الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةشجون كربلاء.. قراءة في موروث عاشوراء الشعبي بين مصر وإيران

شجون كربلاء.. قراءة في موروث عاشوراء الشعبي بين مصر وإيران

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية

تعد واقعة كربلاء واستشهاد الحسين في العاشر من المحرم 61 هـ/ 680م حدثًا فارقًا في التاريخ الإسلامي، وذكرى لا تخص الشيعة فحسب، بل السنة أيضًا، باعتبارها تلامس وجدان المسلمين أجمعين وتداعب حسهم الديني تجاه العترة النبوية الشريفة، حيث يحيونها كل على طريقته ومذهبه الخاص دون فرق بين هذا وذاك وَالِهينَ في عشق النبي الكريم ونسله الطاهر.

وتجسد واقعة كربلاء معاني التضحية والفداء، والدفاع عن الحق والضعفاء في مجابهة الباطل والطغاة، والثبات على المواقف حتى إن كان الثمن الجود بالروح، فمثلما أصر الحسين على استكمال المسير إلى الكوفة بعدما تخلى عنه رفاقه، وحدق به الموت من كل حدب وصوب، لا يزال هناك أناس يخوضون معارك خاسرة حتى الرمق الأخير، يحدهم ما يؤمنون به من مبادئ وقيم وقضايا سامية، وليس سلوكًا أحمق –كما يتصور البعض– لذا حين يموت الضمير، ويتحجر القلب، وتتبلد المشاعر، سوف تنأى بنفسك عن الدخول في حرب لا جدوى منها، وتصبح كباقي البشر، فإما أن تكون كالحسين، وإما أن تكون مطيةً من مَطِي الراعي.

التشيع؛ منذ نشأته كان حزبًا سياسيًا، ثم انتحى منحىً دينيًا على مر الزمان، وأخذ في التفرع والتشعب إلى أن تمخضت عنه فرق وطوائف متعددة تختلف في الأفكار والرؤى، إلا أنه يمكن بلورته في أنه كان رد فعل تجاه علاقة الحاكم بالمحكوم المتأرجحة بين الشد واللين؛ فقد كان التشيع يمثل بارقة أمل في صدور الطبقات الدنيا المظلومة والمقهورة الحالمة بشخص يأخذ بيدها ويحقق آمالها، حيث تجسدت هذه الصفات في ورع “علي بن أبي طالب” وتقواه ونسله من بعده.

الظلم والطغيان قائمان أبد الدهر، وعلاقة الحاكم بالمحكوم لم تعرف يومًا نوعًا من الاستقرار والهدوء الدائمين، فعلى الحاكم أن يحاسب المحكوم إذا أخطأ، وعلى المحكوم أن يقوم الحاكم إذا جار في الحكم أو حاد عن طريق الحق، وهو ما لخصه “أبو بكر الصديق” في خطبته الشهيرة حين تولى خلافة المسلمين بعد وفاة النبي قائلًا: «يا أيُّها الناس، قد وُلِّيت عليكم ولستُ بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني. أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه، فلا طاعة لي عليكم. ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه».

آل البيت بين مصر وإيران

لقد اجتمعت مصر وإيران على حب آل البيت النبوي قبل أن يتداخل الدين في السياسة، ويُستخدم كأداة يحرك بها الحكام شعوبهم، فيشعلون الحروب، ويثيرون الفتن، ويؤججون الثورات باسم نصرة الدين والمذهب.

كانت مصر على المذهب الشيعي الإسماعيلي إبان حكم الفاطميين قبل قرون من تحول إيران إلى المذهب الشيعي الاثني عشري على يد الصفويين؛ حيث ظلت مظاهر الاحتفال بذكرى عاشوراء في مصر –خاصة في ضريح الحسين القائم بحي الجمالية وسط القاهرة والمناطق المحيطة به– باقية حتى يومنا هذا رغم عودة البلاد إلى المذهب السُني، بينما تغلغل الاحتفال بالذكرى نفسها في ربوع إيران وضواحيها مع استقرار المذهب الشيعي في أركان الدولة.

