تتصاعد حدة التوتر بين أمريكا وإسرائيل، خلال الآونة الاخيرة، في ظل خلافات متنامية حول مسار الحرب في إيران ولبنان، وسط مؤشرات على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتجه نحو إنهاء الصراع مع طهران، حتى لو جاء ذلك على حساب الموقف الإسرائيلي التقليدي الداعم لاستمرار العمليات العسكرية.
بحسب مقال للكاتب الأمريكي كونور إيكولز؛ تعكس التصريحات الأخيرة لترامب هذا التحول بوضوح، إذ انتقد طريقة إدارة إسرائيل لعملياتها في لبنان، وذهب إلى حد القول إن إسرائيل كانت ستواجه خطرًا وجوديًا لولا التدخل الأمريكي. هذه اللغة غير المعتادة تكشف حجم التوتر داخل واحدة من أكثر العلاقات الاستراتيجية رسوخًا في الشرق الأوسط.
تعارض بين واشنطن وتل أبيب
جوهر الأزمة الحالية يتمثل في تباين الأولويات بين الطرفين. فبينما تسعى إدارة ترامب إلى التوصل إلى اتفاق يضع حدًا للحرب مع إيران ويعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ترى إسرائيل أن استمرار الضغط العسكري على حزب الله في لبنان وإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة يمثلان هدفًا استراتيجيًا لا يمكن التراجع عنه.
ووفقًا لمقال الكاتب الأمريكي؛ تشير تسريبات متداولة إلى أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران تتضمن بندًا غير مباشر يتعلق بوقف العمليات العسكرية في لبنان كجزء من أي تسوية شاملة. غير أن إسرائيل ترفض هذا المسار تمامًا، مؤكدة أنها لن تلتزم بأي اتفاق لا تكون طرفًا مباشرًا فيه، وهو ما يفتح الباب أمام صدام سياسي واضح مع واشنطن.
سلاح المساعدات
أحد أبرز عناصر القوة في يد الولايات المتحدة يتمثل في حجم الدعم العسكري الذي تقدمه لإسرائيل، والذي يقدر بنحو 4 مليارات دولار سنويًا، إضافة إلى حزم دعم استثنائية تجاوزت 12 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة بعد تصاعد الصراع الإقليمي.
هذا الدعم لا يقتصر على التمويل فقط، بل يشمل أيضًا تزويد إسرائيل بكميات ضخمة من المعدات والذخائر التي تشكل جزءًا أساسيًا من جاهزيتها العملياتية. ووفق تقديرات خبراء عسكريين، فإن بعض أنظمة السلاح الأمريكية، مثل طائرات F-35، تعتمد بشكل كبير على قطع الغيار الأمريكية، ما يعني أن أي توقف في الإمدادات قد يؤثر سريعًا على قدرة إسرائيل على الاستمرار في العمليات العسكرية طويلة الأمد.
حدود القوة
في حال قررت واشنطن تقليص أو وقف الدعم العسكري، فإن التأثير لن يكون فوريًا لكنه سيكون عميقًا على المدى المتوسط. فإسرائيل تمتلك مخزونات من الصواريخ والذخائر تمكنها من مواصلة العمليات لفترة محدودة، إلا أن استمرار القتال على عدة جبهات ، في غزة ولبنان وربما مواجهة مباشرة مع إيران ، سيضع ضغطًا كبيرًا على قدراتها اللوجستية.

ومع مرور الوقت، ستضطر إسرائيل إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، والتركيز على الدفاع الداخلي بدلًا من العمليات الخارجية الواسعة، خصوصًا في ظل احتمال استنزاف مخزون أنظمة الدفاع الصاروخي. هذا السيناريو يعكس مدى اعتماد الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية على الدعم الأمريكي المستمر.
البعد السياسي والدبلوماسي للأزمة
لا يقتصر النفوذ الأمريكي على الجانب العسكري فقط، بل يمتد أيضًا إلى المجال الدبلوماسي. فالدعم الأمريكي في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة يشكل درعًا سياسيًا مهمًا لإسرائيل في مواجهة الانتقادات الدولية المتزايدة.
وفي حال تراجع هذا الدعم، فإن إسرائيل ستجد نفسها في موقف أكثر عزلة على الساحة الدولية، ما قد يضعف قدرتها على المناورة سياسيًا في ملفات مثل غزة والضفة الغربية ولبنان، ويزيد من الضغوط عليها لإعادة تقييم استراتيجيتها الإقليمية.
ورقة الضغط الأمريكية
رغم أن فكرة وقف الدعم العسكري الكامل لا تزال مثار جدل داخل الولايات المتحدة، فإن النقاش حولها بات أكثر حضورًا في الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة مع تنامي الأصوات التي تدعو إلى إعادة تقييم العلاقة العسكرية مع إسرائيل.
وفي المقابل، تتحرك دوائر داعمة لإسرائيل داخل الكونجرس لتعزيز دمجها بشكل أعمق في البنية العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، بما يجعل فك الارتباط بين الطرفين أكثر صعوبة في المستقبل، حتى لو تغيرت الإدارة السياسية في البيت الأبيض.
مفترق طرق
في ظل هذه التطورات، تبدو إدارة ترامب أمام معادلة معقدة: إما الضغط على إسرائيل للقبول باتفاق شامل مع إيران ينهي الحرب في لبنان، أو الاستمرار في دعمها مع ما يعنيه ذلك من إطالة أمد الصراع الإقليمي وتزايد التكاليف الاقتصادية والسياسية.

وبين هذين الخيارين، تظهر حدود النفوذ الأمريكي بوضوح، إذ لا توجد “ورقة حاسمة” يمكن استخدامها بسهولة دون تبعات داخلية وخارجية. ومع ذلك، تبقى المساعدات العسكرية والدعم الدبلوماسي أدوات ضغط فعالة إذا تم استخدامها ضمن استراتيجية واضحة.
نفوذ مقابل تحالفات
تكشف الأزمة الحالية أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل أدوات ضغط قوية على إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تتردد في استخدامها بالكامل بسبب اعتبارات سياسية داخلية وتحالفات طويلة الأمد. وبينما تحاول إدارة ترامب دفع اتفاق مع إيران إلى الأمام، تبقى إسرائيل العائق الأكثر تعقيدًا في هذا المسار.
وفي النهاية، يعكس هذا المشهد أن ميزان العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لم يعد ثابتًا كما كان في السابق، وأن مرحلة جديدة من إعادة تعريف النفوذ والمصالح بدأت بالفعل، حتى لو لم يتم الاعتراف بها رسميًا بعد.
رابط مختصر: https://igpcenter.com/?p=4751


