم يختلفون مع أبناء عمومتهم الشيعة الإمامية (الاثني عشرية) في إيران في الكثير من الآراء الفقهية، ومع ذلك لا يُذكر اسم الحوثيين في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية شرقًا وغربًا إلا مقرونًا باسم إيران، حيث تُتهم طهران بتزويد الحوثيين بالسلاح والعتاد إلى جانب الدعم المادي، باعتبارهم أحد أعضاء “محور المقاومة” و”قوى الردع” في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
من ناحية أخرى تُعد إيران الدولة الوحيدة في العالم المعترفة رسميًا بسيادة الحوثيين على أجزاء من الأراضي اليمنية، وتتعامل معهم على أنهم ممثلو الحكومة الشرعية في اليمن. يأتي هذا في وقت ينظر فيه المجتمع الدولي بما فيه منظمة الأمم المتحدة إلى الحوثيين بوصفهم ميليشيا قامت بانقلاب مسلح ضد الحكومة الشرعية في اليمن المعترف بها دوليًا.
هنا يجب علينا استقراء تاريخ العلاقات بين حركة أنصار الله والنظام الإيراني وسبر أغوارها كي يُزاح النقاب عن طبيعة هذه الصلات ومكوناتها، ومدى نفوذ المسؤولين الإيرانيين بالفعل على قرارات هذه الحركة بوصفها “وكيلًا” أو “ذراعًا” لطهران في المنطقة كما يصنفها الغرب، مع الأخذ في الاعتبار أن الحوثيين طالما أكدوا أنهم لا يخضعون لسيطرة أي طرف خارجي، ويقاتلون دفاعًا عن مصالح الشعب اليمني فحسب.
من هم الزيديون؟
الشيعة الزيدية هم أتباع “زيد بن عليّ بن الحسين”، وإليه ينتسبون، وقد ساقوا الإمامة (الخلافة) في كل عالِم، تقي، شجاع، فاطمي، علوي، يخرج على الحاكم الجائر بالسيف سواء كان من نسل الحسن أو الحسين. أي أن الزيدية هي الفرقة الشيعية الوحيدة التي كان لها توجهٌ سياسيٌ واضحٌ منذ نشوئها، ألا وهو وجوب القيام على الحاكم الطاغي ومجابهته بالقوة.
كان جمع كبير من الشيعة قد بايع “هشام بن عبد الملك”، ولما فسد وتجبر، خرج عليه “زيد بن عليّ”، وانتهى الأمر بقتل الأخير، ثم دفنه سرًا على يد أنصاره، ونُبش قبره وصُلب عاريًا على يد مناهضيه.
الزيديون يرون أن “عليّ بن أبي طالب” هو الأحق بخلافة المسلمين بعد الرسول، لنسبه وحسبه وقربه من خاتم المرسلين، ويحصرون الإمامة في نسل عليّ من السيدة فاطمة فحسب، لكنهم يجيزون خلافة أبي بكر وعمر وعُثمان، ولا يتبرؤون منها كالشيعة الإمامية والإسماعيلية، لأن عليًا رضي بها وارتضاها، ومن هنا ظهرت القاعدة الشهيرة عندهم (جواز إمامة المفضل مع وجود الأفضل).

يبيح الزيديون خروج إمامين في قطرين مختلفين، على أن تكون الإمامة للأفضل والأصلح والأجدر في حالة نجاح الدعوة وترسيخ دعائمها.
لا يتفق الزيديون مع الشيعة الإمامية والإسماعيلية في قضايا عديدة كالتقية، والعصمة، والمهدية، والرجعة، وينكرونها جميعًا، مما يجعلهم أقرب الطوائف الشيعية إلى أهل السُنة. أما ما يخص عقائد الإلهيات عندهم، فيتفقون مع المعتزلة.
يتواجد الزيديون حاليًا في شمالي اليمن، ويبلغ عددهم ما يقرب من 15 مليون نسمة، أي ما يعادل 35٪ من مجمل تعداد السكان البالغ عددهم حوالي 43 مليون نسمة، كما يتواجدون كأقلية مذهبية ضئيلة في السعودية وبعض الدول العربية والأجنبية.
