زياد حيده ــ محلل سياسي ومتخصص في العلاقات الدولية
تُشكل الانتخابات البرلمانية في لاتفيا محطة مفصلية ترصد أبعاد الصراع السياسي والجيوسياسي المشتعل على التخوم الشرقية لحلف شمال الأطلسي. تعكس القراءة الميدانية لمجريات الاقتراع واستطلاعات الرأي الأولى حالة التوازن الدقيق التي يواجهها الشارع اللاتفي بين الاستحقاقات الأمنية المباشرة والضغوط المعيشية اليومية.
أولاً: المشهد الانتخابي وموازين القوة البرلمانية
أظهرت الاستطلاعات الأولية تصدراً واضحاً لحزب القائمة المتحدة برئاسة رئيس الوزراء أندريس كولبيرغس بنسبة تجاوزت 35% من أصوات الناخبين. تُعد هذه النتيجة تأكيداً على تفوق التيار الوسطي الداعم للتوجه الغربي، لكون الحزب وضع في صدارة برنامجه الاستمرار في دعم أوكرانيا وتعزيز الشراكة الأمنية مع الاتحاد الأوروبي والناتو.
يعكس توزيع المقاعد البرلمانية حالة من التشتت السياسي داخل البرلمان الذي يضم 100 مقعد وتوزع الأصوات بين عدة أحزاب، مما يجعل تشكيل حكومة جديدة عملية معقدة تتطلب مفاوضات ائتلافية شاقة. وفي هذا السياق، جاء حسم رئيس الوزراء الموقف باستبعاد أي تحالف مع حزب لاتفيا أولاً اليميني الشعبوي ليحدد المعالم الرئيسية للائتلاف المرتقب ويستبعد التيار الداعي لوقف المساعدات العسكرية الخارجي.
ثانياً: الجغرافيا السياسية وضغوط التهديدات الهجينة
تُظهر معطيات الانتخابات أن ملف الأمن القومي لم يكن مجرد موضوع سجال انتخابي تقليدي، بل المحرك الأكثر تأثيراً في سلوك الناخبين، وذلك لعدة عوامل حاسمة:
الموقع الحدودي المباشر: تتقاسم لاتفيا حدوداً ممتدة بطول 280 كيلومتراً مع الفيدرالية الروسية، مما يضعها في خط المواجهة الأول أمام أي توترات أمنية إقليمية.

إجراءات الردع الميدانية: عكس نشر مقاتلات ألمانية لحماية المجال الجوي اللاتفي بالتزامن مع فترة الاقتراع حجم التخوف الرسمي من أي استفزازات أمنية أو محاولات لزعزعة الاستقرار خلال المشهد الانتخابي.
ثالثاً: الملف الديموغرافي وتحديات التكلفة المعيشية
يكشف التحليل الميداني للجبهة الداخلية عن تداخل معقد بين البنية السكانية والضغوط الاقتصادية:
التنوع داخل الأقلية الناطقة بالروسية: يشكل الناطقون بالروسية نحو ثلث السكان، لكنهم لا يمثلون كتلة متجانسة سياسياً؛ إذ تضم هذه الفئة مواطنين لاتفيين، ومقيمين من حقبة السوفيت، ولاجئين أوكرانيين. وتُظهر المؤشرات أن نسبة صغيرة منها تؤيد السياسات الروسية علناً، بينما ينحاز الغالبية للاندماج الأوروبي أو يفضلون الحياد.
توظيف الأزمات الاقتصادية: استغلت الأحزاب الشعبوية الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار لربط الضغوط الاقتصادية الداخلية بحجم المساعدات العسكرية الموجهة للخارج، حيث ركزت حملاتها على المطالبة بتوجيه هذه الموارد لدعم القوة الشرائية للمواطنين.
تؤكد نتائج الاقتراع في لاتفيا أن الناخب في شرق أوروبا، رغم الضغوط المادية الناجمة عن التضخم وتكاليف المعيشة، يمنح الأولوية الأولى لملف السيادة الوطنية والأمن القومي. ورغم التفوق الانتخابي للتيار المؤيد للناتو والاتحاد الأوروبي، فإن المحك الأساسي للحكومة القادمة سيكمن في قدرتها على إدارة مفاوضات الائتلاف بنجاح وتحقيق التوازن بين التزامات الدفاع والأمن لمعالجة الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية للشارع.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5910