لقد احتضن ثرى مصر رفات آل البيت الأطهار منذ قدوم السيدة زينب بصحبة الشاب علي زين العابدين ذي الثلاثة وعشرين ربيعًا، آخر ذكر تبقى من نسل الحسين بعد فاجعة كربلاء؛ فهنا شرفت أرض الكنانة بأن خطت عليها وعاشت فيها ودُفنت بها كل من: السيدة زينب والسيدة رقية بنتا علي بن أبي طالب، والسيدة سكينة والسيدة فاطمة النبوية بنتا الحسين بن علي، والسيدة نفيسة بنت زيد بن الحسن بن علي

كما استخرج الوزير الفاطمي “الأفضل بن أمير الجيوش بدر الدين الجمالي” رأس الحسين الشريف من موضعه المبارك في عسقلان حين هاجم مملكة بيت المقدس، وأعاد دفنه في مقامه الحالي بالقاهرة. وأعاد كذلك رئيس الشرطة “عثمان آغا” في عهد الدولة العثمانية تشييد مقام “علي زين العابدين” ومسجده بعدما تداعى البناء بمرور الزمن، وهو يضم قبتين؛ الأولى تظلل مقام زين العابدين، وقد قيل إنه مدفون بالبقيع، والثانية تظلل مقام ابنه “زيد بن علي” المدفون به رأسه، إذ صُلب جسده ونُكل به في الكوفة.

فمن توافد الزوار من جميع أنحاء مصر على ضريح الحسين في ذكرى ميلاده ووفاته، وتداوم القدوم إليه متوسلين به وبأبيه وأمه وجده من أجل قضاء الحوائج ورفع البلاء وفك الكروب، وإعداد أطباق العاشوراء الشهية في العشر الأوائل من شهر المحرم في محال الحلويات والبيوت المصرية في المناطق الشعبية والحضرية على حد سواء؛ إلى إقامة المجالس الحسينية ومواكب التعازي المهيبة في التكايا الإيرانية والشوارع والميادين الرئيسية، خاصة في مدينتي قُم ومشهد المقدستين، وصياح الحناجر بهتافات «لبيك يا حسين، ويا لثارات الحسين، وكل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء»، وغيرها من الشعارات الحماسية الرنانة؛ يحيي الشعبان المصري والإيراني ذكرى استشهاد الحسين في العاشر من المحرم كل عام.

واقعة كربلاء

ترتبط واقعة كربلاء بالأحداث التي تلت وفاة الخليفة الأموي “معاوية بن أبي سُفيان”، وتولي ابنه “يزيد” خلافة المسلمين عام 60هـ/ 680م؛ وهي أحداث جسام تقشعر من سماعها الأبدان وتشيب الولدان.

كان “الحسين بن علي” وأنصاره من آل البيت النبوي وبعض أشراف الحجاز قد أبوا مبايعة “يزيد بن معاوية” بسبب سوء سيرته وعدم أهليته لتولي شؤون المسلمين، فخرج الحسين وآل بيته من المدينة إلى مكة، والتف حوله معارضو بني أمية، وتوالت عليه كُتُب أهل الكوفة، وجاءته رُسُلهم يدعونه للخروج إليهم، ويعدونه بنصرته والالتفاف حوله على قلب رجل واحد ضد يزيد وأعوانه، فبعث الحسين إليهم ابن عمه “مسلم بن عقيل” ليكشف له جلية خبرهم، فنادى “عبيد الله بن زياد”، والي الكوفة، في الناس، فتفرقوا عنه وخذلوه، وقاتل ابن عقيل منفردًا دفاعًا عن نفسه حتى وهن، وحُمل إلى ابن زياد، فأمر بأن يصعد فوق القصر، فضرب عنقه، وألقى برأسه، وأتبع رأسه جسده، ثم أرسل الرأس إلى يزيد، فكتب يزيد إلى ابن زياد يأمره بقطع الطريق على الحسين.

