الأكثر قراءة

هل يشكل المقترح الإيراني العُماني بشأن مضيق هرمز تحديًا للغرب؟

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

الصراع الأمريكي الإيراني.. انهيار مذكرة التفاهم ونشوب حرب إقليمية

د. ولاء عادل عبد المالك – مترجمة وباحثة في...

حرب النفوذ الصامتة.. تركيا وإسرائيل تتصارعان على خرائط الشرق الأوسط

نيقولاي سوخوف – باحث رئيسي في مركز دراسات الشرق الأوسط...

قمة الناتو في أنقرة.. هل تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قوة الحلف؟

كريستن تايلور ـ  مساعدة مدير مبادرة الأمن عبر الأطلسي...

إشترك بالنشرة الأسبوعية

قصةمبدأ البعثة في رسائل المرشد الإيراني مجتبى خامنئي

مبدأ البعثة في رسائل المرشد الإيراني مجتبى خامنئي

د. سيد أحمد فؤاد أكاديمي وباحث في الشأن الإيراني

منذ 7 مارس 2026، حين أعلن مجلس الخبراء “مجتبى خامنئي” قائداً جديداً للجمهورية الإسلامية، نُشر نحو 20 رسالة وبيان له. بعض هذه الرسائل، كرسائل التعزية أو المناسبات الرسمية، ذات طابع احتفالي، لكن ما لا يقل عن 10 رسائل أخرى تُقدّم صورة أوضح لرؤيته السياسية والأيديولوجية.

تتناول هذه الرسائل مواضيع متنوعة، من الجيش والبرلمان واللغة الفارسية إلى الحج والغدير والخليج العربي والاتفاق مع أمريكا وجبهة المقاومة. ومع ذلك، فإن جميعها معاً يُبرز كلمة واحدة أكثر من غيرها: “البعثة”.

للوهلة الأولى، قد تبدو كلمة “البعثة” مجرد مصطلح ديني، لكن تكرارها في سياقات مختلفة يُظهر أن هذه الكلمة في أدبيات مجتبى خامنئي ليست مجرد تعبير ديني، بل هي أحد مفاتيح فهم رؤيته للشعب والحكومة ومستقبل الجمهورية الإسلامية.

البعثة من مفهوم ديني إلى أداة سياسية

في التراث الإسلامي، تعني المَهمة والاصطفاء لتنفيذ رسالة إلهية. يُرسل النبي، أي يُعهد إليه برسالة. وفي رسائل مجتبى خامنئي، لا تعني المهمة مجرد اليقظة أو الوعي، بل تعني قبل كل شيء إيجاد غاية.

لهذا السبب، يتحدث عن “بعثة الأمة الإيرانية”، و”بعثة الشعب”، و”بعثة الفنانين”، و”الأمة المبعوثة”، وحتى “الأمة الإسلامية المبعوثة”. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الناس كمواطنين في بلد فحسب، بل يُقدمون كحاملين لرسالة تاريخية. وهذه النقطة تُحوّل المهمة من مصطلح ديني إلى مفهوم سياسي.

البعثة تبدأ بالشعب

تتجلى أولى بوادر هذا التوجه في رسالة الحج التي ألقاها مجتبى خامنئي في الخامس من خرداد (26 مايو). في هذه الرسالة، كتب أن الأمة الإيرانية “تلقت رسالة إلهية” بعد اغتيال علي خامنئي، وبحضورها في جميع المجالات الضرورية، أبهرت العالم. ولكن الجزء الأهم من الرسالة هو جملة أخرى: “بعد بعثة الأمة الإيرانية وجبهة المقاومة، ستنطلق بعثة الأمة الإسلامية”. في هذه العبارة، وُضعت “بعثة الأمة الإيرانية” بجوار “جبهة المقاومة”، وقُدِّم كلاهما كمقدمة لـ “بعثة الأمة الإسلامية”.

وفيما يتكرر النمط نفسه في رسائل أخرى أيضاً؛ ففي رسالة “يوم الفردوسي”، دُعي الفنانون إلى “جعل بعثة الفنانين استمراراً لبعثة الشعب” وتوثيق سردية هذه الانتفاضة للتاريخ. وفي رسالة بداية السنة الثالثة من الدورة الثانية عشرة لمجلس الشورى الإسلامي، يجب على المجلس أن يرتقي إلى مستوى “الأمة المبعوثة”.

