الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

اقتصادفرنسا وأموال بوتفليقة.. هل تنجح الجزائر في استعادة المليارات المهربة؟

فرنسا وأموال بوتفليقة.. هل تنجح الجزائر في استعادة المليارات المهربة؟

من جديد، عاد ملف “فرنسا وأموال بوتفليقة” الأموال الجزائرية المهربة إلى الصدارة بعد إعلان باريس استعدادها للتعاون مع الجزائر في إعادة الممتلكات والأصول المرتبطة بقضايا الفساد التي تعود إلى فترة حكم الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة. ويحظى هذا الملف بأهمية سياسية واقتصادية كبيرة، ليس فقط بسبب حجم الأموال التي تسعى الجزائر لاستعادتها، بل أيضًا لأنه يمثل أحد أبرز مطالب الشارع الجزائري منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019.

تأتي الخطوة الفرنسية في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين محاولات لإعادة بناء الثقة بعد سنوات من التوترات السياسية والخلافات المرتبطة بملفات الذاكرة والهجرة والتعاون القضائي.

فرنسا وأموال بوتفليقة

جاء الإعلان الفرنسي خلال زيارة وزير العدل جيرالد دارمانان إلى الجزائر، حيث التقى الرئيس عبدالمجيد تبون في قصر المرادية. وأوضح الوزير الفرنسي أن زيارته تمت بتكليف مباشر من الرئيس إيمانويل ماكرون في إطار مساعٍ لتعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات الحساسة، وعلى رأسها ملف الأموال المنهوبة.

فرنسا وأموال بوتفليقة

وأكد دارمانان أن السلطات الجزائرية تقدمت بنحو مائة طلب قضائي يتعلق بتتبع واسترجاع أموال وممتلكات يشتبه في أنها اكتسبت بطرق غير مشروعة خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن باريس مستعدة للتعاون مع القضاء الجزائري لدراسة هذه الملفات والعمل على مصادرة الأصول التي تثبت ارتباطها بجرائم فساد تمهيدًا لإعادتها إلى الجزائر وفق الأطر القانونية المعمول بها.

ملف شائك 

يمثل ملف فرنسا وأموال بوتفليقة “الأموال المهربة” أحد أكثر الملفات تعقيدًا في العلاقات الجزائرية الأوروبية، إذ تتوزع الأصول المستهدفة بين حسابات مصرفية وعقارات وشركات واستثمارات في عدد من الدول الأجنبية. ومنذ سقوط نظام بوتفليقة، جعلت السلطات الجزائرية من استرجاع هذه الأموال أولوية سياسية وقضائية.

وتعتبر الجزائر أن استعادة الأموال المنهوبة لا تتعلق فقط بتعويض الخسائر الاقتصادية، بل تحمل أيضًا بعدًا رمزيًا يرتبط بمحاسبة رموز الفساد وإثبات جدية الدولة في مكافحة التجاوزات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية. ولهذا السبب، تحظى أي تطورات في هذا الملف باهتمام واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية.

انتقادات سابقة 

ورغم التصريحات الإيجابية الأخيرة، فإن التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا فيما يخص “أموال بوتفليقة” لم يكن دائمًا بالمستوى المطلوب من وجهة النظر الجزائرية. فقد وجهت الرئاسة الجزائرية خلال الأشهر الماضية انتقادات مباشرة لباريس بسبب ما وصفته ببطء الاستجابة للطلبات القضائية المتعلقة بالأموال المهربة.

واتهمت الجزائر السلطات الفرنسية بعدم الرد على عشرات الإنابات القضائية الخاصة بتعقب أصول مالية لمسؤولين ورجال أعمال سابقين. كما أشارت إلى أن بعض الدول الأوروبية الأخرى أظهرت تعاونًا أكبر في هذا المجال، وهو ما دفع الجزائر إلى المطالبة بتسريع الإجراءات الفرنسية وتوفير دعم قضائي أكثر فاعلية.