لما همّ الحسين بالخروج إلى الكوفة، نصحه الناصحون بالعدول عن هذا الأمر، لكن الحسين أبى وعزم الخروج، ولحقت به الكُتُب في الطريق تثنيه عن المضي، فأصر على المسير.

في مطلع عام 61هـ/ 680م سار الحسين من “شراف” –أحد منازل القوافل الواقعة في طريق مكة والكوفة– ولما انتصف النهار لاحت له من بعيد هوادي خيل، فأسرع إلى جبل “ذي حُسم” ليحمي به ظهره وأصحابه، فإذ بألف فارس مع “الحر بن يزيد” أرسلهم “الحصين بن نمير التميمي” من القادسية للقائه، فأخبره الحسين بأنه لم يخرج إلى الكوفة إلا بعد أن وصلته كُتُبها ورُسُلها يدعونه بالقدوم ويعدونه بالتأييد، فأخبره الحر بأنه لا يدري شيئًا عن هذه الكُتُب والرُسُل، وأمره بأن يرافقه إلى الكوفة، أو أن يأخذ طريقًا آخر لا يُدخله إلى الكوفة ولا يُرجعه إلى المدينة، فأبى الحسين، فرافقوه حتى بلغ مشارف نينوى، وهناك أقبل راكب دفع إلى الحر بكتاب من ابن زياد، يأمره فيه بتضييق الخناق على الحسين، وإنزاله بالعراء في مكان غير حصين وغير ذي ماء، فنفذ الحر ما أُمر به، ومنع الحسين ومن معه أن ينزلوا بأية قرية، وقطع عنهم إمدادات الماء.

بعد مفاوضات طويلة طلب الحسين من “عمر بن سعد بن أبي وقاص”، عامل يزيد، أن يدعه يرجع من مكان ما أتى، أو يذهب في هذه الأرض الواسعة حتى يروا ما يصير إليه الناس، فأبى. على هذا اضطر الحسين إلى القتال، فجمع أصحابه، وخطب فيهم، وأذن لهم بالانصراف عنه، فأبوا، وكان معه اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا.

لما التقى الجمعان ظهيرة الجمعة 10 المحرم 61هـ/ 12 أكتوبر 680م، وقف الحسين يخطب في القوم، ويُذكّرهم بنسبه وقرابته النبوية، لكن دون جدوى، وتهاوى أصحابه الواحد تلو الآخر، ومات ابنه “علي الأكبر” ظمآن، واشتد العطش على الحسين، فدنا من الفرات يشرب، فرماه رجل بسهم وقع في فمه، فصاح “شِمُر ذو الجوشن” في الرجال أن يقتلوه، فتكالبوا عليه من كل صوب حتى خرَّ مضرجًا بالدماء، واُجتُزَّ رأسه، وحُمل إلى يزيد في دمشق ومعه ابنه “علي زين العابدين” ونساؤه سبايا.

الدولة الفاطمية في مصر

اعتنق الفاطميون المذهب الشيعي الإسماعيلي في صورته الأولى قبل انشقاقه إلى فرق متعددة، واستطاعوا تكوين دويلات لهم في صقلية وإفريقية (بلاد المغرب) ومصر وبلاد الشام والحجاز خلال العصر العباسي الثاني، حكمت ما يزيد على قرنين ونصف من الزمان ما بين عامي ٩٠٩ و١١٧١م.

تمتعت هذه الدولة بالقوة والنفوذ، وفرضت سيطرتها على أجزاء شاسعة من العالم الإسلامي، واستقلت بها عن الخلافة العباسية، وناطحتها السلطة والنفوذ في كثير من الأحيان، لتكون بذلك أول وآخر دولة شيعية حكمت أهم بُلدان العالم الإسلامي.

