تكشف وثائق جامعية وعسكرية حصلت عليها جهات بحثية وإعلامية عن شبكة واسعة من التعاون البحثي بين وزارة الدفاع الإسرائيلية وجامعات أمريكية، امتدت لسنوات وشملت عشرات المشروعات المرتبطة بتقنيات عسكرية وأمنية متقدمة. ووفق المعطيات الواردة في التحقيق، جرى تمويل ما لا يقل عن 70 مشروعًا بحثيًا بالتعاون مع نحو 30 جامعة أمريكية منذ عام 2009 على الأقل، في مجالات تتراوح بين الروبوتات والطائرات المسيّرة وتوجيه الصواريخ والذكاء الاصطناعي والاستشعار المتقدم.
وتثير طبيعة هذه المشروعات تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين البحث الأكاديمي والاستخدامات العسكرية، خصوصًا أن بعض المشاريع صُممت مع مراعاة ظروف ميدانية مرتبطة بالحدود الإسرائيلية والأراضي الفلسطينية، بينما استخدمت مشروعات أخرى تقنيات تحليل البيانات والتعرف إلى الأهداف ومراقبة النشاط البشري.
عشرات المشروعات تحت مظلة التعاون العسكري
تشير الوثائق إلى أن التعاون لم يكن مقتصرًا على مشروع أو جامعة بعينها، بل شمل شبكة مؤسسات أكاديمية أمريكية كبيرة، بينها جامعات مرموقة مثل كورنيل وميريلاند وبراون وكولومبيا وميتشيغان ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كاليفورنيا.
وبحسب التحقيق، تضمنت المشروعات تطوير روبوتات صغيرة تحاكي حركة الحشرات، وتقنيات مستوحاة من الديدان والطيور الطنانة والخفافيش، إضافة إلى روبوتات قادرة على الحركة في تضاريس صعبة، وطائرات مسيّرة صغيرة يمكن استخدامها في عمليات البحث والمراقبة.
ومن بين الأمثلة الواردة تطوير روبوتات شبيهة بالصراصير، إلى جانب روبوتات زاحفة صممت في جامعة ماريلاند بالتعاون مع باحث في وزارة الدفاع الإسرائيلية. كما طورت فرق أكاديمية أخرى طائرات مسيرة مصغرة قادرة على دخول الكهوف والمباني المدمرة، وهي تقنيات يمكن أن تمتلك تطبيقات مدنية وعسكرية في الوقت نفسه.
الذكاء الاصطناعي في قلب الأبحاث
يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محاور التعاون البحثي، خصوصًا في مجالات تحليل الفيديو والتعرف إلى الأجسام وتصنيف الأشخاص وتتبع الأهداف.
وتشير الوثائق إلى تمويل باحثين أميركيين للعمل على تطوير أنظمة قادرة على إنتاج أوصاف تلقائية لمحتوى الفيديو، بما يساعد في التعرف إلى الأشخاص والأجسام والأحداث داخل المشاهد المصورة.
وفي إحدى الحالات، حصلت أستاذة بجامعة أميركية على تمويل من وزارة الدفاع الإسرائيلية بقيمة 120 ألف دولار لتطوير أبحاث تتعلق بتوليد أوصاف باللغة الطبيعية لمقاطع الفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي.
كما ارتبط تمويل آخر بتطوير أنظمة تعرف باسم Zero Shot Captioning، وهي تقنيات تهدف إلى وصف عناصر لم يسبق للنظام التدرب عليها.
وتبرز حساسية هذه التطبيقات في ظل استخدام الجيوش الحديثة للبيانات الضخمة وأنظمة الرؤية الحاسوبية لتحليل الصور والفيديوهات وتحديد الأهداف بصورة أسرع.
من تحليل البيانات إلى استهداف الشبكات
لم يتوقف التعاون عند تطوير تقنيات الرؤية الحاسوبية، بل امتد إلى تحليل الشبكات الاجتماعية والبيانات المتعلقة بحركة السكان.
