الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

سياسةعقدة هرمز.. الدبلوماسية المسلحة

عقدة هرمز.. الدبلوماسية المسلحة

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بريماكوف للاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم

 

اختبر التصعيد الحالي بين الولايات المتحدة وإيران الاتفاق المؤقت الذي كان من المفترض أن يوقف المرحلة العسكرية المباشرة من النزاع ويمنح الطرفين شهرين للتفاوض، رسميًا، لم تُختتم العملية الدبلوماسية بعد، وهي تحت ضغط الهجمات والتهديدات والاتهامات المتبادلة، فضلًا عن الصراع على مرور السفن عبر مضيق هرمز.

ومؤخراً، اكتسبت الأزمة زخماً جديداً، فبعد الهجوم على ناقلة نفط قرب مضيق هرمز، شنت الولايات المتحدة ضربات على منشآت إيرانية مرتبطة بالمراقبة والاتصالات والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة وزرع الألغام. وردّت إيران بضربات على أهداف مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في الكويت والبحرين. وهكذا، امتدّ التوتر إلى دول الخليج، حيث تتمركز نسبة كبيرة من البنية التحتية العسكرية الأمريكية.

قواعد الأمن

السؤال الأهم الآن هو من سيحدد قواعد الأمن العملية في الخليج العربي بعد انتهاء المرحلة الحالية من الصراع، بالنسبة للولايات المتحدة، من الضروري إثبات أن الملاحة التجارية لا يمكن أن تعتمد على قرارات طهران. المخاطر جسيمة، لا سيما أسعار النفط والغاز التي أشعلت أزمة طاقة عالمية وأدت إلى تراجع شعبية دونالد ترامب في الولايات المتحدة قبيل انتخابات الكونغرس.

ولا يزال مضيق هرمز يمثل ورقة نفوذ رئيسية لإيران. وتسعى طهران لإثبات أنها لا يمكن استبعادها من الترتيبات الأمنية الخليجية المستقبلية. ويؤكد القادة الإيرانيون فعلياً على ضرورة مراعاة مصالح إيران في مرور السفن، وخفض التصعيد، ومناقشات البرنامج النووي، وإلا سيبقى الاتفاق حبراً على ورق.

هرمز

لذا، لا تبدو الضربات الحالية انتكاسة عشوائية، بل هي جزء من عملية التفاوض الجارية. تسعى الولايات المتحدة إلى حرمان إيران من أدواتها للضغط على الملاحة البحرية، بينما تُظهر إيران أن القواعد والموانئ ومرافق الاتصالات الأمريكية في المنطقة لا تزال مُعرّضة للخطر، يرفع كل طرف تكلفة الصراع على الطرف الآخر، مع الاحتفاظ بخيار العودة إلى المفاوضات.

الكويت والبحرين

أصبح تورط الكويت والبحرين مسألة حساسة للغاية. لا ترغب هاتان الدولتان في تصعيد الحرب، لكن أمنهما مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوجود العسكري الأمريكي. أي ضربة على أراضيهما ستحوّل الأزمة الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران إلى تهديد للنظام الأمني برمته في دول الخليج العربية. بالنسبة لهاتين الدولتين، يعني أي تصعيد جديد زيادة في مخاطر التأمين، وضغطًا على الأسواق المالية، واضطرابًا في الخدمات اللوجستية للنقل، التي لم تبدأ بعد بالعمل بشكل طبيعي.

كما كان من المفترض أن يعالج الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران هذه القضايا. وكان هدفه وقف المرحلة الأكثر خطورة من الصراع، وإعادة فتح خطوط الملاحة، وطرح القضايا الشائكة للتفاوض. والآن، باتت نقاط ضعف هذا الإطار واضحة، إذ يختلف فهم الطرفين لطبيعة الاتفاق نفسه.