الاحتفال بعاشوراء

يعتبر المذهب الإسماعيلي ثاني أكبر المذاهب الشيعية بعد الاثني عشرية، حيث يبلغ عدد متبعيه قرابة 15 مليون شخص، ويتواجدون كأقليات صغيرة في مناطق محددة في كل من: مصر، وسوريا، واليمن، والسعودية، والهند، وباكستان وأفغانستان، وطاجيكستان، وإيران، وكينيا، وتنزانيا.

يرجع نسب الفاطميين إلى الإمام الحادي عشر لدى الشيعة الإسماعيلية “عُبيد الله بن الحسين المهدي” الذي نجح في تكوين دولة لهم في إفريقية، ثم انطلقوا منها إلى سائر الأقطار، واستقر بهم المقام في مصر عام ٩٧٠م.

تُعرف الدولة الفاطمية بهذا الاسم نسبة إلى السيدة “فاطمة الزهراء” باعتبار أن خلفاء هذه الدولة أو أمراءها المؤمنين– مثلما كان يهوى “الحاكم بأمر الله” مناداته– ينحدرون من نسل علي وفاطمة. كما تُعرف الدولة الفاطمية باسم “الدولة العُبيدية” نسبة إلى مؤسسها “عُبيد الله المهدي”.

ترك الفاطميون في مصر تراثين؛ الأول مادي نراه كلما خطونا في القاهرة القديمة، والثاني معنوي يولد فينا حالما نبصر الضياء.

التراث المادي نشهده ماثلًا أمامنا في القاهرة الفاطمية (قاهرة المُعز)؛ في قصور ومساجد وأضرحة وأبنية أثرية ممتدة في طول العاصمة القديمة وعرضها، تعد دُرر العمارة الإسلامية شرقًا وغربًا.

لما دانت مصر للخليفة الفاطمي “المعز لدين الله”، وأراد المكوث بها، اختار وزيره “جوهر الصقلي (جوذر الصقلبي)” موضعًا قريبًا من الفسطاط، وبعيدًا بعض الشيء عن جبل المقطم، يكون محلًا لمدينة الخليفة. كان هذا الموضع يُسمى في اللسان القبطي، اللغة المصرية القديمة (كاهي را)، ثم تصحف الاسم في الأفواه، وصار يُنطق (قاهرة)، فشُيدت المدينة الجديدة طاغيًا عليها اسم المكان العتيق، وغدت (قاهرة المعز) أقدم عواصم العالم القديم والحديث؛ عراقة موضعها أقدم من الفاطميين والعباسيين والأمويين.

شيد الصقلي بالمدينة الجديدة أيضًا “الجامع الأزهر” كي يصلي فيه الخليفة أول جمعة يدخل فيها قاهرته. كان الأزهر في مستهله مركزًا لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي وتدريس تعاليمه، وبعد سقوط الدولة الفاطمية على يد “صلاح الدين الأيوبي” عام ١١٧١م، تحول الجامع إلى مركز لتدريس المذاهب السُنية، وفي هذا الأمر أعجوبة من أعاجيب الزمان ونازعة من نوازع السلطان.

سُمي “الجامع الأزهر” بهذا الاسم نسبةً إلى “فاطمة الزهراء”، فكانت الدولة وجامعها يحملان اسم بنت النبي وزوجة أول الأئمة المعصومين وأم سيدي الشهداء، تيمنًا بها وبنسبها الشريف.

أما إذا تحدثنا عن التراث المعنوي للفاطميين، فإننا نتناقله جيلًا بعد جيل دون أن ندري. الاحتفال بالموالد الشعبية، إعداد حلوى المولد النبوي، زيارة أضرحة آل البيت والتبرك بها، إعداد أطباق العاشوراء، الحرص على شراء يميش رمضان وإقامة مراسم الاحتفاء بالشهر المعظم وإعداد حلواه الخاصة؛ كلها إرث فاطمي لا نزال نتبعه حتى الآن، وننفرد به عن سائر الأمصار الإسلامية.