إيران البهلوية واليمن المتوكلية
كانت المرة الأولى التي دعمت فيها إيران الزيديين، في عهد الشاه “محمد رضا بهلوي”، حين اندلعت ثورة 26 سبتمبر 1962 في شمالي اليمن ضد ثاني ملوك الأسرة المتوكلية “أحمد بن يحيى”، نجل مؤسس المملكة وإمام الزيديين “يحيى حميد الدين المتوكل”، وأعقبتها حرب أهلية بين أنصار الملكية ومؤيدي الجمهورية، استمرت ثماني سنوات إلى أن أُعلنت الجمهورية العربية في اليمن عام 1970، فيما عُرفت بـ “اليمن الشمالي”.
خلال الحرب، كان الشاه “محمد رضا بهلوي” من أبرز داعمي النظام الملكي في اليمن المتشابه إلى حد كبير مع نظامه في إيران من حيث السلطة والمذهب.
في ذلك الوقت، واجه نظام الإمامة الزيدية الذي حكم اليمن أكثر من ألف سنة منذ وضع لبنته الأولى الإمام الهادي إلى الحق “يحيى بن الحسين”، انقلابًا عسكريًا قاده المشير “عبد الله السلال”، حظي بدعم الاتحاد السوفيتي والرئيس المصري “جمال عبد الناصر” الذي أرسل قوات بنحو 70 ألف جندي إلى الحرب، في مقابل الدعم الكبير الذي قدمته بريطانيا والسعودية وإيران والأردن وإسرائيل.
على الرغم من أن منصب رئيس الجمهورية في اليمن الشمالي طيلة هذه السنوات كان دائمًا من نصيب شخصية زيدية، إلا أن السطوة المذهبية التقليدية لم يعد لها وجود؛ إذ كان جميع هؤلاء الرؤساء، بمن فيهم “علي عبد الله صالح” سياسيين مدنيين ينتهجون أيديولوجيات القومية العربية.
مع نهاية حكم الأئمة الزيديين في اليمن الشمالي، نجح يمنيو الجنوب في “مستعمرة عدن” التي أسستها الإمبراطورية البريطانية عام 1839، في الاستقلال عن الإنجليز عام 1967 بعد حرب استمرت أربع سنوات، أسفرت عن تأسيس دولة جديدة تحت مسمى “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”؛ وهي دولة ذات نظام شيوعي حظيت بدعم الاتحاد السوفيتي، وعُرِفت باسم “اليمن الجنوبي”، وكان أغلب قادتها ينتمون إلى القبائل السُنية، ومن أبرزهم “قحطان الشعبي، وسالم ربيع علي، وعبد الفتاح إسماعيل”.
بناءً على ما تقدم، كان حكم اليمن منذ القدم مقسمًا بين الشيعة في الشمال، والسُنة في الجنوب، والملفت للنظر في هذا السرد التاريخي أن مناطق نفوذ الحوثيين حاليًا هي نفسها نقاط تمركز أجدادهم المتوكلين في المناطق الشمالية منذ مئات السنين.
تأسيس جمهورية اليمن الموحدة
في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وجدت جمهورية اليمن الجنوبي نفسها في موقف ضعيف إثر اعتمادها الكامل على الدعم المالي من موسكو، ومن ثم دعا “علي عبد الله صالح” الذي تولى زمام السلطة في جمهورية اليمن الشمالي عام 1978، إلى إطلاق مفاوضات مع قادة اليمن الجنوبي من أجل التوصل إلى اتفاق يوحد الجمهوريتين معًا، حيث تأسست في 22 مايو 1990 دولة اليمن الموحدة في شكلها الحديث أو ما تُعرف باسم “الجمهورية العربية اليمنية”.
