الأكثر قراءة

من النفط إلى شبكة مصالح أوسع.. العلاقات الروسية السعودية بعد منتدى سانت بطرسبورغ

ديميتري بريجع – باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في...

اليمن بين الحرب وباب المندب.. كيف تُدار البلاد من صنعاء لخدمة طهران؟

تُعد جماعة الحوثي، المعروفة باسم "أنصار الله"، أحد أبرز...

70 مليار دولار لرسم خريطة الطاقة.. تحالف جديد بين روسيا والسعودية

تتجه العلاقات بين المملكة العربية السعودية وروسيا إلى مرحلة...

أمريكا وإيران.. الحرب من ساحة المعركة إلى أروقة الإعلام

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص...

أمريكا والسنغال..”شراكة برغماتية” تمنح ترامب نفوذ جديد في الساحل

تخوض السنغال أزمة متصاعدة وسط مناخ سياسي متوتر بعد...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةقاليباف.. هل يصبح جوكر إيران الجديد بعد لاريجاني؟

قاليباف.. هل يصبح جوكر إيران الجديد بعد لاريجاني؟

د. محمد عمر سيف الدين – إعلامي وأكاديمي متخصص في الشؤون الإيرانية

يعد “محمد باقر قاليباف” من ساسة إيران مثيري الجدل؛ منذ سنوات يسعى إلى تبوؤ منصب قيادي في الحكومة، من قائد القوات الجوية بالحرس الثوري، إلى عمدة طهران، ثم رئيس البرلمان، إلا أن منصب رئيس الجمهورية ظل حلمًا يراوده لم يتمكن من تحقيقه مطلقًا رغم محاولاته قرابة عقدين من الزمان في انتخابات أعوام 2005 و2009 و2013 و2017.

عندما حصل قاليباف في انتخابات الرئاسة صيف عام 2024 على نحو ثلاثة ملايين صوت فقط، ولم يستطع التأهل إلى الجولة الثانية، وصف الكثيرون هذه الانتخابات بأنها نهاية حلمه القديم في الوصول إلى “مكتب باستور”.

لكن مع اغتيال أغلب القيادات السياسية في إيران خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية، انبلج أمام “قاليباف” مسار آخر جعله يتصدر المشهد الحالي، فقد ترأس وفد التفاوض الإيراني مع الجانب الأمريكي، كما عُين مؤخرُا ممثل إيران الخاص للشؤون الصينية؛ وهو “منصب سياسي رفيع المستوى” في لحظة فارقة من تاريخ الجمهورية الإسلامية، خاصة أن وكالة أنباء “تسنيم” التابعة للحرس الثوري قد ذكرت في هذا الصدد أن صلاحيات “قاليباف” مختلفة عن سائر نظرائه السابقين.

قاليباف

لقد اتخذ “قاليباف” في الأسابيع الأخيرة مواقف واضحة بشأن الحرب ووقف إطلاق النار، وشارك في جلسات المفاوضات مع واشنطن، ويتولى الآن مهمة متابعة واحد من أهم ملفات السياسة الخارجية مع الصين؛ وهو ملف لا يُنظر إليه على أنه اقتصادي أو دبلوماسي بحت، بل إستراتيجي في ظل وضع حرج متأرجح بين السلم والحرب.

إيران والصين.. تحالف إستراتيجي

عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، ازداد توجه إيران نحو الشرق بشكل ملحوظ، وغدت بكين تدريجيًا أهم شريك اقتصادي لطهران وأكبر مشترٍ لنفطها الخام، لكن الحرب الأخيرة جعلت بكين ترتقي مكانة أعلى لدى إيران، حيث تحولت من شريك اقتصادي إلى لاعب محوري في تهدئة التوترات بين طهران وواشنطن، وقد بدا هذا واضحًا في زيارتي الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، والرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إلى بكين مؤخرًا، وقبلهما الدور الصيني وراء الكواليس في إبرام اتفاق وقف النار بين الطرفين.

من ناحية أخرى، تدرك الصين أهمية إيران بالنسبة لها كعضو مهم في الكتلة الشرقية في مجابهة الجموح الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط، ولا ترغب في تفككها أو انهيارها بأي شكل من الأشكال، كما أنها لا تريد اتساع نطاق الحرب في منطقة الخليج واستمرار اضطرابات حركة الملاحة في مضيق هرمز؛ مما يعرض عجلة ثاني أكبر اقتصاد عالمي إلى التباطؤ أو التعطيل.