وبهذا، لا تقتصر الرسالة على الشعب فحسب، بل تبدأ به، وتمتد لتشمل الثقافة والفنون، ثم تدخل المؤسسات الحكومية الرسمية، لتصل في نهاية المطاف إلى الأمة الإسلامية. ولا تبدو هذه السلسلة عشوائية.

في رسالة الغدير وذكرى رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية “الخميني” في الرابع عشر من خرداد (4 يونيو)، يستمر السرد نفسه. فيتحدث مجتبى خامنئي عن “الرسالة الجديدة” للأمة الإيرانية، ويؤكد أن هذه الأمة أصبحت مصدر فخر للأمم الأخرى، إلى جانب جبهة المقاومة. كما يشير إلى “دعوة جديدة للأمة الإيرانية” و”أمة مُرسَلة”.

ففي جميع هذه الرسائل، يُنظر إلى الشعب كقوة مختارة لتنفيذ رسالة أعظم. وتتلخص هذه الرسالة في دعم جبهة المقاومة، ومواجهة أمريكا وإسرائيل، والمشاركة في صياغة نظام جديد في المنطقة والعالم.

الرسالة؛ الحلقة المفقودة في مشروع حضارة إسلامية جديدة

إذا وضعنا هذه الرسائل جنباً إلى جنب مع إحدى أهم نظريات “علي خامنئي”، تتضح لنا صورة أكثر شمولاً. فعلى مدى العقدين الماضيين، تحدث القائد السابق للجمهورية الإسلامية مراراً وتكراراً عن “الخطوات الخمس لتحقيق حضارة إسلامية جديدة”؛ فالمسار الذي يبدأ بالثورة الإسلامية يؤدي إلى نظام إسلامي، ودولة إسلامية، ومجتمع إسلامي، وهدفه النهائي هو بناء حضارة إسلامية جديدة.

في هذه النظرية، لا يكفي إنشاء مؤسسات الدولة وحدها، بل يجب أيضاً تحويل المجتمع، وأن يرى الناس أنفسهم جزءاً من رسالة تاريخية.

وإذا نظرنا إلى رسائل مجتبى خامنئي من هذا المنظور، يمكن اعتبار الرسالة حلقةً تُكمل هذا المشروع. وفي هذا السياق، لا يُعدّ الشعب مجرد مؤيد للحكومة، بل هو “الأمة المُرسَلة”. يجب على الفنانين أن يتماشوا مع بعثية الشعب، وعلى البرلمان أن يُحاذي نفسه مع الأمة المُرسَلة. ثم يمتد هذا المسار ليشمل الأمة الإسلامية، ويقف جنباً إلى جنب مع جبهة المقاومة.

بعبارة أخرى، إذا كانت الخطوات الخمس تمثل خارطة طريق الجمهورية الإسلامية نحو بناء حضارة إسلامية جديدة، فإن “البعثية” محاولة لتحديد الكوادر البشرية لهذا المشروع؛ أي الأشخاص الذين يُفترض بهم قيادة هذا المسار.

الرسالة.. المقاومة.. النظام الجديد

لا يقتصر الربط بين الرسالة وجبهة المقاومة على الرسائل الدينية، بل يتكرر النمط نفسه حتى في قضية مثل الاتفاقية مع أمريكا. ففي رسالته عقب توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، كتب مجتبى خامنئي أنه على الرغم من عدم موافقته المبدئية على الاتفاقية، إلا أنه سمح بتنفيذها نظراً لالتزام الرئيس وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي بـ “حماية حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة”.

ويظهر النمط نفسه في رسالة اليوم الوطني لدول الخليج العربي؛ حيث يكتب أن سلسلة الانتصارات الناتجة عن “سياسات المقاومة واستراتيجية إيران القوية” ستكون بداية “نظام جديد في المنطقة والعالم”.

وإذا جمعنا هذه الرسائل، يمكننا القول إن مهمة الشعب، وجبهة المقاومة، والنظام الجديد، هي ثلاث حلقات في سلسلة واحدة؛ سلسلة تبدأ من داخل إيران، لكن هدفها النهائي يتجاوز حدودها.