وتشير إحدى الدراسات الممولة إسرائيليًا إلى استخدام أكثر من مليون يوم-شخص من بيانات تحديد المواقع الخلوية لتحليل أنماط الحركة داخل إسرائيل والأراضي التي تحتلها، مع الإشارة إلى إمكان ارتباط الخوارزميات بمراقبة أهداف تتحرك لتجنب الرصد.
كما حصل أستاذ في جامعة ماريلاند على تمويل لدراسة استهدفت تحليل الشبكات التي وصفت بأنها إرهابية، بهدف تحديد نقاط ضعفها واستخدام الخوارزميات للتأثير فيها أو تفكيكها.
وتكشف هذه المشروعات اتساع نطاق التعاون من التكنولوجيا المادية، مثل الروبوتات والطائرات المسيّرة، إلى أدوات تحليل المعلومات والبيانات السلوكية التي يمكن استخدامها في أعمال المراقبة والاستخبارات.
أبحاث مرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ
تظهر التطبيقات العسكرية بوضوح أكبر في عدد من المشروعات المتعلقة بالطائرات المسيّرة وتوجيه الصواريخ.
فقد موّل مشروع في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تطوير خوارزميات لتحسين مسارات مجموعات من الطائرات المسيّرة، بينما حمل عقد البحث عنوانًا مرتبطًا بخوارزميات الاستكشاف السريع لتوجيه الصواريخ.
وفي جامعة ميشيغان، تناولت أبحاث أخرى تحسين أداء أسراب من الطائرات المسيّرة في مهام نقل شحنات مختلفة الأوزان ولمسافات متنوعة، مع الاستعانة بخبرات شركة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية رافائيل.
ورغم أن بعض الأبحاث المنشورة قدمت التطبيقات على أنها مدنية، مثل توصيل الإمدادات الطبية، تشير الوثائق الداخلية إلى أن التمويل الإسرائيلي تناول جوانب مرتبطة بمتطلبات المهام العسكرية.
ويثير هذا التباين تساؤلات حول الفجوة المحتملة بين الأهداف الواردة في المقترحات البحثية الداخلية وبين اللغة المستخدمة في الأوراق العلمية المنشورة للعامة.
تقنيات الاستشعار وكشف المتفجرات
شمل التعاون أيضًا أبحاثًا في مجال الاستشعار الكيميائي واكتشاف المواد المدفونة.
وفي أحد المقترحات البحثية، أوضح باحثان من جامعة إلينوي شيكاغو ومعهد التخنيون أن الهدف الأساسي يتمثل في تطوير فهم متقدم لأساليب اكتشاف المتفجرات والألغام المدفونة، باعتبارها تحديًا رئيسيًا في ساحات القتال.
لكن الورقة العلمية المنشورة لاحقًا ركزت على تطبيقات مدنية مثل التعدين، ولم تتضمن الإشارات نفسها إلى المتفجرات أو الاستخدام العسكري أو التمويل الإسرائيلي.
ويعكس هذا المثال إحدى أكثر القضايا حساسية في هذا النوع من التعاون، وهي مسألة كيفية انتقال نتائج الأبحاث التي تبدأ بأهداف عسكرية إلى منشورات علمية تبدو مدنية في طبيعتها.
كيف تم تمويل هذه المشروعات؟
بحسب التحقيق، لم تحصل الجامعات على هذه الأموال من خلال منح أكاديمية تقليدية، وإنما عبر آلية مشتريات دفاعية مرتبطة بالتمويل العسكري الأميركي المقدم لإسرائيل.
وتعمل بعثة وزارة الدفاع الإسرائيلية في الولايات المتحدة على شراء سلع وخدمات دفاعية، وتخصص جزءًا من هذه الأموال لمشروعات بحثية بالتعاون مع الجامعات والعلماء الأميركيين.
وتصنف العقود باعتبارها عقودًا تجارية مباشرة بين جهات دفاعية وحكومة أجنبية، ويتم تمويلها بصورة غير مباشرة من أموال المساعدات العسكرية الأميركية.
