الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةكوريا الجنوبية والصين.. من التوازن الملتبس إلى الاصطفاف الحاسم

كوريا الجنوبية والصين.. من التوازن الملتبس إلى الاصطفاف الحاسم

تُعد مقاربة الحكومة الكورية الجنوبية بقيادة لي جاي ميونغ تجاه الصين تبدو وكأنها رقصة دقيقة على حبل مشدود؛ فمن جهة، تسعى سيول إلى إبقاء العلاقات مع بكين في إطار “الجوار الهادئ” بعيدًا عن الملفات الأمنية الأكثر انفجارًا مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي، مع الإبقاء على قنوات تعاون اقتصادية حساسة تشمل سلاسل الإمداد والمعادن الحيوية وملف كوريا الشمالية.

ومن جهة أخرى، تتوسع الشراكة العسكرية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة لتشمل الذكاء الاصطناعي وبناء السفن وصناعات الفضاء، في محاولة لصياغة معادلة توازن تبدو للوهلة الأولى مرنة، لكنها عمليًا شديدة الهشاشة.

هذا النهج الذي يُسوَّق باعتباره “تناغمًا بين الأصوات المختلفة” يواجه انتقادات متصاعدة داخل دوائر تحليلية تعتبره مخاطرة استراتيجية أكثر منه حكمة دبلوماسية. فبينما تزداد حدة التنافس بين واشنطن وبكين، تصبح فكرة الوقوف في المنتصف أقل قابلية للاستمرار، وأكثر عرضة للانهيار تحت ضغط الأزمات.

كوريا الجنوبية والصين

على مدى العقود الثلاثة الماضية، لم تعد العلاقة بين كوريا الجنوبية والصين علاقة تكامل اقتصادي بسيط كما بدأت في تسعينيات القرن الماضي، بل تحولت تدريجيًا إلى علاقة تنافس مباشر في قلب الصناعات الأكثر حساسية مثل أشباه الموصلات، السيارات الكهربائية، البطاريات، وبناء السفن. ومع صعود الصين الصناعي والتكنولوجي، تآكلت ميزة “التكامل العمودي” التي كانت تمنح كوريا الجنوبية دور المزود المتقدم للتكنولوجيا مقابل سوق تصنيع ضخم داخل الصين، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها التزاحم بدل التكامل.

تزامن هذا التحول مع اتهامات متكررة بتسرب تقني وممارسات إغراق صناعي أثّرت على الشركات الكورية في قطاعات متعددة. كما دخلت العلاقات الاقتصادية مرحلة أكثر تعقيدًا مع ظهور مفهوم “الإكراه الاقتصادي”، حيث تُستخدم الروابط التجارية كأداة ضغط سياسي. تجربة نظام “ثاد” عام 2016 شكلت نقطة تحول حاسمة، حين دفعت القيود الصينية غير الرسمية قطاعات سياحية وتجارية كورية إلى خسائر ضخمة، في رسالة واضحة بأن الاقتصاد لم يعد منفصلًا عن السياسة.

ومع استمرار اعتماد سيول على الصين في جزء مهم من واردات المعادن النادرة، تتزايد المخاوف من هشاشة استراتيجية قد تُستغل في أي لحظة. فالمعادلة لم تعد مجرد تجارة متبادلة، بل شبكة اعتماد متبادل غير متكافئة، حيث تمتلك بكين مفاتيح ضغط حساسة يمكن استخدامها عند الضرورة.

كوريا الشمالية

في ملف كوريا الشمالية، كانت التوقعات في مرحلة ما بعد التقارب الكوري الصيني عام 1992 تشير إلى إمكانية لعب بكين دور الوسيط القادر على دفع بيونغ يانغ نحو الانفتاح أو حتى نزع السلاح النووي. غير أن هذا التصور تراجع تدريجيًا لصالح واقع أكثر قسوة، حيث باتت الصين تُتهم بأنها أقل فاعلية في كبح الطموحات النووية لكوريا الشمالية، بل وأقرب إلى موقف “إدارة الأزمة” بدل حلها.

ومع تطور البرنامج النووي الكوري الشمالي ليشمل ترسانة متنامية وتجارب صاروخية متكررة، تراجعت فعالية الآليات الدولية السابقة مثل المحادثات السداسية، لصالح واقع جديد يكرّس امتلاك بيونج يانج للسلاح النووي كأمر واقع. وفي هذا السياق، تبدو الصين أقل استعدادًا لاستخدام نفوذها بالشكل الذي تطمح إليه سيول، خصوصًا مع تزايد التقارب بين كوريا الشمالية وروسيا في ظل الحرب الأوكرانية.

الأخطر من ذلك أن بكين، رغم تصريحاتها الداعمة للاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، تبدو عمليًا أكثر ميلًا للحفاظ على الوضع القائم، بما يمنع أي تغيير جذري قد يهدد توازنات النفوذ الإقليمي. ومع تراجع فكرة “إعادة التوحيد” كورقة سياسية مشتركة، تصبح الرؤية الصينية أقرب إلى إدارة التوازنات بدل إعادة تشكيلها.

منطقة رمادية متصاعدة

إلى جانب الاقتصاد والملف النووي، يبرز بين كوريا الجنوبية والصين بعد ثالث أكثر هدوءًا لكنه لا يقل خطورة: الصراع الرمادي في البحر الأصفر. فالاتفاقيات البحرية التي وُقعت مطلع الألفية لتقاسم مناطق الصيد والأنشطة المؤقتة باتت تواجه اختبارات صعبة مع توسع النشاط الصيني في المنطقة عبر نشر عوامات ومنشآت مراقبة وتربية مائية دون تنسيق واضح مع سيول.

كوريا الجنوبية والصين

هذه التحركات، رغم أنها لا تصل إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة، تُصنف ضمن ما يُعرف بـ”تآكل السيادة التدريجي”، حيث تُفرض وقائع جديدة على الأرض دون إعلان رسمي للصراع. ومع تكرار حوادث الاعتراض بين السفن الكورية وخفر السواحل الصيني، تتزايد احتمالات تحول هذه الاحتكاكات إلى مصدر توتر دائم.

ولا يقتصر الأمر على البحر الأصفر فقط، إذ تمتد الإشارات إلى المجال الجوي مع تجارب سابقة لإعلان مناطق تعريف جوي من طرف واحد، ما دفع كوريا الجنوبية إلى ردود عسكرية محدودة لحماية مجالها السيادي. هذا النمط من التحركات يعكس تحولًا أوسع في طبيعة التنافس الإقليمي، حيث لم تعد الحدود تُختبر بالحرب التقليدية، بل بإجراءات تدريجية محسوبة تُبقي التوتر منخفضًا لكنه مستمر.

تبدو كوريا الجنوبية أمام خيارات حاسمة إما الاستمرار في إدارة التوازن بين القوتين الكبريين عبر سياسة مرنة لكنها معرضة للاهتزاز، أو الانتقال نحو وضوح استراتيجي أكثر حسمًا يعيد تعريف موقعها في النظام الإقليمي.

مقالات ذات صلة