مع دخول الساسة السُنة من الجنوب إلى هيكل الحكم في الشمال، تسارعت وتيرة إقصاء رجال الدين الزيديين وتهميشهم على نحو كبير، ولم يقتصر الأمر على فقدان السلطة والنفوذ فحسب، بل وجد الزيديون أنفسهم أيضًا في مواجهة الحركات الدينية السلفية والوهابية التي تتنافى مع معتقداتهم تمامًا. لذا اتخذ الصراع الفكري الذي كان محصورًا بين الزيديين المدنيين والزيديين المتدينين، أبعادًا جديدةً، متحولًا إلى خلاف سياسي مذهبي بين رجال الدين الزيديين ورجال الدين السُنة.
بالإضافة إلى ذلك، فقد عاش الزيديون فترات طويلة من تاريخ اليمن يشكلون غالبية سكانها، وكانوا يمثلون أكثر من 60% من سكان البلاد حتى عهد جمهورية اليمن الشمالي، ثم تحولوا بعد الوحدة اليمنية إلى أقلية مذهبية تشكل ما بين 30% إلى 35% من مجمل تعداد السكان.
حركة إحياء الزيدية: بدر الدين الحوثي
بعد أفول نجمهم في ستينيات القرن الماضي، ابتعد رجال الدين الزيديون عن الحياة السياسية بوجه عام، وسعوا إلى لعب دور في هيكل النظام الجديد معتمدين على الولاءات القبلية، غير أن منافسيهم من التيار الإسلامي السُني اتخذوا مسارًا مغايرًا؛ إذ شكَّل تأسيس “دار الحديث السلفية” في دماج بمحافظة صعدة برعاية السعودية عام 1979، وتدشين “التجمع اليمني للإصلاح” المشهور بـ “حزب الإصلاح” ذي الأيديولوجيات المنبثقة عن جماعة “الإخوان المسلمين” عام 1990، تحولات فارقة لدى الزيديين.
كانت حركة الإحياء السياسي للزيدية تبحث في الواقع عن إجابات تتواءم مع متطلبات العصر الحديث بقدر ما كانت تسعى إلى منع المزيد من تهميش الشيعة. وقد تجلت أول المنعطفات الرئيسية لهذه الحركة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي؛ عندما أفتى جمع من مراجع الزيدية، وفي مقدمتهم “مجد الدين المؤيدي”، بعدم اشتراط أن تكون الإمامة محصورة في السلالة الهاشمية من أسباط الحسن والحسين فقط.
هذه الفتوى جعلت “المؤيدي” من رجال الدين الزيديين المقربين من حكام آل سعود، فعينه الملك “فيصل بن عبد العزيز” مفتي الزيديين في الحجاز واليمن. على الجانب الآخر، عارض فصيل ثانٍ من المراجع الزيدية بزعامة “بدر الدين الحوثي” فتوى المؤيدي وتصدى لها.
كان “بدر الدين الحوثي” أحد أبرز المراجع الفقهية في المذهب الزيدي، وينتمي إلى الفرقة “الجارودية” المنسوبة إلى “أبي الجارود زياد بن المنذر الكوفي”؛ وهي أول الفرق الزيدية من حيث النشأة.
تستند هذه الفرقة إلى مجموعة من الآراء تجعلها قريبة من الفكر الشيعي الاثني عشري، حيث ترى أن “الإمام” كونه الزعيم الديني والدنيوي لديه الشرعية المطلقة في حكم العالم أجمع، ويجب أن تكون الإمامة محصورة في سلالة النبي وأئمة آل البيت.
كان بدر الدين الحوثي، كما يتضح من لقبه، من “الأسرة الحوثية” التي كانت تتمتع بنفوذ واحترام كبيرين في محافظة صعدة بشمالي اليمن باعتبارها تنحدر من السلالة الهاشمية، إذ يرجع نسبها إلى “الحسن بن عليّ”.
