الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةصدام القيم في سلوفاكيا.. جدل الفن والدين يشعل الشارع

صدام القيم في سلوفاكيا.. جدل الفن والدين يشعل الشارع

ميشالا جانوفسكا ـ إعلامية وسياسية سلوفاكية 

لم تعد معارك أوروبا اليوم تدور فقط حول الاقتصاد أو الهجرة أو الأمن، بل امتدت إلى صراع أكثر حساسية يتعلق بالهوية والقيم وحدود الحرية؛ ففي سلوفاكيا، فجّر معرض فني لطلاب أكاديمية الفنون عاصفة سياسية ودينية بعد اتهامات باستخدام رمز الدولة والمسيحية بصورة اعتبرها كثيرون “إهانة صريحة للمقدسات والهوية الوطنية”.

حيث أثارت الصحفية والمعلقة السياسية ميشالا جانوفسكا جدلاً واسعاً بعد ردّها الحاد، عبر مقطع فيديو نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي، على أزمة حديثة مرتبطة بمعرض لطلاب أكاديمية الفنون الجميلة والتصميم في سلوفاكيا، حيث جرى – بحسب منتقدين – استخدام رمز “الصليب المزدوج السلوفاكي” بطريقة اعتبرها جزء من الرأي العام تدنيساً لرمز ديني ووطني. وقد تضمّن العمل الفني الفوتوغرافي ما وُصف بأنه تحويل لرمز الدولة والمسيحية إلى “أداة ذات إيحاءات جنسية”.

وجاءت تصريحات جانوفسكا عقب مشاركتها في تجمع أمام المجلس الوطني لجمهورية سلوفاكيا، إلى جانب الأب ماريان كوفا وعدد من أعضاء البرلمان، حيث تناولت قضايا حرية التعبير وحدود الفن وحماية الرموز الوطنية.

وفي خطابها، دعت المواطنين إلى التوقف عن الاكتفاء بالمشاهدة والتعليق عبر الإنترنت والانخراط بصورة أكبر في الحياة العامة، متسائلة: “إلى متى سنبقى سلبيين؟”، في رسالة موجهة إلى من يكتفون بالتفاعل الرقمي دون تحرك فعلي.

جدل حرية الفن وحدود التعبير

بدأت الأزمة مع معرض لطلاب أكاديمية الفنون الجميلة والتصميم، حيث رأى منتقدون أن الرمز الوطني السلوفاكي – الصليب المزدوج المرتبط بالإرث الديني للقديسين كيرلس وميثوديوس – تعرض للإهانة والتدنيس.

وشددت جانوفسكا على أن القضية “ليست مجرد فن”، قائلة إن “استخدام الصليب المزدوج كأداة ذات طابع شرجي يمثل تدنيساً مباشراً لشعار الدولة ولرمز من رموز العقيدة المسيحية”.

واعتبرت أن ردود فعل بعض الأوساط الأكاديمية، من أساتذة ومديرين ومسؤولين جامعيين، كانت “صادمة وغير مفهومة”، مؤكدة أن الطلاب يُرسلون إلى الجامعات من أجل التعلم وليس لإهانة رموز الدولة.

كما أشارت إلى أن القوانين السلوفاكية الخاصة بالرموز الوطنية تنص بوضوح على ضرورة استخدامها بطريقة يحكمها القانون واحترامها من قبل الجميع.

وأضافت أن “المعرض الذي يحتوي على أعمال تُهين رمزاً وطنياً يُعد انتهاكاً للقانون وليس مجرد ممارسة لحرية التعبير”، معتبرة أن المؤسسات التعليمية تتحمل أيضاً مسؤولية قانونية وأخلاقية في تعزيز الوطنية واحترام رموز الدولة من خلال العملية التعليمية.

“الفن” تحت النار

وانتقدت جانوفسكا بشدة موقف أكاديمية الفنون، معتبرة أن إدارة الجامعة والأساتذة لم يُظهروا موقفاً واضحاً لإدانة الواقعة. كما تحدثت عن نقاش دار بينها وبين أحد الأساتذة الذين دافعوا عن العمل باعتباره جزءاً من حرية الفن والتعبير.

ورأت أن هناك “ازدواجية في المعايير”، موضحة أن الإساءة إلى رمز مسيحي تُبرر تحت شعار حرية التعبير، بينما كانت ردود الفعل ستكون أكثر حدة لو تعلق الأمر برموز دينية أخرى؛ وأكدت في الوقت ذاته أنها تؤمن بالتسامح الديني وترفض الإساءة لأي دين”.

“طريقة السلامي” وتغيير القيم

ولم تقتصر تصريحاتها على الحادثة نفسها، بل وصفت ما يجري بأنه جزء من “طريقة السلامي”، في إشارة إلى التغيير التدريجي للقيم المجتمعية عبر خطوات صغيرة متتالية. واعتبرت أن بعض القوى الغربية باتت تعمل على “تمييع الحدود والتقاليد” تحت غطاء الحرية الفردية والفنية.

وتساءلت جانوفسكا: “أين تقف حدود الحرية الفنية عندما يتم اختزال رمز الدولة أو الصليب إلى مستوى الاستخدام الجنسي؟”، محذرة من أن غياب أي ردع أو محاسبة سيجعل مثل هذه الوقائع تتكرر مستقبلاً بصورة أكبر.

في النهاية، لا تبدو الأزمة في سلوفاكيا مجرد جدل عابر حول عمل فني، بل تعكس صداماً أعمق بين تيارين متناقضين داخل أوروبا الحديثة: تيار يدفع نحو توسيع حدود الحرية بلا قيود، وآخر يرى أن الحفاظ على الهوية والرموز الدينية والوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

وبين هذين الاتجاهين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع المجتمعات الأوروبية تحقيق التوازن بين حرية التعبير واحترام مقدسات الشعوب، أم أن القارة تتجه نحو مرحلة أكثر حدة من الصراعات الثقافية والقيمية؟

مقالات ذات صلة