لماذا تُعدّ “البعثة” مَهمة؟

يمكن القول إن كلمات مثل المقاومة، وأمريكا، وإسرائيل، والأمة الإيرانية هي الأكثر استخداماً في رسائل مجتبى خامنئي. استُخدمت مصطلحات عديدة، لكن أهميتها لا تكمن في عدد مرات ورودها، بل في مكانتها في بنيته الفكرية.

لطالما كانت “المقاومة” إحدى الكلمات المفتاحية الثابتة في أدبيات الجمهورية الإسلامية، وتُعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل عدوتين دائمتين لهذا الخطاب، لكن “البعث” كلمة تُعيد تعريف دور الشعب.

ففي هذا السياق، لا يقتصر دور الشعب على كونه مؤيداً للحكومة أو مشاركاً في الانتخابات والتجمعات، بل يصبح “مبعوثاً”، أي أنه يضطلع بمهمة تتجاوز حدود الدولة أو حتى حدود البلد.

لهذا السبب، لا تعدّ البعثة في رسائل مجتبى خامنئي مجرد مفهوم ديني، بل لغة جديدة لتحديد علاقة الشعب بالمشروع السياسي للجمهورية الإسلامية.

ولكن لماذا يُشدد مجتبى خامنئي على مفهوم البعثة أو الرسالة أو المَهمة إلى هذا الحد؟

باختصار، يشير المغزى في هذه الرسائل إلى شعب مُختار لتنفيذ مهمة. السؤال الأساسي ليس من اختار هؤلاء الأشخاص، بل ما هي هذه المهمة تحديداً. يجب البحث عن الإجابة في مجموعة رسائله، وكلما تعمقنا في هذه الرسائل، اتضح جلياً أن البعثة ليست الغاية النهائية، بل وسيلة لتحقيق غاية أسمى.

ففي رسالته الأولى بعد توليه القيادة، كتب مجتبى خامنئي: “قضية المقاومة وجبهة المقاومة جزء لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية”. ويستمر النهج نفسه في الرسائل اللاحقة؛ حيث ذُكرت لبنان وفلسطين والعراق واليمن، وضرورة حماية “حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة” في آنٍ واحد، وذلك من خلال اتفاق مع الولايات المتحدة، وأخيراً، “النظام الجديد للمنطقة والعالم” الذي سيتشكل في ظل استراتيجية المقاومة.

وإذا قرأنا هذه الرسائل في إطار نظرية “الخطوات الخمس لتحقيق حضارة إسلامية جديدة”، تتضح لنا صورة أكثر تماسكاً. ولسنوات، تحدث علي خامنئي عن مشروعٍ كان من المفترض أن يقود الثورة الإسلامية إلى حضارة جديدة. ومجتبى خامنئي، على الأقل في الرسائل المنشورة حتى الآن، يتحدث أيضاً عن مفهومٍ قد يكون القوة الدافعة لهذا المشروع: الأمة المُهيأة.

ولعل هذا هو السبب في اعتبار “البعثة” هي الكلمة المفتاحية الأهم في بداية قيادة مجتبى خامنئي؛ كلمةٌ لا تُعيد تعريف مكانة الشعب فحسب، بل تُعيد تعريف دوره أيضاً في مواصلة المشروع الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية. مشروعٌ كان من المفترض، من منظور القائد السابق، أن ينتهي بـ”حضارة إسلامية جديدة”، ومن منظور القائد الجديد، يستمر السعي إليه مع وضع جبهة المقاومة في صميمه، وعلى أفق “نظام جديد في المنطقة والعالم”.

إذا كان هذا الفهم صحيحاً، فإن مصطلح “البعثة” ليس مجرد اختيار أدبي أو ديني، وقد يكون هذا المصطلح هو الرابط بين خطاب القائد الثاني والثالث للجمهورية الإسلامية. يُظهر هذا الارتباط أنه، على الأقل في الرسائل المنشورة حتى الآن، ليس هناك تغيير جوهري في التوجه الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية فحسب، بل تم بذل محاولة لمواصلة نفس المشروع بلغة جديدة وتعريف جديد لدور الشعب.

  • مقال مترجم للمحلل السياسي «مهدي بيجي»، منشور في موقع «إيران إنترناشيونال» في نسخته الفارسية تحت عنوان: «بعثت مردم» تا «تمدن نوین اسلامی»؛ کلیدواژه‌هایی برای فهم خط فکری مجتبی خامنه‌ای.

مقالات ذات صلة