على الرغم من تشيع الفاطميين، لم يعمدوا إلى نشر المذهب الإسماعيلي في ربوع مصر بالقوة مثلما فعل الصفويون في إيران، بل نجد أن الحاكم “بأمر الله” قد أمر بحل مجالس التبشير الشيعية منعًا للتناحر المذهبي، وحرصًا على استتباب الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي في البلاد، فبقيت الغلبة للمذهب السُني، وهو ما يفسر اختفاء التشيع من مصر تدريجيًا عقب سقوط الدولة الفاطمية، بالإضافة إلى الإجراءات الصارمة التي اتخذها صلاح الدين الأيوبي في هذا الصدد.

مراسم الاحتفال بعاشوراء في مصر

كان الفاطميون يقيمون في العاشر من المحرم احتفالًا كبيرًا، حيث تُعطل الأسواق، وتُغلق الحوانيت وأبواب الدور، ويخرج موكبٌ حاشدٌ إلى الجامع الأزهر يضم رجالات الدولة وكبارها وأتباع المذهب الإسماعيلي، يستمعون إلى قراءة القرآن ومرثيات الشعراء في مقتل الحسين وآل البيت، وبعض الأناشيد الدينية، ثم يذهبون إلى القصر، وقد فُرش بالحصير الخشن بدلًا من الأبسطة المخملية، ووضعت في بعض النواحي دكك خشبية يجلسون عليها، فيستمعون إلى الشعراء من جديد، وتُلقى كلمات جياشة تفيض شجىً وأسىً يتناسب مع هذه الذكرى المفجعة، ثم يمد سماط الحزن، وتُصف عليه أطباق العدس الأسود، والخبز مغبر اللون، والجبن، والمخللات، واللبن المحلى بالسكر والنُّقُل المجروش (العاشوراء)، والعسل الأسود، فكان البعض يأكل منها والبعض الآخر يمتنع، إذ يخيم الغم على الوجوه، ويذرف الدمع، ويتعالى الأنين ألمًا على خذلان الحسين ومقتله.

هذه المراسم اختفت من مصر عقب سقوط الدولة الفاطمية، وما بقي منها هو زيارة ضريح الحسين في ذكرى مولده ووفاته، وإعداد أطباق العاشوراء كنوع من ممارسة طقس شعبي متوارث عن السلف قد لا يعلم الكثيرون منشأه.

الدولة الصفوية في إيران

عقب تأسيس الدولة الصفوية في إيران عام 1501م على يد الشاه “إسماعيل الأول”، أعلن المذهب الشيعي الاثني عشري مذهبًا رسميًا في البلاد، وهو المذهب الذي بقيت عليه إيران حتى الآن.

تعتبر الاثنا عشرية أكبر المذاهب الشيعية وأوسعها انتشارًا في العالم الإسلامي، وعنها انبثقت سائر الفرق الشيعية الأخرى تباعًا، وقد سُموا كذلك “الإمامية” نسبة إلى الأئمة الاثني عشر، و”الجعفرية” نسبة إلى “جعفر الصادق” سادس الأئمة لديهم، كونه نُقل عنه أغلب أحكام المذهب.

يبلغ عدد متبعي هذا المذهب ما بين 150 إلى 200 مليون شخص، يشكلون الأغلبية العظمى في إيران والبحرين، حيث يمثلون في الأولى قرابة 90%، وفي الثانية قرابة 70% من إجمالي تعداد السكان، ثم العراق حيث يمثلون نسبة تتراوح ما بين 60% إلى 65% من إجمالي تعداد السكان، كما يتواجدون كأقليات صغيرة في كل من: السعودية، والكويت، والإمارات، وسلطنة عُمان، وقطر، ولبنان، وسوريا، وأذربيجان، وباكستان، وبنجلادش، والهند، وتشاد، ونيجيريا، وتنزانيا.

