ميشالا جانوفسكا ـ إعلامية وسياسية سلوفاكية
أصبحت قضايا الهوية والقيم الثقافية والسيادة التشريعية من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل أوروبا خلال السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد التباين بين التوجهات الوطنية لبعض الدول الأعضاء والسياسات الثقافية والحقوقية التي تتبناها مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، برزت سلوفاكيا كواحدة من أكثر الدول الأوروبية تحدياً للتيار الليبرالي السائد، بعدما أقرت تعديلاً دستورياً ينص على الاعتراف بجنسين بيولوجيين فقط هما الذكر والأنثى، ويؤكد أن الأسرة تقوم على مفهوم الأب والأم وفق التعريف البيولوجي التقليدي.
ولم يُنظر إلى هذا التعديل باعتباره مجرد تعديل قانوني يتعلق بقضايا النوع الاجتماعي، بل تحول إلى محور مواجهة سياسية وفكرية أوسع بين مفهوم السيادة الوطنية من جهة، وسلطة المؤسسات الأوروبية العابرة للحدود من جهة أخرى.
صراع الهوية في أوروبا
فبينما اعتبرت الحكومة السلوفاكية وأنصارها أن القرار يعكس إرادة المجتمع ويحمي الهوية الثقافية والقيم التاريخية للدولة، رأت أطراف أوروبية ومنظمات حقوقية أنه يمثل تراجعاً عن المعايير الأوروبية المتعلقة بالمساواة والحقوق المدنية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها تتجاوز حدود سلوفاكيا لتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، ومدى قدرة الدول الأعضاء على الحفاظ على خصوصياتها الثقافية والتشريعية في مواجهة مساعي توحيد المنظومات القيمية داخل القارة.
كما تعكس تنامي الانقسام بين أوروبا الغربية ذات التوجهات الليبرالية المتسارعة، وبعض دول أوروبا الوسطى والشرقية التي تسعى إلى التمسك بالمفاهيم التقليدية للأسرة والهوية والمجتمع وسيادة المؤسسات الوطنية،
ومن هنا تأتي أهمية دراسة التجربة السلوفاكية باعتبارها نموذجاً معبراً عن الصراع المتصاعد بين الهوية الوطنية والعولمة القيمية، وبين سلطة الدساتير الوطنية وتفسيرات المؤسسات الأوروبية، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات سياسية وقانونية وثقافية على مستقبل التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي.
ردود فعل قوية
أثار التعديل الدستوري الذي أقرته سلوفاكيا للاعتراف بجنسين بيولوجيين فقط، الذكر والأنثى، موجة واسعة من الجدل السياسي والقانوني داخل البلاد وخارجها، ليتجاوز النقاش حدود قضايا النوع الاجتماعي إلى سجال أوسع حول السيادة الوطنية وحدود تأثير المؤسسات الأوروبية على التشريعات الداخلية للدول الأعضاء.
وتبنت الحكومة السلوفاكية بقيادة رئيس الوزراء روبرت فيكو موقفاً يؤكد تمسكها بالمفهوم البيولوجي التقليدي للهوية الإنسانية والأسرة، في وقت تتجه فيه بعض دول أوروبا الغربية نحو تبني مقاربات أكثر اتساعاً في قضايا الهوية الجندرية.
ورأت الحكومة أن التعديل يعكس خصوصية المجتمع السلوفاكي وقيمه الثقافية والتاريخية، ويجسد حق الدولة في صياغة تشريعاتها وفقاً لإرادة مواطنيها.

في المقابل، واجه القرار انتقادات حادة من أحزاب المعارضة السلوفاكية والتيارات التقدمية، التي اعتبرت التعديل تراجعاً عن مبادئ المساواة والحقوق المدنية. كما أوصت لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا بمراجعة النصوص المتعلقة بتعريف الجنسين، فيما عبّر عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي ومنظمات حقوقية عن مخاوفهم من تداعيات القرار على حقوق الأقليات داخل البلاد.
المفارقة الجوهرية لأوروبا
لكن هنا تبرز المفارقة الجوهرية لأوروبا اليوم؛ الاتحاد الأوروبي كثيراً ما يتحدث عن التنوع والتعددية واحترام الاختلافات. ومع ذلك، إذا تبنت دولة ما مثل سلوفاكيا موقفاً محافظاً قائماً على تقاليدها الثقافية، فإنها تواجه انتقادات فورية. ولا يُرحب بتنوع الآراء إلا إذا لم يخرج عن التيار التقدمي السائد.
قدّم رئيس الوزراء روبرت فيكو هذا النزاع منذ البداية على أنه صراعٌ للحفاظ على السيادة الوطنية في القضايا الثقافية والأخلاقية؛ لسلوفاكيا الحق في تقرير مصيرها بنفسها فيما يتعلق بقضايا الأسرة وتربية الأطفال والزواج والهوية البيولوجية دون التعرّض لضغوط أيديولوجية خارجية.
وتقود حكومة رئيس الوزراء روبرت فيكو هذا التوجه بوصفه جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الحفاظ على الخصوصية الثقافية والقيم التقليدية للمجتمع السلوفاكي، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين عدد من الحكومات الأوروبية والمحافل الأوروبية حول ملفات الهوية والهجرة والأسرة والقيم الاجتماعية؛ وحتى هذا العام، لا يزال النقاش محتدماً. ولم تهدأ الدعوات إلى الطعن في الأحكام الدستورية أو مراجعتها.
التغييرات الدستورية
ظهر أحدث اختبار لهذه التغييرات الدستورية مع ميخال سابو، عضو البرلمان عن حزب سلوفاكيا التقدمية. ففي 9 مايو 2026، تزوج سابو من شريكته في هاينبورغ بالنمسا، وأعلن لاحقاً أنه سيسعى للحصول على اعتراف رسمي بالزواج من قبل السلطات السلوفاكية.
استشهد سابو بحكم صادر في نوفمبر 2025 عن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، والذي نص على أنه في ظل ظروف معينة، يجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الاعتراف بزواج المثليين الذي تم إبرامه قانونيًا في دولة عضو أخرى.
رداً على ذلك، صرّح رئيس الوزراء روبرت فيكو بأنه يعتزم تقديم تشريع تنفيذي لمنع الحالات التي قد يسعى فيها الأزواج المتزوجون في الخارج إلى تسجيل زيجاتهم في سلوفاكيا بطريقة تتعارض مع الدستور. وأكد أنه لا يرغب في السماح بحدوث سيناريو يتزوج فيه زوجان من نفس الجنس في الخارج ثم يطالبان بالاعتراف بهذا الزواج بموجب القانون السلوفاكي.
ويُتوقع أن يتحول هذا الملف إلى اختبار قانوني ودستوري مهم خلال الفترة المقبلة، إذ لم يعد النقاش مرتبطاً بحالة فردية أو قضية اجتماعية محددة، بل بات يطرح تساؤلات أعمق حول حدود صلاحيات المؤسسات الأوروبية مقارنة بالدساتير الوطنية، ومن يمتلك الكلمة النهائية في رسم السياسات القيمية والثقافية داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4601


