د. سيد أحمد فؤاد أكاديمي وباحث في الشأن الإيراني
عشية مرور ستة أشهر على الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرًا تناول العديد من التحذيرات الصادرة عن مسؤولين استخباراتيين وعسكريين تجاهلها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قبل بدء الحرب.
وفي الوقت نفسه تناولت وسائل إعلام أمريكية أخرى في تقاريرها التكاليف الخفية للحرب، وتغيير واشنطن لاستراتيجية الحرب من الهجمات العسكرية إلى الضغط الاقتصادي، وتداعيات الحرب على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، وكذلك تصاعد التوترات الأمنية داخل البلاد.
ووفقًا لصحيفة “وول ستريت جورنال”، ورغم التحذيرات الجدية، شنّ “دونالد ترامب” عمليات عسكرية انطلاقًا من افتراضه أن إيران في أضعف حالاتها منذ عقود.
وبحسب الصحيفة، حذّرت “تولسي جابارد”، مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية آنذاك، “ترامب” في البيت الأبيض قبل أيام من هجمات 28 فبراير 2026، من أن اغتيال المرشد الإيراني “علي خامنئي” قد يُفضي إلى وصول حكومة أكثر تطرفًا إلى السلطة، وذات رغبة أكبر في امتلاك أسلحة نووية. كما توقعت أيضًا أن تُغلق إيران مضيق هرمز، وتُعطّل أسواق الطاقة العالمية، وتستهدف القوات الأمريكية وحلفاءها في الشرق الأوسط.
في حين أن القادة العسكريين قد حذّروا أيضًا من وقوع خسائر بشرية، وتناقص مخزون الذخيرة، وتزايد الضغط على القوات الأمريكية. واقترح نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” منح المزيد من الوقت للمفاوضات، واللجوء إلى عملية سريعة وواسعة النطاق فقط في حال فشل الدبلوماسية.
وقد أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن دعم رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، وعرض خيارات وصفها البنتاجون بأنها “حاسمة”، أقنعا ترامب بالهجوم.
ووفقًا للصحيفة، فقد تحققت العديد من العواقب التي تم التنبؤ بها قبل الحرب، ولا تزال الحرب، التي كان من المفترض أن تنتهي في غضون ستة أسابيع، مستمرة بعد مرور ستة أشهر تقريبًا.
وبحسب الإحصائيات الواردة في التقرير، فقد قُتل نحو 3000 إيراني و18 جنديًا أمريكيًا، وأكد البنتاجون إصابة 756 جنديًا أمريكيًا. كما ألحقت الحرب أضرارًا بالقواعد الأمريكية، وقلصت أيضًا مخزون البلاد من الأسلحة والنفط، ورفعت أسعار الوقود.
الأضرار الخفية للهجمات الإيرانية على شبكة الاستخبارات الأمريكية
كشفت شبكة NBC جانبًا نادرًا من أضرار الحرب مع اقترابها من شهرها السادس. فقد أفادت الشبكة، نقلًا عن أربعة مصادر مطلعة، أن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية على مراكز الاستخبارات الأمريكية وأجهزة التنصت في الشرق الأوسط تسببت في أضرار أوسع بكثير مما أُعلن عنه.
ووفقًا للتقرير، فإن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وغيرها من وكالات الاستخبارات الأمريكية تفوق أي دمار شهدته أجهزة التجسس الأمريكية من قبل، وستُكلّف إعادة بنائها مليارات الدولارات.

وشملت أهداف الهجمات مباني الاستخبارات وأنظمة الاتصالات والمعدات المتطورة المستخدمة لجمع وتحليل المعلومات حول إيران والمنطقة.
ونظرًا لسرية هذه المراكز، لم تُعلن الحكومة الأمريكية عن الموقع الدقيق وحجم الأضرار، لكن يبدو أن الأضرار لا تقتصر على المباني فحسب، بل تأثرت أيضًا بعض القدرات التقنية والاستخباراتية الأمريكية.
وقد يكون هذا الوضع قد عرقل قدرة واشنطن على مراقبة الأنشطة والتطورات العسكرية الإيرانية في الخليج بشكل مستمر، على الأقل في المدى القريب.
ووفقًا لشبكة NBC، أجبرت الهجمات الإيرانية المسؤولين الأمريكيين على مراجعة طريقة نشر القوات والمعدات الحساسة في المنطقة.
تحويل الاستراتيجية من الضربات العسكرية إلى الضغوط الاقتصادية
هذا وقد أفاد موقع “أكسيوس” أن وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” أبلغ حلفاء واشنطن بأن الولايات المتحدة قد غيرت استراتيجيتها من الضربات العسكرية إلى العقوبات والضغوط الاقتصادية في الوقت الراهن.
وجاء هذا التغيير بعد أن تمكنت الولايات المتحدة من إنشاء ممر محدود لناقلات النفط عبر الجزء الجنوبي من مضيق هرمز، بالقرب من المياه العُمانية.