على هذا النحو تعد كل من الصين وإيران شريانًا اقتصاديًا يضخ الدماء في كيانهما، قد يؤدي اضطراب المسار فيه إلى شلل جزئي في الدولة يؤثر على بقية أركانها تباعًا.

قاليباف صاحب الوجوه المتعددة

يمكن قراءة تعيين “قاليباف” في منصب ممثل إيران للشؤون الصينية في إطار تراجع دور وزارة الخارجية، وتفويض شخصيات أكثر قربًا من المؤسسة العسكرية –ولاسيما الحرس الثوري المهيمن على السلطة حاليًا– في إدارة ملفات حساسة.

قاليباف

بالطبع لم تكن ملفات السياسة الخارجية الإيرانية كالمفاوضات النووية حكرًا على وزارة الخارجية وحدها؛ بل طالما لعبت بعض المؤسسات السيادية كمكتب المرشد الأعلى أو المجلس الأعلى للأمن القومي دورًا حاسمًا فيها، أو أشرفت على عمل وزارة الخارجية مثلما حدث إبان إبرام الاتفاق النووي عام 2015.

بيد أن الفارق اليوم يكمن في أن الملف الصيني لم يعد مسألة اقتصادية أو دبلوماسية بحتة، لكنه بات مسألة إستراتيجية حيوية في ظل الحرب المتشابكة، والعقوبات الأممية، وأزمة مضيق هرمز، والعلاقة المتوترة مع واشنطن، لذا فضل النظام الإيراني إيداع هذا الملف بين يدي شخصية قريبة من المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية تستطيع ملء الفراغ السياسي في هيكل السلطة الإيرانية.

من وجهة نظر البعض؛ قد يبدو “قاليباف” بعيدًا عن مكتب المرشد والحرس الثوري والحكومة الإيرانية، كما أنه ليس صاحب القرار النهائي في المباحثات النووية أو وقف الحرب، لكنه يتميز بأنه رجل ذو وجوه متعددة؛ فهو يدرك عقلية الحرس الثوري المنحدر منه، وعمل مع القطاعين الاقتصادي والاجتماعي إبان توليه منصب عمدة طهران، ويهيمن على البرلمان بحكم رئاسته له، ولديه علاقة قديمة بمكتب المرشد، خاصة بعد قيامه بقمع مظاهرات “الحركة الخضراء” عام 2009.

كل هذه السمات تجعل منه خيارًا مناسبًا، لديه القدرة على التواصل والتنسيق مع مختلف قطاعات النظام العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

قاليباف يرث تركة لاريجاني

البُعد الآخر في تعيين “قاليباف” في المنصب الأخير، هو اقترابه من أداء دور “علي لاريجاني” داخل منظومة السلطة الإيرانية. على مدار سنوات طويلة تولى “لاريجاني” أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وملف المفاوضات النووية مع الغرب، والعلاقات الخارجية مع الصين وروسيا، كما لعب دورًا محوريًا في توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين طهران وبكين عام 2021 الممتدة 25 عامًا.

على هذا النحو بات “قاليباف” وريث “حقيبة لاريجاني الدبلوماسية”، بعدما تقلد منصب رئيس وفد التفاوض مع الولايات المتحدة وممثل إيران للشؤون الصينية، وهما مهمتان كان “لاريجاني” مكلفًا بهما سابقًا قبل اغتياله خلال الحرب في 17 مارس الماضي.

مع ذلك يظل هناك فارق جوهري بين الشخصيتين رغم الانتماء إلى الحرس الثوري والتيار الأصولي؛ فـ “لاريجاني” كان سياسيًا من طراز خاص، له شبكة علاقات واسعة داخل إيران وخارجها، استطاع عن طريق توجهاته البراغماتية أن يؤلف بين أطراف متنافرة داخل الحكومة والدولة ككل. أما “قاليباف” فهو نتاج حالة من الفراغ السياسي في البلاد بعد اغتيال أغلب القيادات السياسية خلال الحرب، قد ينجح فيما نجح فيه “لاريجاني”، وقد يفشل، إلا أنه بات آخر الخيارات السياسية أمام النظام الإيراني.

على أية حال، إن تصدر “محمد باقر قاليباف” المشهد الإيراني الراهن، خاصة على الصعيد الخارجي، يمكن اعتباره إعادة ترتيب في هيكل السلطة، وتحولًا جذريًا في مسيرة الرجل السياسية، يجعله جوكر إيران الجديد في إدارة الملفات المتأزمة كالمفاوضات مع الغرب والاقتصاد والسياسة الخارجية بعد رحيل “لاريجاني”.

 

مقالات ذات صلة