دعوات متبادلة لتسريع الإجراءات

في محاولة لإثبات جدية التوجه الجديد، أعلن وزير العدل الفرنسي توجيه دعوة لمسؤولين قضائيين جزائريين لزيارة باريس خلال الفترة المقبلة بهدف دراسة الملفات المشتركة بشكل مباشر وتنسيق الجهود بين الجهات القضائية في البلدين.

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لإزالة العقبات الإجرائية التي غالبًا ما تعطل عمليات استرجاع الأموال عبر الحدود. فهذه القضايا تتطلب تبادلًا مستمرًا للمعلومات والأدلة القضائية، فضلًا عن استيفاء شروط قانونية معقدة قبل إصدار قرارات الحجز أو المصادرة.

ماذا استرجعت الجزائر حتى الآن؟

منذ عام 2019 أطلقت الجزائر حملة واسعة لمكافحة الفساد شملت عددًا من كبار المسؤولين والوزراء ورجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق. وأسفرت هذه الحملة عن استرجاع شركات وممتلكات وأصول مالية ضخمة داخل البلاد وخارجها.

وكان الرئيس عبدالمجيد تبون قد أعلن في وقت سابق أن الجزائر تمكنت من استعادة ما يقارب 30 مليار دولار من الأموال والعائدات المرتبطة بقضايا الفساد. كما جرى دمج عدد من المؤسسات الاقتصادية المسترجعة ضمن الدورة الاقتصادية الوطنية بعد نقل إدارتها إلى جهات حكومية مختصة، في خطوة هدفت إلى الحفاظ على النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل.

أبعاد سياسية تتجاوز الجانب المالي

يرى مراقبون أن التحرك الفرنسي لا يقتصر على الجانب القضائي فقط، بل يرتبط أيضًا بمحاولات احتواء التوترات التي شهدتها العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة. فملفات الذاكرة الاستعمارية والهجرة والتأشيرات والتعاون الأمني أثرت بشكل متكرر على مستوى العلاقات بين البلدين.

ومن هذا المنطلق، قد يشكل التعاون في ملف الأموال المهربة فرصة لإعادة بناء الثقة السياسية بين باريس والجزائر. كما تدرك فرنسا أن هذا الملف يحظى بحساسية كبيرة لدى الرأي العام الجزائري، وأن أي تقدم ملموس فيه قد يساهم في تحسين صورة التعاون الثنائي خلال المرحلة المقبلة.

تحديات قانونية قد تعرقل المسار

ورغم الأجواء الإيجابية الحالية، فإن استرجاع الأموال المنهوبة يظل عملية قانونية معقدة وطويلة. فإثبات ملكية الأصول وربطها بجرائم فساد يتطلب إجراءات قضائية دقيقة قد تستغرق سنوات داخل المحاكم الأوروبية.

كما أن القوانين المالية الدولية وحماية الملكية الخاصة وحق التقاضي تمنح أصحاب الأصول أو ورثتهم فرصًا متعددة للطعن في قرارات المصادرة. ولذلك فإن نجاح المساعي الجزائرية سيعتمد بدرجة كبيرة على قوة الملفات القضائية المقدمة ومستوى التنسيق بين المؤسسات المختصة في البلدين.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

ربما قد ينجح التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا واستعادة جزء مهم من الأصول المجمدة خلال السنوات المقبلة، وق يستمر التعاون السياسي مع بطء الإجراءات القانونية، ما يؤدي إلى تقدم محدود في عمليات الاسترجاع.

وقد تظهر عقبات قانونية أو سياسية جديدة تعرقل تنفيذ قرارات المصادرة وتؤخر إعادة الأموال إلى الجزائر، وربما يتوسع التعاون ليشمل دولًا أوروبية أخرى تحتفظ بأصول مرتبطة بقضايا الفساد، ما يرفع فرص استعادة مبالغ أكبر خلال السنوات القادمة.

مقالات ذات صلة