تواجه كازاخستان وأوزبكستان اختبارًا جديدًا لسياسة التوازن التي اتبعتها دول آسيا الوسطى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بعدما بدأ التنافس بين الولايات المتحدة والصين ينتقل من الاقتصاد والتجارة إلى قلب البنية التكنولوجية للدول. فسنوات طويلة نجحت أستانا وطشقند في بناء علاقات متوازنة مع موسكو وبكين وواشنطن وأوروبا وتركيا ودول الخليج وآسيا، من دون الانحياز الكامل إلى أي قوة، لكن صعود الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية الرقمية يهدد بجعل هذا النهج أكثر صعوبة.
وتزداد الضغوط مع ظهور إطارين متنافسين تقودهما واشنطن وبكين؛ مبادرة Pax Silica الأميركية التي تركز على سلاسل إمداد التكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية والبنية التحتية، ومنظمة WAICO الصينية التي تركز على التعاون في الذكاء الاصطناعي وتوسيع الوصول إلى التكنولوجيا وبناء القدرات. وفي أغسطس 2026، أفادت رويترز بأن واشنطن تستعد للضغط على الدول التي تشارك في المبادرتين لاختيار أحد المسارين، وإن لم يكن القرار الأميركي النهائي بشأن هذه السياسة قد حُسم بعد.
كازاخستان في قلب المواجهة التكنولوجية
تبدو كازاخستان الحالة الأكثر وضوحًا لهذا الاختبار، بعدما أصبحت الدولة الوحيدة التي انضمت إلى الإطارين المتنافسين. فقد وقعت أستانا إعلان الانضمام إلى Pax Silica في يونيو 2026، ثم شاركت بعد أسابيع في تأسيس WAICO بقيادة الصين. وتقول تحليلات حديثة إن هذه الخطوة تعكس استمرار سياسة كازاخستان التقليدية القائمة على تنويع الشراكات بدل الاعتماد على قوة واحدة.
بالنسبة إلى أستانا، لا تبدو العضوية في المبادرتين متناقضة بالضرورة من منظور اقتصادي. فالإطار الأميركي يرتبط بالحصول على سلاسل توريد موثوقة وتكنولوجيا متقدمة واستثمارات وقدرات في أشباه الموصلات والحوسبة، بينما يوفر الإطار الصيني فرصًا في تطوير الذكاء الاصطناعي، والتقنيات مفتوحة المصدر، وبناء القدرات والتعاون مع دول نامية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المبادرات من منصات تعاون إلى أنظمة تكنولوجية مغلقة يصعب الجمع بينها.
أوزبكستان تحاول السير في المسار نفسه
تسعى أوزبكستان بدورها إلى الحفاظ على مساحة واسعة للمناورة. فقد انضمت إلى WAICO في يوليو، ثم تقدمت في أغسطس بطلب للانضمام إلى Pax Silica الأميركية، وفق ما أعلنه سفيرها لدى واشنطن فرقَت صديقوف. وقال إن بلاده ترى أن الدول ينبغي أن تتمكن من المشاركة في أشكال متعددة من التعاون الدولي، في موقف يعكس رغبة طشقند في عدم تحويل المنافسة بين القوى الكبرى إلى خيار ثنائي مغلق.
وتحاول أوزبكستان، مثل جارتها كازاخستان، جذب الاستثمارات والتكنولوجيا من مصادر متعددة، في وقت تعمل فيه على تحديث اقتصادها وبنيتها الرقمية. لكن قبول واشنطن بمشاركة دولة في منظومتها التكنولوجية مع استمرار علاقاتها العميقة مع الصين قد يصبح قضية أكثر حساسية إذا فرضت الولايات المتحدة شروطًا تتعلق بأمن سلاسل الإمداد أو استخدام المعدات الصينية.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى قضية سيادة
لم تعد الخيارات التكنولوجية مجرد قرارات تجارية تتعلق بالسعر أو الكفاءة. فاختيار شركة لتوفير معدات الاتصالات، أو منصة للحوسبة السحابية، أو أنظمة لإدارة البيانات، يمكن أن يخلق ارتباطات تمتد لعقود. ومع تدريب الموظفين على أنظمة محددة وتراكم البيانات داخلها وربطها ببقية القطاعات، يصبح استبدال التكنولوجيا لاحقًا مكلفًا ومعقدًا.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في البنية الرقمية لممر النقل الأوسط، الذي يربط آسيا الوسطى بالقوقاز وتركيا وأوروبا. فالممر لم يعد مجرد سكك حديدية وموانئ وطرق، بل يعتمد بصورة متزايدة على أنظمة الجمارك الرقمية وتتبع الشحنات والمدفوعات وإدارة الخدمات اللوجستية والبيانات. وبالتالي، فإن اختيار البنية الرقمية للممر قد يؤثر في مستقبل التجارة نفسها.