وبحسب التحليل الوارد في التحقيق، فإن هذا المسار يتيح تمويل الأبحاث العسكرية الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة من دون مستوى الشفافية نفسه الذي يصاحب بعض البرامج الحكومية الأخرى.
كما أن العقود التي تقل قيمتها عن 100 مليون دولار لا تتطلب إخطارًا تشريعيًا مماثلًا لبعض صفقات المبيعات العسكرية، ما يقلل من حجم الرقابة العلنية المفصلة على هذه المشروعات.
استثناء بحثي يخفف القيود
تستفيد بعض هذه المشروعات من استثناء قانوني يتعلق بالبحوث الأساسية، يسمح بإعفاء الأبحاث من بعض قيود التصدير عندما تكون نتائجها معدة للنشر والمشاركة على نطاق واسع.
ويعني ذلك أن بعض الأعمال ذات الصلة الدفاعية يمكن أن تبقى ضمن نطاق البحث الأكاديمي المفتوح، رغم أن الجهة التي مولتها هي وزارة دفاع أجنبية.
وتزداد حساسية هذا الاستثناء عندما يتعلق الأمر بتقنيات ذات تطبيقات مزدوجة، يمكن استخدامها في المجالات المدنية والعسكرية في الوقت نفسه، مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطائرات المسيّرة والاستشعار.
جامعات أمريكية في مواجهة ضغوط داخلية
أثار الكشف عن بعض عقود وزارة الدفاع الإسرائيلية ردود فعل داخل عدد من الجامعات الأمريكية، خصوصًا بين طلاب وأعضاء هيئة تدريس يعترضون على التعاون العسكري المرتبط بإسرائيل.
ووفق التحقيق، قامت أنظمة جامعية، بينها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومنظومة جامعات كاليفورنيا، بتقييد أو تعديل قواعد بيانات التمويل بعد اكتشاف نشطاء طلابيين بعض العقود.
كما ألغى أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 2025 عقدًا مقترحًا مع وزارة الدفاع الإسرائيلية بعد موجة اعتراضات وضغوط داخل الجامعة.
وتكشف هذه التطورات أن الجدل لم يعد يقتصر على طبيعة التكنولوجيا المستخدمة، بل انتقل إلى سؤال أوسع يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية للجامعات وحدود التعاون الأكاديمي مع المؤسسات العسكرية.
تعاون بحثي يتجاوز الحدود الأكاديمية
تكشف هذه الشبكة من المشروعات عن تداخل متزايد بين البحث العلمي والاحتياجات العسكرية، في وقت أصبحت فيه تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطائرات المسيّرة عناصر أساسية في الحروب الحديثة.
وتشير الوثائق إلى أن التعاون شمل تمويلًا مباشرًا، وزيارات لعلماء أميركيين إلى إسرائيل، واجتماعات مع باحثين ومسؤولين في وزارة الدفاع الإسرائيلية، بما يعكس علاقة تتجاوز مجرد تبادل المعرفة الأكاديمية.
كما تطرح طبيعة بعض المشروعات، خاصة تلك التي تتناول تحديد الأهداف وتحليل الشبكات الاجتماعية وتوجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة، تساؤلات حول كيفية انتقال الأبحاث الأساسية من المختبرات الجامعية إلى أنظمة يمكن توظيفها في المجال العسكري.
وفي المقابل، تتمسك بعض الجامعات والباحثين بأن الأبحاث المنشورة ذات طبيعة أساسية أو مزدوجة الاستخدام، وأن التطبيقات العسكرية ليست بالضرورة الهدف المباشر لكل مشروع، بينما تدفع الانتقادات إلى مزيد من الشفافية بشأن مصادر التمويل والاستخدامات المحتملة للنتائج.
وفي هذا السياق، تعكس العقود والوثائق التي جرى الكشف عنها مسارًا طويلًا من التعاون بين المؤسسات الأكاديمية الأميركية ووزارة الدفاع الإسرائيلية، مع تركيز متزايد على التكنولوجيا التي أصبحت في قلب أنظمة الحرب الحديثة، من الروبوتات الدقيقة والاستشعار إلى الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وتحليل البيانات.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5717