جرت مراسم فرض المذهب الاثني عشري بحد السيف، فقد كان أغلب الإيرانيين قبل العصر الصفوي على المذهب السُني، أما الشيعة فكانوا أقليةً مذهبيةً تتمركز في بعض المدن مثل قُم، والرِي، وكاشان. وقد كانت البداية في مدينة “تبريز” العاصمة الإيرانية آنذاك، ثم تلتها بعد ذلك سائر المدن كإصفهان، ومشهد، ومازندران، ولُرِستان، وغيرها، ومنذ ذلك الوقت أصبحت إيران هي أول دولة شيعية في العالم الإسلامي.

على الرغم من أن الصفويين لم تكن لهم أية علاقة بالتشيع قبل وصولهم إلى سُدة الحكم، كما أن جدهم الأكبر “صفي الدين الأردبيلي” كان شيخًا صوفيًا شافعي المذهب، إلا أن الكتب التي أرخت للصفويين في عصر الشاه إسماعيل الصفوي وما تلاه من عصور، قد اخترعت لصفي الدين نسبًا يصل إلى الإمام “موسى الكاظم”، سابع أئمة الشيعة الاثني عشر، وبهذا غدا الصفويون ينحدرون من نسل الأئمة.

وقد قصد إسماعيل الصفوي من إقرار المذهب الشيعي في إيران ثلاثة أهداف:

أولًا: إضفاء صفة دينية على حكمه إلى جانب الصفة الدنيوية حتى يصير له ولأسرته ولخلفائه من بعده الحق والشرعية في اعتلاء العرش وتوارثه، مستندين إلى النسب العلوي في ادعاء المُلك والسيطرة على الحكم.

ثانيًا: أن يظهر الصفويون أمام الناس بأنهم أحق بتولي السلطة من أبناء جنسهم وبني عمومتهم الأتراك العثمانيين الذين أقاموا دولةً لهم في آسيا الصغرى، ثم تلقبوا بألقاب الخلفاء المسلمين، لذا استقدم إسماعيل الصفوي إلى إيران “علي بن عبد العالي الكَركي”، كبير فقهاء الشيعة في جبل عامل بلبنان، وطلب منه أن يُجيز جلوسه على العرش باسم “ولاية الفقيه”، وبهذا أصبح الشاه إسماعيل الصفوي بصفته الدينية يعلو فوق أية سلطة أخرى في الدولة الإيرانية.

اختبار الصفقة الأمريكية الجديدة.. هل يمكن اعتبار إيران “دولة طبيعية”؟

ثالثًا: الحصول على ضريبة الخُمس؛ فباعتبار أن الصفويين من نسل الأئمة، يحق لهم الحصول على خُمس مكاسب كل فرد شيعي، وذلك إعمالًا بالآية الكريمة: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى}، فكانت خزائن الملوك الصفويين مكدسةً بأموال وثروات تتحدث عنها كتب التاريخ بسبب جمعهم هذه الضريبة.

ويقصر الشيعة في تفسيرهم لهذه الآية أقرباء الرسول على علي ونسله فحسب، مسقطين بذلك آل بني هاشم الآخرين. وضريبة الخُمس اليوم هي حق مكتسب للفقهاء الشيعة باعتبارهم خلفاء الأئمة.