ظرف آخر يُعقّد الحسابات

تعتمد السياسة الإيرانية في المنطقة على شبكة من القوات والحركات المتحالفة في لبنان والعراق واليمن ودول أخرى. بالنسبة لطهران، تُعدّ هذه الشبكة وسيلةً لموازنة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. أما بالنسبة لواشنطن وإسرائيل وحلفائهما، فتظل هذه الشبكة مصدر تهديد دائم. لذا، فإن الاتفاق الأمريكي الإيراني لا يعتمد فقط على الاتصالات الثنائية، بل قد يتعثر بفعل أحداث تجري على مسارات موازية.

فالوضع المحيط بحزب الله، والضربات الإسرائيلية، ومسألة وجود القوات الإسرائيلية في جنوب البلاد، تؤثر بشكل مباشر على التصورات الإيرانية للمفاوضات. إذا ما عاد القطاع اللبناني إلى مرحلة الأعمال العدائية، فسيكون من الصعب على طهران الحفاظ على خط التفاوض مع واشنطن. في المقابل، لن تتمكن الولايات المتحدة من فصل التزاماتها تجاه إسرائيل تمامًا عن المفاوضات مع إيران.

ويمكن وصف ما يحدث الآن بالدبلوماسية المسلحة، لا تزال قنوات الاتصال مفتوحة، ويحتفظ الوسطاء بنفوذهم، لكن الأطراف تتفاوض بما يتجاوز مجرد البيانات ومشاريع الاتفاقيات. فهم يستخدمون ضربات محدودة، واستعراضات للقدرات، وممارسة الضغط على نقاط ضعف الخصم. ويمكن الحفاظ على هذا النمط لبعض الوقت، شريطة ألا يتخذ أي من الطرفين خطوة تستدعي ردًا فوريًا وواسع النطاق.

السؤال الحاسم

وفي الأيام المقبلة، سيكون السؤال الحاسم هو ما إذا كان من الممكن إعادة تفعيل آلية عمل مضيق هرمز. هل سيتم التوصل إلى اتفاقيات محددة بشأن المسارات المقبولة، والجهة المسؤولة عن إرسال الإنذارات، وكيفية عمل السفن الحربية، والهجمات التي ترغب الأطراف في وقفها، والجهات الوسيطة المسؤولة عن الاتصالات العملياتية؟ في حال تفعيل هذه الآلية، سيبقى الاتفاق المؤقت ساريًا، ولكنه قابل للتفاوض.

حتمية التحول.. قراءات بريماكوف 2026 تفكك شرعية النظام الدولي القائم

يبدو أن استمرار المفاوضات الشاقة هو الأرجح في الوقت الراهن. ستُظهر الولايات المتحدة استعدادها لحماية الملاحة البحرية وضرب الأهداف التي تعتبرها أدوات ضغط إيرانية. ستستخدم إيران مضيق هرمز، وعلاقاتها الإقليمية، والتهديد بالرد لضمان أخذ موقفها بعين الاعتبار في مناقشات العقوبات، وبرنامجها النووي، ونظام الأمن المستقبلي.

ستُكبّد الحرب الشاملة جميع الأطراف المعنية خسائر فادحة. لذا، من المرجح أن تسعى الأطراف إلى احتواء الأزمة ضمن إطار محدود.

ويكمن جوهر ما يحدث في النزاع حول مستقبل النظام في الخليج العربي؛ فقد تضافرت عوامل عديدة، منها حرية الملاحة، والبرنامج النووي، والعقوبات، والتزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها، وهشاشة الأنظمة الملكية الخليجية، ورغبة إيران في الحفاظ على مكانتها الإقليمية؛ إذا ما توصلت الأطراف إلى حل مؤقت، فإن الأزمة ستتحول إلى مفاوضات شاقة حول الضمانات والتنازلات؛ أما في غياب هذا الحل، فستبدأ المناوشات العسكرية المتفرقة في التأثير على مسار الأحداث بوتيرة أسرع من قدرة الدبلوماسية على كبحها.

 

مقالات ذات صلة