نتيجة هذا الخلاف المذهبي، ومجابهة الحكومة اليمنية محاولات الشيعة في الصعود إلى هرم السلطة مرة أخرى، هُمش بدر الدين الحوثي بين النخب الدينية الزيدية، مما دفعه بعد فترة قصيرة إلى مغادرة اليمن، حيث توجه إلى إيران، مصطحبًا أسرته وأولاده.
حركة الشباب المؤمن وحزب الحق
على الرغم من أن تاريخ مكوث أسرة “بدر الدين الحوثي” في إيران ليس واضحًا بدقة، إلا أنها قضت الفترة الممتدة من منتصف الثمانينيات إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي في رحال وارتحال بين معقلها الرئيسي في صعدة باليمن ومختلف المدن الإيرانية بما فيها قُم المقدسة، حيث شهدت هذه الحقبة توافد عشرات الشباب اليمنيين من صعدة إلى طهران، وبعد فترة من الوقت عاد بدر الدين الحوثي إلى صعدة للمساهمة في حركة إحياء الزيدية من خلال تأسيس الحوزات العلمية.
ما بين عامي 1990 و1992، أسس “محمد” أحد أبناء بدر الدين الحوثي الأصغر سنًا بالتعاون مع “محمد عزَّان” حركة “الشباب المؤمن”، وقد صرح “عزَّان” لاحقًا، عقب انشقاقه عن الحوثيين، في مقابلات صحفية بأنه زار إيران خلال فترة الثمانينيات، والتقى خلال تلك الزيارات بكل من الخميني، وعلي خامنئي، وأكبر هاشمي رفسنجاني.
في الوقت نفسه، أسست شخصيتان بارزتان من الزيديين، هما “يحيى المتوكل” و”أحمد الشامي”، “حزب الحق” لمناهضة “حزب الإصلاح”، ثم دشنا نشاطهما السياسي في دولة اليمن الموحدة بانضمام نجلي بدر الدين الحوثي الكِبار “حسين وعبد الملك” إلى هذا الحزب.
انضم “حسين الحوثي” إلى مجلس النواب اليمني كمرشح عن “حزب الحق”، لكنه سرعان ما اختلف مع قادة الحزب، واستقال من المجلس. كان يطرح في خطاباته منهج “الثورة الإيرانية” باعتبارها نموذجًا أمثل يُقتدى به، متبنيًا رؤية سياسية مختلفة في المبادئ والأهداف عن توجهات النخب الزيدية في اليمن آنذاك.
على المنوال ذاته، ماجت خلافات مماثلة داخل حركة “الشباب المؤمن”، انتهت بتحولها إلى نواة رئيسة لنشاط “حسين الحوثي”، حيث انسحب من الحركة معارضو الأفكار الثورية القريبة من أيديولوجيات الإسلام السياسي في إيران. على هذا النحو، أصبح “الشباب المؤمن” تنظيمًا سياسيًا ضد حكومة الرئيس اليمني “علي عبد الله صالح”، متخذًا من شعارات الثورة الإيرانية في ربيعها الأول مثل “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل” نبراسًا له.
ظهور الحوثيين
مع بداية القرن الحادي والعشرين، ولا سيما عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة التي نجم عنها الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، كثف “الشباب المؤمن” بزعامة “حسين الحوثي” نشاطه السياسي في اليمن، لكن سرعان ما اعتبرت الحكومة اليمنية أن هذه الحركة مصدر تهديد لها، وأن زعيمها يسعى إلى تأجيج ثورة في البلاد وتأسيس نظام ثيوقراطي على غرار النظام الإيراني.
تصاعدت حدة هذه التوترات في عام 2004، إثر اتهام حسين الحوثي بتخطيط تمرد مسلح، لكن عند إصدار أمر باعتقاله في العام نفسه، اندلعت المواجهة المسلحة الأولى بين حركة الشباب المؤمن والسلطات اليمنية ضمن سلسلة حروب بلغ عددها ستًا، خاضتها الحركة ضد الحكومة اليمنية. في خضم هذه المعارك، قُتل حسين الحوثي وخلفه شقيقه “عبد الملك الحوثي”، وكان على صلة بقادة إيران أيضًا.