مراسم الاحتفال بعاشوراء في إيران

يبدأ الإيرانيون مراسم التعازي في مقتل الحسين في الأول من شهر المحرم، وتستمر هذه المراسم حتى نهاية شهر صَفر، فتتشح البلاد بأثواب الحداد، وتُعطل الملاهي، إلا أن أشد أيام التعازي هي العشرة الأولى من المحرم، حيث تُقام مجالس العزاء في كل مكان، وتتجمع النساء والرجال، ويقوم في هذه المجالس متكلم بليغ حسن الأداء بقص مأساة الحسين، وإنشاد المراثي بصوت حزين ولحن منغم، فيغلب الناسَ البكاءُ، وتجري دموعهم حسبة عند الله، وقد يبكي المتكلم أيضًا من شدة الاندماج، فيزيد تأثيره فيهم. ويسمى هذا الرجل “روضه‌خوان”، أو “روضه‌خون” –كما تجري على ألسنة العوام– ومعناها “منشد الروضة”. وأصل التسمية يرجع إلى منظومة “روضة الشهداء” للأديب والعالم الموسوعي الإيراني “حسين بن علي الواعظ الكاشفي” التي صنفها عام 1503م، وهي أقدم كتاب في مراثي الأئمة وأشهره، وكان إنشاد هذه المنظومة يُسمى “روضه‌خوانى” أي “إنشاد الروضة”، وكان منشدها يسمى “روضه‌خوان” أي “منشد الروضة”، ثم أُطلقت التسمية على إنشاد كل كتب المراثي، فسُمي منشدوها “روضه‌خوانان”.

وأرهب أيام التعازي هو العاشر من المحرم، ويُعرف لدى الشيعة باسم “روز قتل” أي “يوم القتل”، حيث تخرج جموع الناس في فرق منظمة أشبه ما تكون بفرق الجنود في العرض العسكري، ويسيرون في الشوارع والميادين الرئيسية؛ بعضهم يضرب الصدور، ويسمون “سِينِه‌زَنان” أي “ضاربو الصدور”، وبعضهم يضرب الظهور العارية بالسلاسل، ويسمون “زنجيرزنان” أي “ضاربو السلاسل”، والبعض يشج الرءوس بنوع من المِدى، ويسمون “قَمه‌زنان” أي “المطبرون”، ويسألون الله المغفرة بهذه الدماء السائلة من رءوسهم وأجسادهم في سبيل الحسين. يتقدم هذه الفرق جماعات تنشد عبارات محزنة بنغمات رتيبة، على وقفاتها تضرب الصدور والظهور والرءوس، ويردد مقاطعَها جموعُ الناس من بعدهم، فتقوم تلك الجماعات بدور “النادبات” في مآتمنا الشعبية، ويسمون “نوحه‌خوانان” أي “النائحون”.

هذه الطقوس الدموية لم تعد تُمارس في إيران على هذه الصورة حاليًا، كما أن السلطات الإيرانية تحذر دائمًا من استخدام الآلات الحادة أثناء مواكب التعازي في عاشوراء، حيث يكتفي المشاركون في هذه المواكب بالربت على صدورهم بكفوفهم، وضرب ظهورهم بما يشبه “المنشة”. والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة الآن: كيف صدرت إيران هذه الطقوس المنفرة للنفس إلى الشيعة في العالم أجمع مع أنها قد توقفت عن ممارستها؟!

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مراسم التعازي تختلف باختلاف البلدان الإسلامية؛ حيث يقيم شيعة الهند وأفغانستان وبعض الدول العربية، وفي مقدمتها العراق –إذ تقع بها قبلة الشيعة في العالم أجمع مدينة كربلاء المقدسة– مراسم مختلفة عما ذُكر في إيران آنفًا.

في النهاية أختمُ مقالي قائلًا.. إن كنا سُنةً أو شيعةً، لا يختلف مسلم على وجه البسيطة على محبة العترة النبوية الشريفة وتبجيلها؛ في العراق سالت دماء الحسين الزكية، وإلى مصر لجأت نساؤه الطاهرات، ووُورِيت جثامينهن الثرى، وفي إيران استقر المذهب الشيعي، ونما في أرضها وشق سماءها كالنخلات السامقات، وفي سائر البلدان الإسلامية لا تكف الحناجر عن تلاوة صلاة الله وسلامه على الرسول الكريم وآل بيته الأطهار، فتعبق الأفواه بذكرهم الطيب.

مقالات ذات صلة