البنية الصينية حاضرة في قلب التحول
تواجه كازاخستان تحديدًا معضلة إضافية بسبب وجود استثمارات ومعدات صينية واسعة في قطاعات الاتصالات والبنية الرقمية. وفي الوقت نفسه، تسعى أستانا إلى جذب شركات وتقنيات أميركية متقدمة إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي والحوسبة العملاقة.
وتتجسد هذه المعادلة في مشروع Data Center Valley في كازاخستان، الذي يستهدف تطوير مراكز بيانات ضخمة وقدرات حوسبة وذكاء اصطناعي. وتشارك في المشهد شركات صينية وأميركية، ما يعكس قدرة أستانا حاليًا على استضافة تقنيات من الطرفين داخل المشروع نفسه. لكن ظهور حدود تقنية صارمة بين المنظومتين قد يجعل استمرار هذا النموذج أكثر صعوبة.
ممرات البيانات تفتح بابًا جديدًا للاستقلال
تحاول دول آسيا الوسطى أيضًا تقليل اعتمادها التاريخي على البنية الرقمية التي تمر عبر روسيا والصين. وتوفر مشاريع الربط الجديدة عبر بحر قزوين، إلى جانب توسع خدمات الأقمار الصناعية، مسارات بديلة لحركة البيانات خارج الممرات التقليدية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية استراتيجية لأن التحكم في البيانات أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي. فإذا ارتبطت شبكات الاتصالات ومراكز البيانات وأنظمة النقل والدفع بمنظومة تكنولوجية واحدة، فإن تغيير المزود أو الانتقال إلى نظام آخر يصبح أكثر تكلفة، وقد يتحول القرار التقني تدريجيًا إلى قرار جيوسياسي.
بين التنويع والضغط الأميركي
تضع هذه التطورات كازاخستان وأوزبكستان أمام معادلة دقيقة. فهما تحتاجان إلى التكنولوجيا والاستثمارات والأسواق الغربية، لكنهما لا تستطيعان بسهولة تجاهل الدور الاقتصادي والتكنولوجي للصين، كما أن استراتيجيتهما الخارجية قامت أصلًا على تنويع الشراكات وتقليل الاعتماد على طرف واحد.
وفي الوقت نفسه، لا تزال سياسة واشنطن بشأن إلزام الشركاء بالاختيار بين Pax Silica وWAICO في طور التطور. وتشير تحليلات حديثة إلى أن فرض خيار ثنائي قد يصطدم بطبيعة السياسة الخارجية لدول آسيا الوسطى، التي تنظر إلى تنويع الشركاء باعتباره وسيلة لتقليل المخاطر وليس مجرد موقف سياسي بين واشنطن وبكين.
وتكشف المنافسة على الذكاء الاصطناعي أن المعركة المقبلة لن تدور فقط حول من يبيع الرقائق أو يبني مراكز البيانات، بل حول أي منظومة تكنولوجية ستصبح جزءًا من الاقتصاد الوطني، ومن سيتحكم في المعايير والبيانات والبنية الرقمية وسلاسل الإمداد. ومع تحول التكنولوجيا إلى عنصر أساسي في التجارة والنقل والطاقة والأمن، قد تجد كازاخستان وأوزبكستان أن سياسة التوازن التي نجحت لعقود تواجه للمرة الأولى حدودًا تفرضها طبيعة التكنولوجيا نفسها.
التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=5894