تمكن “عبد الملك الحوثي” خلال خمس حروب أخرى خاضها ضد الحكومة اليمنية من ترسيخ مكانته كقائد عسكري وسياسي وديني للزيديين في محافظة صعدة، وإزاحة “حزب الحق” من واجهة المشهد السياسي، مما جعل حركة الشباب المؤمن أهم جماعة زيدية في البلاد.
في غضون ذلك، حظيت التطورات السياسية في اليمن باهتمام الإعلام الإيراني الناطق بالفارسية والعربية، وقُدمت تغطيات إخبارية ترجح الكفة الحوثية على كفة الحكومة اليمنية.
حركة أنصار الله
في عامي 2009 و2010، تزايدت الاتصالات بين إيران والجماعات الشيعية المدعومة منها في المنطقة كحركة الشباب المؤمن في اليمن وحزب الله في لبنان. في تلك الفترة اتخذ عبد الملك الحوثي قرارًا بتقديم حركة “الشباب المؤمن” في حلة جديدة، فغير اسمها إلى “أنصار الله”؛ وهي خطوة فُسِّرت بأنها تمت في إطار التقارب مع إيران، على غرار خطوات سابقة تبنت شعارات الثورة الإيرانية وأيديولوجيات الإسلام السياسي.
وفق تقرير قدمه خبراء في منظمة الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي عام 2015؛ كانت إيران تمد الحوثيين بالأسلحة عبر المنافذ البحرية منذ عام 2009؛ وهي شحنات ضمت منظومات دفاعية مضادة للدروع والطائرات والصواريخ.
مع اندلاع أول شرارات الثورة اليمنية ضد نظام الرئيس “علي عبد الله صالح” في أوائل عام 2011، وتعَاظم نيرانها، سارع مجلس التعاون الخليجي إلى التوسط بين الثوار والنظام وسط دعوات إقليمية ودولية بتنحي صالح عن السلطة، حيث وقع الرئيس اليمني على اتفاق برعاية مجلس التعاون الخليجي وبدعم من مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي بانتقال السلطة إلى نائبه “عبد ربه منصور هادي” في مقابل حصول صالح على الحماية من الملاحقة القضائية جراء ما اقترف من فساد سياسي خلال فترة رئاسته الممتدة 33 عامًا؛ وهو اتفاق قوبل برفض الحوثيين منذ اللحظات الأولى.
مع انهيار نظام صالح، تسارعت وتيرة دعم الحوثيين عسكريًا من قبل إيران؛ إذ يشير خبراء منظمة الأمم المتحدة في تقريرهم المذكور إلى أن شحنات الأسلحة كانت تُرسَل منذ اندلاع الثورة اليمنية عام 2011 إلى الحوثيين عبر مينائي “بندر عباس وتشابهار”، حيث تمكن الحوثيون، بالمواجهات المسلحة تارة، والمفاوضات السياسية تارة أخرى، من إرغام حكومة “عبد ربه منصور هادي” على التراجع إلى أن دان لهم في نهاية المطاف دخول صنعاء والسيطرة عليها وعلى القواعد العسكرية الرئيسية بها في سبتمبر 2014.
في غضون تلك الاشتباكات، شن الحوثيون هجومًا على الأفراد المسلحين المتمركزين في “دار الحديث السلفية” بدماج، وطردوهم من المناطق الشمالية. كما شنوا هجمات على جماعات سلفية أخرى ومقربة من تنظيم القاعدة، مما دفع الولايات المتحدة إلى محاولة فتح قنوات اتصال معهم باعتبارهم قوة جديدة فاعلة في اليمن. في أوائل عام 2015 أطاح الحوثيون بحكومة هادي وبسطوا سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمالي البلاد.
