لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة مجرد لقاء سنوي بين قادة الدول الأعضاء، بل تحولت إلى واحدة من أكبر القمم الأمنية في السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد الأزمات الدولية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. وخلال يومين فقط، أصبحت العاصمة التركية مركزاً لاتخاذ قرارات تمس الأمن العالمي، وسط إجراءات أمنية وتنظيمية غير مسبوقة، وصفقات دفاعية بمليارات الدولارات، ورسائل سياسية تعكس إعادة تشكيل أولويات الحلف في المرحلة المقبلة.
رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5%.. أكبر تحول في استراتيجية الحلف
مثّل قرار رفع الإنفاق الدفاعي تدريجياً إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي أبرز مخرجات القمة، باعتباره أعلى هدف مالي يتبناه الحلف منذ تأسيسه عام 1949. ويقوم هذا التوجه على تخصيص 3.5% للإنفاق العسكري المباشر، بما يشمل التسليح والجاهزية والرواتب، مقابل 1.5% للاستثمارات المرتبطة بالأمن، مثل البنية التحتية، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية. ويعكس القرار توجهاً واضحاً لتعزيز قدرات الدول الأوروبية على تحمل مسؤولياتها الدفاعية، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
صفقات دفاعية بأكثر من 50 مليار دولار.. تسريع تحديث القدرات العسكرية
لم تقتصر القمة على القرارات السياسية، بل تحولت إلى منصة لإطلاق واحدة من أكبر حزم التعاقدات الدفاعية داخل الحلف، إذ تجاوزت قيمة الصفقات المعلنة 50 مليار دولار. وشملت هذه التعاقدات برنامج كندا لبناء أسطول جديد من الغواصات، والتعاقد على عشر طائرات GlobalEye للإنذار المبكر والاستطلاع، إلى جانب توسيع أسطول طائرات A330 MRTT المخصصة للتزود بالوقود والنقل الاستراتيجي، فضلاً عن انضمام بريطانيا إلى برنامج الصواريخ الدقيقة بتمويل يبلغ 190 مليون جنيه إسترليني. وتعكس هذه الخطوات توجهاً عملياً لتحديث البنية العسكرية للحلف ورفع جاهزيتها خلال السنوات المقبلة.
توسيع الإنتاج العسكري.. الدرس الأهم من الحروب الحديثة
أظهرت النزاعات الأخيرة أن امتلاك الأسلحة وحده لم يعد كافياً، بل أصبحت القدرة على إنتاجها بسرعة عاملاً حاسماً في استدامة العمليات العسكرية. لذلك ركزت القمة على توسيع خطوط إنتاج الذخائر والصواريخ، وتعزيز التعاون بين شركات الصناعات الدفاعية، وتسريع وتيرة توريد المعدات للدول الأعضاء. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن قوة التحالف تقاس أيضاً بمرونة قاعدته الصناعية وقدرته على تلبية احتياجات الجيوش في أوقات الأزمات.
الدفاع الجوي.. أولوية فرضتها الطائرات المسيّرة والصواريخ
فرضت التطورات العسكرية في أوكرانيا والشرق الأوسط واقعاً جديداً جعل الدفاع الجوي يتصدر أجندة الحلف. ولهذا ركزت القمة على تطوير أنظمة الدفاع الجوي، ودمج شبكات الإنذار المبكر بين الدول الأعضاء، وتحديث منظومات الاعتراض الصاروخي، مع زيادة الاستثمارات في التقنيات المخصصة للتصدي للطائرات المسيّرة. ويؤكد هذا التوجه أن حماية المدن والمنشآت الحيوية أصبحت تبدأ من السماء قبل أي مواجهة برية.
الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.. ساحة الحرب الجديدة
أفردت القمة مساحة واسعة لمناقشة التهديدات الرقمية، في ظل تزايد الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية. وركزت المناقشات على تطوير قدرات الدفاع السيبراني، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل التهديدات والاستجابة لها، وتعزيز حماية الشبكات العسكرية والمدنية، وإنشاء آليات أكثر سرعة للتعامل مع الهجمات الإلكترونية. ويعكس ذلك قناعة متزايدة داخل الحلف بأن الحروب المستقبلية لن تُحسم بالسلاح التقليدي فقط، بل أيضاً بالتفوق التكنولوجي.
أمن الطاقة والممرات البحرية.. حماية الاقتصاد العالمي
حظيت حماية الممرات البحرية باهتمام خاص، خاصة مع تصاعد التوترات في مضيق هرمز وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة العالمية. وناقش القادة آليات تعزيز أمن الملاحة التجارية، وحماية خطوط إمدادات النفط والغاز، وتوسيع التعاون البحري بين الدول الأعضاء، إضافة إلى تكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية البحرية. ويعكس هذا التوجه إدراك الحلف أن أمن التجارة والطاقة بات جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الجماعي.
انفراجة أمريكية تركية.. صفحة جديدة داخل الحلف
شهدت القمة تطوراً سياسياً لافتاً في العلاقات بين واشنطن وأنقرة، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعداده لرفع عقوبات “كاتسا” المفروضة على تركيا، إلى جانب دراسة إعادة بيع مقاتلات F-35 لأنقرة، مع إشادته بالدور التركي داخل الحلف. ويشير هذا التحول إلى محاولة إعادة بناء الثقة بين الجانبين بعد سنوات من التوتر المرتبط بشراء تركيا منظومة S-400 الروسية، بما قد يعيد رسم ملامح التعاون الدفاعي داخل الناتو خلال المرحلة المقبلة.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4925