ووفقًا لمسؤولين أمريكيين، فإنه يمر عبر هذا الممر حوالي 10 ملايين برميل من النفط يوميًا. مع أن هذا الرقم لا يزال يُمثل نصف مستوى ما قبل الحرب تقريبًا. ويؤكد موقع “أكسيوس” أن تغيير الاستراتيجية لا يعني التخلي عن الخيار العسكري.
هذا وتأمل واشنطن في إجبار إيران على الموافقة من خلال الجمع بين العقوبات والحصار البحري والدبلوماسية، مع الحفاظ على استعدادها لاستئناف الهجمات.
اختبار نظرية ترامب للقوة
وقد ذكرت شبكة CNN الإخبارية في تقرير تحليلي أن “إدارة ترامب” للحرب تقوم على افتراض أن القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية تُجبر الحلفاء والأعداء على قبول مطالب واشنطن. إلا أن المقاومة الإيرانية والحرب التجارية المتزامنة مع كندا قد وضعتا هذه النظرية على المحك. حيث تقاوم إيران القوة العسكرية الأمريكية منذ ستة أشهر، ولم يتمكن “ترامب” حتى الآن من إنهاء الحرب بالشروط التي يرغب بها.
ومن جهة أخرى، وقفت كندا، إحدى أقرب حلفاء أمريكا، في وجه الضغوط التجارية التي تمارسها واشنطن، واتهمت إدارة ترامب باستخدام التبعية الاقتصادية بين البلدين كسلاح.
وبحسب الشبكة، قد تُقوّض هذه السياسات مصداقية دونالد ترامب السياسية، وفي الوقت نفسه تُخلّف عواقب اقتصادية وسياسية وخيمة على الولايات المتحدة.
الحرب مع إيران على صناديق الاقتراع
كما ذكرت صحيفة “بوليتيكو” في تقرير لها أن الحرب مع إيران عشية انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم لم تعد مجرد قضية سياسية خارجية، بل أصبحت أيضًا مصدر قلق بالغ نظرًا لتأثيرها على تكلفة المعيشة. وأصبح هذا الأمر مصدر قلق للعائلات الأمريكية أيضًا.
وبحسب الصحيفة، فإن ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة قد أثار تساؤلات حول وعود ترامب بالسيطرة على التضخم. وفي الوقت نفسه، يسعى الديمقراطيون إلى تحميل الرئيس والجمهوريين مسؤولية الوضع الراهن.
وبناءً على ذلك، تكتسب هذه القضية أهمية أكبر في الدوائر الانتخابية المتنافسة، فلا يزال بعض الجمهوريين تؤيدون العمليات العسكرية؛ لكن عددًا منهم يخشى أن يؤدي استمرار الحرب وغياب رؤية واضحة إلى تعريض سيطرة الحزب على الكونغرس للخطر.
ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته رويترز/ إيبسوس، انخفض تأييد الحرب إلى 31%، وانخفضت نسبة تأييد السيد ترامب إلى 33%. كما يتوقع 83% من المستطلعة آراؤهم أن تستمر الحرب لفترة طويلة.
محاكمة ضابط منتقد للحرب
أفادت شبكة CBS أن الرائد “جيسون واتسون”، وهو ضابط في سلاح الجو الأمريكي يبلغ من العمر 40 عامًا، يواجه اتهامات غير مسبوقة في نظام القضاء العسكري بعد انتقاده العلني لدونالد ترامب والحرب على إيران.
فقد رفع السيد “واتسون” لافتة كُتب عليها “استجواب، إدانة، عزل” أثناء احتجاجٍ أمام مبنى الكونجرس مرتديًا زيه العسكري. وكان يعتبر شنّ حربٍ دون تفويضٍ من الكونجرس أمرًا غير دستوري، وقد اتهم السيد واتسون الرئيس ترامب بانتهاك الدستور، وخرق القانون، والفساد، وقتل أمريكيين.
فيما وجهت القوات الجوية الأمريكية إليه تهمة انتهاك المادة 88 من قانون القضاء العسكري، وعصيان الأوامر، وسلوكٍ لا يليق بضابط عسكري. وتحظر هذه المادة على الضباط استخدام عباراتٍ مهينة بحق الرئيس وكبار المسؤولين الآخرين.
تهديدات ضد عائلة ترامب
وقد أفادت “فوكس نيوز” أيضًا بأن جهاز الخدمة السرية الأمريكية يُراجع لقطاتٍ إعلامية إيرانية يُهدد فيها “بارون ترامب”، نجل الرئيس الأمريكي البالغ من العمر 20 عامًا، بالقتل.
يُظهر الفيديو مواقع مرتبطة برحلات “بارون”، وينتهي بإعلانٍ عن مكافأةٍ محتملة قدرها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلوماتٍ عن مكان وجوده؛ وهو ادعاءٌ لم يتم التحقق منه بشكلٍ مستقل. هذا وقد أعلنت الخدمة السرية أنها تحقق في أي مواد قد تُعتبر تهديدًا للأفراد الذين تحميهم. وفي الوقت نفسه قد نشرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية مرارًا وتكرارًا تهديدات ضد دونالد ترامب وعائلته منذ اغتيال علي خامنئي.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5579