لم تحظ هذه الخطوة بتأييد المجتمع الدولي؛ إذ ظل مجلس الأمن يصنف حركة “أنصار الله” جماعةً متمردةً، مؤكدًا دعمه لحكومة هادي الذي فر إلى الرياض وظل بها إلى أن وافته المنية في مايو 2026، بينما واصلت إيران دعمها السياسي للحركة، واعترفت بها رسميًا باعتبارها الحكومة الشرعية في اليمن، وبهذا أصبحت طهران أول عاصمة في العالم تعترف بسلطة الحوثيين على صنعاء، وتبادل الطرفان السفراء.
منذ ذلك الوقت، أُدرِجت حركة “أنصار الله” –أسوة بحزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي– ضمن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وكجزء من محور المقاومة أو ما يُعرف على الصعيد الإعلامي العربي والغربي بـ “الأذرع الإيرانية، والقوى الإيرانية الوكيلة” في المنطقة.
على الرغم من أن كلًا من أنصار الله والنظام الإيراني ينفيان هذه الصلة، إلا أن الواقع الميداني منذ عام 2015 حتى الآن، يثبت العلاقة الوطيدة بين الطرفين.
كانت حكومة “علي عبد الله صالح” قد اتهمت إيران عام 2007 بالتدخل في الشأن اليمني الداخلي، إلا أن إيران نفت هذا الاتهام، وادعى وزير الخارجية الإيراني آنذاك “منوتشهر متكي” أن هناك دولًا أخرى تتدخل في شؤون اليمن في إشارة إلى السعودية ومحاولاتها في الحيلولة دون وصول نظام ثيوقراطي أشبه بالنظام الإيراني إلى سدة الحكم في البلاد.
الدعم العسكري الإيراني لأنصار الله
خلال العقد الماضي، وجهت السعودية والولايات المتحدة اتهامات متكررة إلى النظام الإيراني بإمداد حركة “أنصار الله” بالأسلحة والأموال، كما أكدت هذه التهم تقارير موثقة صدرت عن منظمة الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
كان آخر هذه الوثائق، تقريرًا مفصلًا قدمه خبراء الأمم المتحدة عام 2024 إلى مجلس الأمن تضمن تفاصيل لافتة حول الدعم الإيراني غير المحدود المقدم إلى الحوثيين.
بحسب التقرير، يلعب العميد “عبد الرضا شهلائي”، أحد قادة فيلق القدس بالحرس الثوري، دورًا محوريًا في تخطيط إستراتيجيات الحوثيين العسكرية، ويتولى قيادة الهجمات الجوية بالصواريخ والمسيرات والإشراف على القوات البحرية والعمليات اللوجستية، ويصفه التقرير بأنه مستشار عبد الملك الحوثي العسكري.
شهلائي هو أحد القادة الغامضين في فيلق القدس، وتُعرِّفه الإدارة الأمريكية بأنه نائب قائد الفيلق وأحد كبار قادته. يتولى مسؤولية شن الهجمات على القوات الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط، وتأمين السلاح للميليشيات الشيعية في العراق، لذا أدرجته واشنطن في قائمة الجماعات والشخصيات الإرهابية.
تضمن هذا التقرير أدلة عديدة على تلقي الحوثيين تدريبات عسكرية في كل من إيران ولبنان والعراق. من أبرزها تدريب 200 عنصر من حركة “أنصار الله” عام 2020 في “جامعة الإمام الخامنئي للعلوم والتكنولوجيا البحرية” برشت، و54 عنصرًا من المسلحين اليمنيين الآخرين عام 2022 في “جامعة الإمام علي للضباط” بطهران، وأُرفقت بالتقرير صور جوازات سفر مزورة اسْتُخدِمت من أجل دخول هؤلاء الأفراد إلى إيران.
وبعيدًا عن هذا التقرير، تحدث بعض رجالات النظام الإيراني في مرات قليلة جدًا في وسائل إعلام أجنبية عن تقديم دعم استشاري واستخباراتي إلى الحوثيين. من أبرز هذه المرات ما صرح به اللواء “محمد باقري” رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية في مقابلة مع التلفزيون الصيني عام 2019، حين قال: “إن إيران تقدم استشارات عسكرية وتكتيكية إلى الجيش الشعبي اليمني (القوات الحوثية)، وإن الحرس الثوري هو الجهة المسؤولة عن هذه المهمة، مؤكدًا مساندة طهران لهم”.
كما ذكر وزير النفط الأسبق وأحد قادة الحرس الثوري “رستم قاسمي” في تصريح له لشبكة “روسيا اليوم” عام 2021 أن إيران زودت الحوثيين بتكنولوجيا تصنيع الأسلحة، وأنهم سينفذون عمليات انتقامية ضد أهداف إسرائيلية كلما أرادت طهران، إلا أن هذه التصريحات نفتها وزارة الخارجية الإيرانية لاحقًا.
في هذه الأثناء، صودرت بعض شحنات أسلحة قيل إنها أُرسلت من إيران إلى اليمن بأساليب مختلفة، من بينها ضبط شحنة تضم 52 صاروخًا مضادًا للدروع من طراز “دِهلافيه”، إيراني الصنع، على الحدود العُمانية اليمنية عام 2022.
بالإضافة إلى ذلك، قام الحوثيون بالهجوم على إسرائيل عدة مرات في أعقاب حرب غزة الأخيرة، ردًا على العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، وجنوبي لبنان، وسوريا، والعراق، وإيران.
رغم هذه العلاقات المتشابكة، يرى بعض المراقبين أن الحوثيين –مقارنة بسائر أعضاء محور المقاومة– يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية، وأن نفوذ إيران في توجيه قراراتهم يظل محدودًا. مع ذلك يُشير تقرير صادر عن “مركز خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي” إلى أن إيران لا تسيطر على الحوثيين كليةً، لكن لولا مساعداتها العسكرية، كان الحوثيون سيواجهون صعوبات بالغة في تعقب السفن المارة في البحر الأحمر وخليج عدن واستهدافها.
الخلاف المذهبي والفكري بين أنصار الله والنظام الإيراني
تتفق حركة أنصار الله والنظام الإيراني على الأطر العامة الخاصة بالأيديولوجيات الدينية والسياسية، إلا أنهما يختلفان من حيث الآراء المذهبية والفكرية.
مثلما أسلفتُ القول يتبع الحوثيون المذهب الشيعي الزيدي بينما تتبع إيران المذهب الشيعي الاثني عشري، وما بين المذهبين من تباين في الرؤى أشبه بما يوجد من خلافات بين السنة والشيعة، فالزيديون على خلاف الاثني عشريين ينكرون التقية، والعصمة، والمهدية، والرجعة.
كما أن الحوثيين لا يقبلون بنظرية “ولاية الفقيه” في إيران باعتباره نائب الإمام الغائب في حكم العالم الشيعي، حيث إنهم لا يعتقدون بغيبة الإمام الثاني عشر “محمد بن الحسن المهدي”، ولا يعتبرون المرشد الأعلى الإيراني قائدهم، بل ينظرون إلى “عبد الملك الحوثي”، باعتباره زعيمهم الديني وحاكمهم الدنيوي وقائدهم العسكري، ويخاطبونه بالمرشد الأعلى على الصعيد الرسمي سياسيًا وإعلاميًا.
في النهاية نقول؛ إن الحوثيين ليسوا دمية في أيدي النظام الإيراني، ويتمتعون بقدر كبير من الحرية والاستقلالية في صناعة قرارهم السياسي، حيث إنهم لم ينخرطوا في الحرب الإيرانية الأمريكية كما انخرط حزب الله اللبناني، ولم يوجهوا ضربات إلى القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، بيد أنه تجمعهم علاقات وثيقة ومشاورات متبادلة مع طهران في إطار تكوين جبهة مقاومة أمام توغل النفوذ الأمريكي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، وتحقيق مصالح مشتركة على الصعيد الإقليمي، لا تخلو بطبيعة الحال من دعم عسكري لا محدود تقدمه إيران.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5822

